يقول أستاذنا يحيي حقي في مقالة له بجريدة المساء ( 24 مايو 1965):
بعثات محمد علي أغنت مصر باسماء لامعة في عالم الطب، أولاد الفلاحين عادوا من باريس وعلى رؤوسهم تيجان شرف وفخار: سالم حمدي، القلي، ومعهم الدري – تركي الأصل -، هم الذين جعلوا من قصر العيني، المعهد العتيد الذي تخرج فيه – فيما بعد – علي إبراهيم ورفقاؤه، ومع ذلك فإن الإمتيازات الأجنبية كانت قد فتحت باب مصر على مصراعيه لكل من هب ودب، فوفد عليها نفر من المغامرين في زي أطباء، يستغلون طيبة الشعب المصري، لم يطلب منهم الحصول على ترخيص مزاولة المهتنة ولا أداء امتحان، وأعلم علم اليقين أن أحد هؤلاء الأطباء كان يشتغل بشهادة في الطب حصل عليها أخوه. وامتلأت مصر بأطباء أجانب من كل جنس ولون، وارتفعت سمعة الأطباء الأجانب على حساب الأطباء أولاد البلد، لا أنسى إلى اليوم اللافتة العجيبة التي كنت أراها عام 1927 في أحد شوارع منفلوط غير مكتوب عليها إلا كلمتان "حكيم فرنساوي "، فهي تغني عن كل شهادة وكل تزكية.
فالملك فؤاد لا يلجأ لتوليد الملكة ناظلة إلا لطبيب أجنبي هو كاسولاري، ولا يسلم أسنانه – التي نجت من الرصاص – إلا للمستر براي داي الإنجليزي، أو إلى استانكوفتش، ولعله مجري. ولا يسلم روحه إلا أمام أطباء وفدوا من إيطاليا.
**
والعلاج عندما كنت صغيرا كان سهلا، فقد كانت جدتي تأخذني في أي أمر يتطلب علاجا إلى مستشفي " أحمد ماهر " في محطة مصر، تقطع تذكرة بقروش قليلة، ويأتينا أطباء كبار؛ عياداتهم في محطة الرمل، والكشف عندهم غالي جدا.
وكنت أذهب إلي مستشفي أحمد ماهر إذا أردت أن أخذ حقنة، فأقف في طابور صغير أمام الشباك فأحصل على تذكرة صغيرة، وأذهب إلى حجرة مخصصة لأخذ الحقن . كانت المستشفى عامرة، وملاذا لفقراء المنطقة.
ومستوصف اسمه المستوصف الأوربي في شارع أبو الدرداء، يعمل به كبار الأطباء بأسعار منخفضة، كشفت عند طبيب كبير في تخصص الأنف والأذن والحنجرة،عيادته في شارع صفية زغلول، وطبيب يهودي اسمه سابا عازر، يأتي للعيادة كل يوم جمعة، يعالج الذين يشكون الأمراض الجلدية والتناسلية، فتجدهم – من كثرتهم، - يجلسون على سلالم العمارة التي يقع بها المستوصف، ويقفون في الشارع كان ماهرا في عمله إلى حد بعيد، وقد حكت لي مديرة في الثقافة بأن أبنها أصيب بمرض جلدي فعرضته على أكبر الأطباء في القاهرة، ولم يعالجه ويقضي على مرضه سوى سابا عازر هذا .
والأطباء في حينا كان معظمهم من الأخوة المسيحيين، وسأذكر هنا بعض الذين تعاملت معهم:
1 – صموئيل اسكندر
عيادته قريبة جدا من " محطة مصر" في بيت قديم تحته بائع فحم، وتسكن عيادته امرأة عجوز اسمها أم محمد، وابنها محمد طوله ضعف طول الطبيب تقريبا، كانا يساعدان الطبيب في عمله، فهو جراح ماهر، ولو كانت الحالة المرضية لها حلول أخرى غير الجراحة، يبدأ بالجراحة، كأنه يعشقها.
أجرى عملية بواسير لقريب لي، وأقام قريبي في عيادته عدة ليال، ولأن قريبي هذا مدمن مخدرات فقد أحس بآلام شديدة بعد العملية، ولم يفلح معه المخدر الذي خدره به الطبيب، ومن شدة الألم كان يدق الأبواب والجدران وأسرته تبكي حوله، وصموئيل اسكندر يتابعه دون حركة، وعندما طلبوا منه أن يعطيه كمية أخرى من المخدر، قال:
- مقدرش ده خد مخدر يخدر فيل.
وأحست امرأة تسكن بيت جدتي بآلام شديدة في فخذها، جعلتها تصرخ طوال الليل والنهار، وذهبوا بها إلى المستشفى الأميري وحجزوها لعدة أيام، وخرجت منها دون فائدة، فلم يعرفوا ما بها، وكان الحل أن تذهب إلى صموئيل اسكندر، الذي عرف أن هناك خراج داخل فخذها ولابد من استئصاله في الحال، ولأن المرأة فقيرة، فقد اعترضوا على القيمة التي يريدها في العملية، فقال لهم :
- ما فيش مشاكل، نعمل العملية وبعدين نتفاهم في الأجرة.
ورأيت فتاة جميلة تخرج من حجرته وهي غير قادرة على السير وحدها، وطلبت مني أن أطلب لها تاكسي، وفعلت، وذهبت إليها لأبلغها أن التاكسي ينتظرها أسفل البيت، فمدت ذراعيها لي قائلة:
- أخي، ساعدني.
واقتربت منها مترددا، وهي تمد ذراعيها في انتظار أن ترتمي في صدري لاحملها؛ لكن صمويل اسكندر قال مبتسما:
- أبعد يا ولد، عايز تصطاد في الميه العكرة؟!
ونادى على أم محمد لمساعدتها.
وكان كشفه في ذلك الوقت خمسة جنيهات، فرأيت امرأة من " الهناجرة " عنده هي وابنتها الشابة، فكشف على ابنتها وكتب لها العلاج، وفكت المرأة منديلها لتعطيه أجره، فوضعت فوق مكتبه ثلاثة جنيها أو أقل؛ قائلة:
- كل إللي معايا.
فقال في ضيق: هاتيهم.
ثم قالت له: وأنا يا دكتور أشكو من كذا وكذا.
وكتب لها هي الأخرى روشتة علاج.
وقد تحدثت عنه مع طبيب شركتنا الذي كان ماهراً مثله، فقال لي:
- ده معالج نصف سكان الإسكندرية.
ومن شدة حب الناس له في المنطقة يحكون عنه حكايات كثيرة، منها:
إن الليثي شقيق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد أصيب بمرض أتعبه لسنوات، فعرض نفسه على أكبر أطباء القاهرة والإسكندرية دون طائل، إلى أن دله البعض على صموئيل إسكندر. فعرف حالته، وأجرى له عملية جراحية ناجحة أراحته من عذابه، وعندما علم جمال عبد الناصر بهذا؛ عرض علي صمويل اسكندر أن يشغل وزارة الصحة، لكنه اعتذر قائلا:
- لا أستطيع أن أبتعد عن أهل المنطقة الذين أحبوني.
الدكتور رمسيس
كان وسيما، يميل للامتلاء، وعيادته مواجهة لدكان يبيع عصير القصب مواجه لمسجد سلطان، وتحته مطحن بن مشهور، ويعالج الأمراض الباطنية والأطفال، كان ماهرا في عمله، لكنه لا يعجبه الحال المايل، ويضيق بالتصرفات التي تسبب الأمراض أو تزيد من آثارها؛ خاصة من النساء اللائي لا يعرفن كيف يهتممن بأطفالهن. وذهبتُ مرة مع صديق لي كان يعاني من ارتفاع في الحرارة، فدهنت أمه جسده بالكحول والخل، فصاح فينا قائلا:
- إيه إللي بتعملوه ده، إيه الجهل ده؟!
ورغم مهارته في مهنته كانت عيادته خاوية، بسبب صراحته ومعاملته لمرضاه؛ خاصة النساء، فحكى لي صديق بأن أخاه الصغير مرض مرضا شديدا، فحملته أمه وذهبت به إليه، فأحس رمسيس بأن أم الطفل قد أهملت في رعايته، فصاح فيها غاضبا، وعند الاستشارة التي تتم بعد أسبوع من الكشف، أخذتْ صديقي معها، وجعلته يصعد بأخيه إلى الطبيب، وانتظرته عند بائع العصير، لكن الدكتور دخل الشرفة بالصدفة لينظر إلى أحد، فظنته ينظر إليها، وسيأمرها بأن تأتي إليه ليوبخها في اهمالها في ابنها؛ فجرت مسرعة خائفة منه.
وحكى لي صديقي الدكتور عبد المنعم الميلادي، عندما ذكرنا الدكتور رمسيس، بأنه كان صاحب أخلاق عالية، فقد كان عبد المنعم في حاجة إلى عمل بعد الظهر؛ ليزيد من دخله، وفوجئ به يرسله إلى مستشفى خاص ليعمل به مساءً، دون أن يكون صديقه.
صبحي عوض
كانت عيادته في أول شارعنا من ناحية شارع إيزيس، وتخصصه أمراض نساء، لكنه كان يعالج جميع الأمراض، والمرضى يجلسون في العيادة فيملأونها، ثم يجلسون على درجات السلم ودخلة العمارة الكبيرة التي يسكنها .ويسهر لوقت متأخر من الليل .ومعظم زبائنه من النساء، يأتين إليه لعلاج جميع أنواع الأمراض، فقد كان يمازح كل مرضاه، ويرضي غرورهم، فقد ذهبت مع ابن عمي الذي كان يشكو من آلام في بطنه، وعندما تحدثت قال لي:
- عيناك فيهما ذكاء.
واكتشفت أنه يفعل هذا مع كل من يتحدث معه.
كتب العلاج لابن عمي، لكن أمه كانت من النوع القلق المجنون بأبنائها، فأصرت على أن نذهب به إلى مستشفى الجمهورية القريبة، فذهبنا به، فقرر الطبيب أنه في حاجة لعملية جراحية لإزالة الزائدة الدودية، فجن جنونها، وقالت:
- لأ، نرجع للدكتور تاني .
فعدنا إليه، فقال بعد أن فحصه:
- أيوه الزايدة جات له في السكة.
وكان كاذبا في ذلك، وطبيب مستشفي الجمهورية كاذب أيضا .فقد تم شفاءه دون عملية جراحية.
وجلستُ في الصالة وسط مرضاه الذين ينتظرون الدخول إليه، فسمعت امرأة تحدث أخرى قائلة :
- أنا عارفه أنه ما يعرفش حاجة، بس أنا برتاح له.
كنت أعود إلى بيتي متأخرا، فأجد عيادته مضاءة، فقد كان يجري عمليات إجهاض في آخر الليل .
بعثات محمد علي أغنت مصر باسماء لامعة في عالم الطب، أولاد الفلاحين عادوا من باريس وعلى رؤوسهم تيجان شرف وفخار: سالم حمدي، القلي، ومعهم الدري – تركي الأصل -، هم الذين جعلوا من قصر العيني، المعهد العتيد الذي تخرج فيه – فيما بعد – علي إبراهيم ورفقاؤه، ومع ذلك فإن الإمتيازات الأجنبية كانت قد فتحت باب مصر على مصراعيه لكل من هب ودب، فوفد عليها نفر من المغامرين في زي أطباء، يستغلون طيبة الشعب المصري، لم يطلب منهم الحصول على ترخيص مزاولة المهتنة ولا أداء امتحان، وأعلم علم اليقين أن أحد هؤلاء الأطباء كان يشتغل بشهادة في الطب حصل عليها أخوه. وامتلأت مصر بأطباء أجانب من كل جنس ولون، وارتفعت سمعة الأطباء الأجانب على حساب الأطباء أولاد البلد، لا أنسى إلى اليوم اللافتة العجيبة التي كنت أراها عام 1927 في أحد شوارع منفلوط غير مكتوب عليها إلا كلمتان "حكيم فرنساوي "، فهي تغني عن كل شهادة وكل تزكية.
فالملك فؤاد لا يلجأ لتوليد الملكة ناظلة إلا لطبيب أجنبي هو كاسولاري، ولا يسلم أسنانه – التي نجت من الرصاص – إلا للمستر براي داي الإنجليزي، أو إلى استانكوفتش، ولعله مجري. ولا يسلم روحه إلا أمام أطباء وفدوا من إيطاليا.
**
والعلاج عندما كنت صغيرا كان سهلا، فقد كانت جدتي تأخذني في أي أمر يتطلب علاجا إلى مستشفي " أحمد ماهر " في محطة مصر، تقطع تذكرة بقروش قليلة، ويأتينا أطباء كبار؛ عياداتهم في محطة الرمل، والكشف عندهم غالي جدا.
وكنت أذهب إلي مستشفي أحمد ماهر إذا أردت أن أخذ حقنة، فأقف في طابور صغير أمام الشباك فأحصل على تذكرة صغيرة، وأذهب إلى حجرة مخصصة لأخذ الحقن . كانت المستشفى عامرة، وملاذا لفقراء المنطقة.
ومستوصف اسمه المستوصف الأوربي في شارع أبو الدرداء، يعمل به كبار الأطباء بأسعار منخفضة، كشفت عند طبيب كبير في تخصص الأنف والأذن والحنجرة،عيادته في شارع صفية زغلول، وطبيب يهودي اسمه سابا عازر، يأتي للعيادة كل يوم جمعة، يعالج الذين يشكون الأمراض الجلدية والتناسلية، فتجدهم – من كثرتهم، - يجلسون على سلالم العمارة التي يقع بها المستوصف، ويقفون في الشارع كان ماهرا في عمله إلى حد بعيد، وقد حكت لي مديرة في الثقافة بأن أبنها أصيب بمرض جلدي فعرضته على أكبر الأطباء في القاهرة، ولم يعالجه ويقضي على مرضه سوى سابا عازر هذا .
والأطباء في حينا كان معظمهم من الأخوة المسيحيين، وسأذكر هنا بعض الذين تعاملت معهم:
1 – صموئيل اسكندر
عيادته قريبة جدا من " محطة مصر" في بيت قديم تحته بائع فحم، وتسكن عيادته امرأة عجوز اسمها أم محمد، وابنها محمد طوله ضعف طول الطبيب تقريبا، كانا يساعدان الطبيب في عمله، فهو جراح ماهر، ولو كانت الحالة المرضية لها حلول أخرى غير الجراحة، يبدأ بالجراحة، كأنه يعشقها.
أجرى عملية بواسير لقريب لي، وأقام قريبي في عيادته عدة ليال، ولأن قريبي هذا مدمن مخدرات فقد أحس بآلام شديدة بعد العملية، ولم يفلح معه المخدر الذي خدره به الطبيب، ومن شدة الألم كان يدق الأبواب والجدران وأسرته تبكي حوله، وصموئيل اسكندر يتابعه دون حركة، وعندما طلبوا منه أن يعطيه كمية أخرى من المخدر، قال:
- مقدرش ده خد مخدر يخدر فيل.
وأحست امرأة تسكن بيت جدتي بآلام شديدة في فخذها، جعلتها تصرخ طوال الليل والنهار، وذهبوا بها إلى المستشفى الأميري وحجزوها لعدة أيام، وخرجت منها دون فائدة، فلم يعرفوا ما بها، وكان الحل أن تذهب إلى صموئيل اسكندر، الذي عرف أن هناك خراج داخل فخذها ولابد من استئصاله في الحال، ولأن المرأة فقيرة، فقد اعترضوا على القيمة التي يريدها في العملية، فقال لهم :
- ما فيش مشاكل، نعمل العملية وبعدين نتفاهم في الأجرة.
ورأيت فتاة جميلة تخرج من حجرته وهي غير قادرة على السير وحدها، وطلبت مني أن أطلب لها تاكسي، وفعلت، وذهبت إليها لأبلغها أن التاكسي ينتظرها أسفل البيت، فمدت ذراعيها لي قائلة:
- أخي، ساعدني.
واقتربت منها مترددا، وهي تمد ذراعيها في انتظار أن ترتمي في صدري لاحملها؛ لكن صمويل اسكندر قال مبتسما:
- أبعد يا ولد، عايز تصطاد في الميه العكرة؟!
ونادى على أم محمد لمساعدتها.
وكان كشفه في ذلك الوقت خمسة جنيهات، فرأيت امرأة من " الهناجرة " عنده هي وابنتها الشابة، فكشف على ابنتها وكتب لها العلاج، وفكت المرأة منديلها لتعطيه أجره، فوضعت فوق مكتبه ثلاثة جنيها أو أقل؛ قائلة:
- كل إللي معايا.
فقال في ضيق: هاتيهم.
ثم قالت له: وأنا يا دكتور أشكو من كذا وكذا.
وكتب لها هي الأخرى روشتة علاج.
وقد تحدثت عنه مع طبيب شركتنا الذي كان ماهراً مثله، فقال لي:
- ده معالج نصف سكان الإسكندرية.
ومن شدة حب الناس له في المنطقة يحكون عنه حكايات كثيرة، منها:
إن الليثي شقيق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد أصيب بمرض أتعبه لسنوات، فعرض نفسه على أكبر أطباء القاهرة والإسكندرية دون طائل، إلى أن دله البعض على صموئيل إسكندر. فعرف حالته، وأجرى له عملية جراحية ناجحة أراحته من عذابه، وعندما علم جمال عبد الناصر بهذا؛ عرض علي صمويل اسكندر أن يشغل وزارة الصحة، لكنه اعتذر قائلا:
- لا أستطيع أن أبتعد عن أهل المنطقة الذين أحبوني.
الدكتور رمسيس
كان وسيما، يميل للامتلاء، وعيادته مواجهة لدكان يبيع عصير القصب مواجه لمسجد سلطان، وتحته مطحن بن مشهور، ويعالج الأمراض الباطنية والأطفال، كان ماهرا في عمله، لكنه لا يعجبه الحال المايل، ويضيق بالتصرفات التي تسبب الأمراض أو تزيد من آثارها؛ خاصة من النساء اللائي لا يعرفن كيف يهتممن بأطفالهن. وذهبتُ مرة مع صديق لي كان يعاني من ارتفاع في الحرارة، فدهنت أمه جسده بالكحول والخل، فصاح فينا قائلا:
- إيه إللي بتعملوه ده، إيه الجهل ده؟!
ورغم مهارته في مهنته كانت عيادته خاوية، بسبب صراحته ومعاملته لمرضاه؛ خاصة النساء، فحكى لي صديق بأن أخاه الصغير مرض مرضا شديدا، فحملته أمه وذهبت به إليه، فأحس رمسيس بأن أم الطفل قد أهملت في رعايته، فصاح فيها غاضبا، وعند الاستشارة التي تتم بعد أسبوع من الكشف، أخذتْ صديقي معها، وجعلته يصعد بأخيه إلى الطبيب، وانتظرته عند بائع العصير، لكن الدكتور دخل الشرفة بالصدفة لينظر إلى أحد، فظنته ينظر إليها، وسيأمرها بأن تأتي إليه ليوبخها في اهمالها في ابنها؛ فجرت مسرعة خائفة منه.
وحكى لي صديقي الدكتور عبد المنعم الميلادي، عندما ذكرنا الدكتور رمسيس، بأنه كان صاحب أخلاق عالية، فقد كان عبد المنعم في حاجة إلى عمل بعد الظهر؛ ليزيد من دخله، وفوجئ به يرسله إلى مستشفى خاص ليعمل به مساءً، دون أن يكون صديقه.
صبحي عوض
كانت عيادته في أول شارعنا من ناحية شارع إيزيس، وتخصصه أمراض نساء، لكنه كان يعالج جميع الأمراض، والمرضى يجلسون في العيادة فيملأونها، ثم يجلسون على درجات السلم ودخلة العمارة الكبيرة التي يسكنها .ويسهر لوقت متأخر من الليل .ومعظم زبائنه من النساء، يأتين إليه لعلاج جميع أنواع الأمراض، فقد كان يمازح كل مرضاه، ويرضي غرورهم، فقد ذهبت مع ابن عمي الذي كان يشكو من آلام في بطنه، وعندما تحدثت قال لي:
- عيناك فيهما ذكاء.
واكتشفت أنه يفعل هذا مع كل من يتحدث معه.
كتب العلاج لابن عمي، لكن أمه كانت من النوع القلق المجنون بأبنائها، فأصرت على أن نذهب به إلى مستشفى الجمهورية القريبة، فذهبنا به، فقرر الطبيب أنه في حاجة لعملية جراحية لإزالة الزائدة الدودية، فجن جنونها، وقالت:
- لأ، نرجع للدكتور تاني .
فعدنا إليه، فقال بعد أن فحصه:
- أيوه الزايدة جات له في السكة.
وكان كاذبا في ذلك، وطبيب مستشفي الجمهورية كاذب أيضا .فقد تم شفاءه دون عملية جراحية.
وجلستُ في الصالة وسط مرضاه الذين ينتظرون الدخول إليه، فسمعت امرأة تحدث أخرى قائلة :
- أنا عارفه أنه ما يعرفش حاجة، بس أنا برتاح له.
كنت أعود إلى بيتي متأخرا، فأجد عيادته مضاءة، فقد كان يجري عمليات إجهاض في آخر الليل .