حيدر الشماع - قراءة في (تابوت الندى) للشاعر مصطفى الحاج حسين ..

الإنزياحات التركيبية ..والسّرد التعبيري
( ان البشر يحسبون أنهم أحرار ولكنهم مرغمون ومحددون ولكن توهما يدغدغ أناتهم ويغذي كبريائهم ) ..
تتجلى قوة أي نص سردي يحمل رسالة محددة ولكنها مضمرة تضمينية ، في خلق انزياحات خلاقة متجاوزة لما سبق لتثبيت معان تحفز المتلقي إلى مشاركته الوجدانية التفاعلية للتوصل إلى المغزى تأويلا ، فالإنزياح من الظواهر الأسلوبية في اللغة لتتخريج أنماط تعبيرية لغوية دلالية لافتا شد انتباه المتلقي لهذه الرسالة الكامنة وراء الالفاظ ولم تكن صدفة أو اعتباطاً استعمال هذه التقنية التعبيرية بل عن وعي تام وتبصر وافي في توسيع مدى الدلالة إلى البنية العميقة للنص ، إن الإنزياح كان مقصوداً ليخدم مواقف فكرية وهواجس دفينة للمضمر والمسكوت عنه والرؤى الشعورية واللاشعورية كما وصفه جاكوبسن ( الانتظار الخائب أو خيبة الانتظار ) ، من خلال انزياح دلالي تركيبي وايقاعي ،
( ودّع لوّح سدّد ) ( جسد اللحظة
اختناقك النسمة انهيار الضوء) ( ظرفية زمنية ممتدة ) ، ( جف نهر البريق وتسامق جدار الهزيمة ) ( ياأمة التلاشي لاشئ يبقى الا الرماد ) ، أن اللعبة الزمنية الضمنية المضمرة هي الاكثر ادهاشا في عملية الوصف والاكثر نصاعة في التلقي والاشد وعورة في البحث والخط الممتد في التأويل والاكثر قدرة على الإبهار حين يمتد في أفق واسع وبعد شاسع في مراميه ومنحنياته ،ولايمكن أن يؤطر حيث يمنع اللغة أن تصف وتتفنن ولكنها تكون أشد وقعا وخطورة في بيان المعنى والتسلل الى ماورائيات المعنى ورؤاه المتغيرة والمتوالدة التي تتعايش مع الواقع الاني ، ( اللحظة النسمة لاشئ يبقى التلاشي جف نهر بريق ) ، يمكن ان نفهم مستوى التراكيب بعد ان نستمد كل مفردة من سابقتها ولاحقتها والفعل المتعلق بها أو قيمتها الحضورية وما تثيره من اشراقات أو اسقاطات في ذاكرة المتلقي من خلال التعاقد بين الاشارات والانزياحات التي نجدها تستنطق ابعاد تأويلية عميقة وابعاد اسقاطية بالفاظ اشراقية ضمن خطاب سري تحوي كثيرا من الجدل ، إن وظيفة الشاعر ليست فقط رؤية آنية لحظوية وإنما تجاوزها وهي ليست وظيفة آمنة ،إن دعوتها تعني تبني فكرة الهدم واماطة اللثام والتحيز وفق رؤى تتطلب تراكيب مستحدثة في ملمح فني خصب يمكن أن تجني ثمار فكرية ناضجة ، ( تراكض أروقة هلاك ) ( نوافذ بلاأنفاس ابواب بلاأجساد البحر التصحر
التشرد البراري الى غير جهة
يمضي الحنين ) .
هنا يقوم التوازن بين الثنائيات الضدية فيها الايجاز وعمق المعنى والحلم والواقع يبقى كل عنصر محافظا على وجوده لايجتمعان لأن جوهر التناقض هو التوازي حيث يتمثل عالمين أو حالتين لنفس الحدث،(بلا أصابع يقبض علينا الانحسار ياأمة الانهيار تماسكي وتمسكي بالقشة العاثرة ( كالغريق يتمسك بقشة ) ، ( سيضحك التأريخ منا
الذي سنسقط من ثقوبه
بلاشفقة إ
إلى العدم ) .
الشعر هو ذاته توهج لحظوي مطلق واحتراق ذاتي ولكنه متشظي،يرسله الباث الى الذوات لايترك رمادا ولكنه اطلاق لحمولات خزائنية متوارية من المحسوسات المضمرة والآنية لفتح ابواب مواربة لحركتها التلقائية وحرية لافتة من خلال الافعال الدينامية ،أو حالة الانهمار في الذات التي سببها الانهيار للعوالم التي تتساقط في رؤى العالم ورؤى الشاعر حيث يقف الاحداث ( كفكرة )والشاعر ( الراوي ) و ( الزمن ) الظرف المتحرك والمكان والعالم والاشياء وهنا تكون السببية والنتيجة غير محسومة .
الاديب حيدر الشماع ..
العراق
* تابوت الندى...*
َودِعْ جَسَدَ اللحظـةِ
لوّح باختنـاقِكَ للنسمـةِ
سَدّدِ اْنهيـارَ الضـّوء
لا شيءَ يبقى إلّا الرّمـادُ
والسّكونُ ينـوحُ مِن غيرِ أجنحـةٍ
يا أمّـة التّـلاشي
جفّ نهـرُ البريـقِ
وتسـامَقَ جدارُ الهزيمـةِ
وتراكضَ الدّمعُ في أورقَـةِ الهلاكِ
النّوافـذُ بلا أنفـاسٍ
الأبـوابُ بلا جَسَـدٍ
والبحـرُ تشرّدَ في براري التّصَحُّرِ
إلى غيرِ جهـةٍ يمضي الحَنينُ
بلا أصابعَ يقبُضُ عَلينا الانحسـارُ
يا أمـّةَ الاِْنهيـارِ تماسَكي
وَتَمَسَّكي بالقشةِ العاثرةِ
سَيَضحَكُ منّـا التـّاريخُ
الذي سنسقُطُ من ثُقُوبِـهِ
وَبِلا شَفَقَةٍ سَيَأخُذُنـَا العَـَدَمُ
يا أمَّـةَ الحـاكِمِ الأوْحَـدِ ! .


مصطفى الحاج حسين .
إسطنبول



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...