مصطفى نصر - جي دي موبسان وقصته " الأم "

وقت الحرب بين ألمانيا وفرنسا، التحق الشاب – " فيكتور" بالجيش تاركا أمه في البلدة وحدها.
كانت حزينة لفقد ابنها الوحيد، ويقول جي دي موبسان عنها:
" كانت عجوز طويلة نحيلة خشنة، نادرا ما تبتسم، ولم يكن يمزح أحد معها، والنساء في الريف - على الإجمال – لا يضحكن كثيرا، فهذه مهمة الرجل، يمتلكن نفوسا كاسفة حزينة لأنهن يعشن حياة رتيبة كئيبة، والفلاح يتعلم بعض المرح الصاخب في الحانة، لكن زوجته تظل صارمة لابسة قناعا أبديا من العبوس والتجهم دون أن تتعلم عضلات وجهها كيف تنبسط وتتقلص بالضحك "
وجاء الألمان المنتصرون، فوزعوهم بين سكان البلدة طبقا لموارد كل أسرة، ولأن الأم متيسرة الحال، فقد كانت مسئولة عن إيواء أربع جنود ألمان.
وجود الجنود ذكرها بابنها الذي يحارب في الجيش، فكانت تحدثهم في كل يوم عنه، وسألتهم:
- هل تعرفون أين ذهب الفوج الفرتسي – فرقة المشاة الثالثة والعشرون؟ فولدي فيكتور فيهم؟
فيجيبونها قائلين:
- لا نعرف مكانه.
ذهب الجنود الأربعة ككل يوم، وبقيت العجوز وحدها في البيت، كانت تعد الطعام الذي سيأكلونه عندما يعودوا من المهمة المكلفين بتنفيذها.
ودق باب بيتها ساعي البريد، وسلمها رسالة من زميل ابنها في الجيش تفيد بأن ابنها فيكتور قُتل في الحرب أمس، قذيفة مدفع ألمانية شطرته نصفين. وكان قد ابلغه بإخبار أمه إذا حدث له مكروه، وأن يسلمها ساعة يده، وباقي متعلقاته.
كان تاريخ الرسالة يعود لثلاثة أسابيع من تاريخ اليوم.
وعاد الجنود الألمان ككل يوم، كانوا يضحكون، ويصيحون كعادتهم.
قدمت الطعام إليهم ككل يوم، ثم اقتربت منهم مبتسمة، طلبت معرفة اسماءهم واسماء ذويهم وعناوينهم في بلادهم.
نظرت المرأة للورقة ودستها في ملابسها مبتسمة.
صعدوا ككل مساء إلى الدور العلوي ليناموا، فاسرعت للخارج وشدت كمية هائلة من القش، واحاطت به الدور الذي يسكنونه، واشعلت النار فيه.
اشتعل البيت كله ولم ينج الجنود الأربعة،
اقترب منها ضابط ألماني وسألها:
- أين الجنود الذين يعيشون معك؟
فأشارت إلى كومة النار المشتعلة قائلة:
- يحترقون في النار.
فصاح مندهشا:
- من الذي اشعل النار فيهم؟
قالت بهدوء شديد وهي مازالت تراقب حمم النار:
- أنا التي اشعلتها.
ثم أخرجت ورقا من ملابسها وقدمته للضابط:
- هذه هي اسماء الضباط الألمان الأربعة وعناوين ذويهم، لتبلغوهم بموتهم.
امسك الضابط بالورق وهو مذهول مما تقول، ثم قدمت ورقة أخرى وقدمتها إليه:
- وهذه رسالة تفيد بموت فيكتور ابني أيضا.
أعاد الضابط رسالة موت ابنها إليها، وصاح في جنوده فقبضوا عليها، واصطف اثنا عشر رجلا في مواجهتها، لم تتحرك من مكانها، وانتظرت رصاصهم في ثبات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...