فنون بصرية نعيم شريف - الرحيل صوب الأفق

في هذه الصورة الفوتوغرافية ، يحرصُ المصوّرُ على اصطياد لحظة الرحيل للرجل مع ظلّه ، لانرى وجهَ الرجل ، لكننا نرى جسده منتصباً يسيرُ بهمّه صوب مكان ما ، تشيرُ المُسحاة " الرفش " الذي يتنكّبهُ بأنّهُ ذاهبٌ للفلاحة في أرضه ، نحنُ نرى أرضاً سبخةً يسيرُ عليها الرجلُ المغادر ، لا أملَ فيها ، لكنَ قفا الرجل السائر يوحي لنا بأنّه في سبيل القيام بشيء ما .
يقبضُ الرجلُ ،بحزمٍ وقوةٍ ،على ذراع المسحاة ،بينما تقولُ لنا لغة الجسد إنّهُ في سبيلهُ لإخضاع ما ضنّت به الحياة عليه من أرض صالحة أو ماء وفير .
رأسُ الرجل مُكللُ بالبياض ، تلك إشارةٌ الى أنّهُ خبرَ عدداً لا يحصى من أيامٍ سود .
يبدو جسد الرجل في خصومة مع وجه الحياة ، إنّهُ لا يريد أن يرى الكاميرا ، إنّهُ في لُجّة التحدي مع عناد الدنيا : لا وقت للتصوير !
لكنّ هذا الجسد المُيمم شرقاً ، كأنّما هو ذاهبٌ الى نهاية العالم ، لم يعد موجوداً على هذه الأرض السبخة ، كأنّما كانت تلك طريقتهُ في الغضب من الناس ، المضي ، بحزم حتى تخوم الأبدية ، كأنّما تقولُ لنا الصورة ، أو يقول لنا الرجل : سأحفرُ حفرةً ما : بئراً أو أرضاً أو قبراً ، ولكن لن أمكث هنا .
قوّة التعبير في الصورة ، تجسّدت في انطاق جسد الرجل أو النجاح في اظهار لغته ، فنحن بإزاء من عزمَ على شيء وترك وراءه كُلَّ شيء حتى التفاتة بسيطة نحو الكاميرا.
يظهرُ الأفق الازرق بهيّاً في الصورة كما تبدو لنا زرقة السماء صافية ، لكن كادر الصورة يظهر رأس الرجل في قلب الأفق الأزرق ، لكأنّما هو راحل الى الحد الفاصل بين الأرض والسماء ،
تبدو الأرضَ بنيّةً متموّجة ، ربّما هي نهرٌ أدركهُ الجفاف ، والرجل الذي يتنكب المسحاة في سبيله ليُجبرَ نهراً مختفياً على الظهور والجريان .
لا يحتاجُ صُنّاعُ الحياة ليواجهوا الكاميرا ، هم مشغولون بأمور أكثرُ أهمية ، هاهو الرجل لا يعبأ بكامرة تصوّره ، هو سادرٌ في رحيله صوب خاصرة الغياب ، حيث يترك لنا الصورة وعلاماتها .
الصورةُ الأخيرة للحاج رحيم الريشاوي ، قبل رحيله، أخذت بعدسة ولده الشاعر صالح رحيم ،
لروحه الرحمة والسلام







تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...