كاظم حسن سعيد - نظرة الى الامام \ مذكرات.. الفنان منقذ الشريدة ج8

(وماذا تركتم سوى عزلتي وذاكرة تتصدع ,
وروح تقاوم في لجة القوقعة ,
ايها الراحلون
غفلة , بعدكم اين انقش ظلي ؟!! \ ك.ح .س).
في الطريق المؤدي الى مركز تجمع السينمات في البصرة <الاطلس, الرشيد , الوطن ), يقع محل \خياطة التربية \, يديره صديقي القاص غضبان عيسى ..غربا يقود الطريق لمنطقة الكزارة ..منتصف السبعينيات من القرن العشرين .
( غضبان عيسى لفتة الجراح، الوسيم، المعتد بنفسه، المتعدد المواهب والمهارات، القاص، الرسام، المصور، الخطاط، الشطرنجي، الخياط، المقاول، السياسي، إلخ— كان شيوعياً. لكنه، كما بدا لي منذ أول لقاء لي به، في النصف الثاني من عام 1975، كان شيوعياً مشاكساً ...\كان صديقنا المشترك، الشاعر كاظم حسن سعيد، في الوقت الذي التقيت فيه بغضبان، سجيناً في أبي غريب بتهمة "القذف"،\\حيدر الكعبي مجلة الكلمة العدد 165 يناير 2021\\.).. لم انخرط في الحزب الشيوعي يوما رغم ان الجميع يعتقدون انني منهم ..في العراق كل مثقف يوصف بانه شيوعي سواء انتسب او لا ثم اضيفت صفة اخرى لهم فكل نزيه هو شيوعي بالضرورة .مرة اعلن عن حفل في حي الحسين بالبصرة وقدمت اسمي فارسلوني لفرع الحزب في منطقتي ... سالوني <هل قرات ماركس > , اجبتهم بغضب (ما علاقة قراءة قصيدة بهذا ؟),ولم يسمحوا لي بالاشتراك .العطلة الصيفية من عام 1973 بعد ان اجتزت الثالث المتوسط , مررت بفترة تسامي وشعور بالانتفاخ المعرفي .. لم يكن احد يمنحني بوصلة فعمت وحدي خطأ في بحر المعارف فقرات فرويد ورأس المال انجلز ولينين وفلسفتنا واطلعت على فلسفة العلوم وسير الثوريين ومجلدات الوجودية منها ثلاثية سارتر وكتابه العصي <الوجود والعدم > واللامنتمي لكولن ولسن ..في لقاء مع الشاعر حيدر الكعبي وسط السبعينيات باحدى المقاهي جوار منزله في شارع الكويت , التفت اليّ مستغربا (اراك تسعل ؟!)..لم يكن زكاما انها الحمى التي يصاب بها كل من قرأ رواية الجريمة والعقاب بوقت مبكر .كم كنت مخطئا حين اقترحت على صديقي علي عبد النبي في اول شبابه ان يقرا كرمازوف والجريمة والعقاب لدستوفسكي .. فقد اصيب بما تعرضت له من حب العزلة ومناخ التوتر. لست وحدي فقد حدثني الرائد البريكان يوما (رواية الجريمة والعقاب قرأتها فعرّضتني لهزة عنيفة \م). في هذا الطقس كان صديقنا الفقيد الشاعر مهدي طه يقول (اسس الاستقراء هو الكتاب الوحيد الذي تعذر عليّ هضمه )..
محل خياطة التربية
لاول مرة ساكشف السر , لقد احتملته لاكثر من اربعين عاما ...ارسل لي القاص الصديق غضبان رسالة ما زلت احتفظ بها قال فيها (ادعوك تساند فكرتي : ننخرط في حزب البعث وندمر التنظيم من الداخل ) افزعتني هذه الفكرة السريالية .. كان النظام باوج قوته .. الاف اعدموا او اعتقلوا على الشبه او الطرفة او جملة عابرة ..وقد شهدت عددا هائلا تم اعتقالهم بتهمة (السب والشتم \التي كانت تحكم بسنة او ثلاث ) .. ورأيتهم في سجن ابي غريب لا حصر لهم .. بعضهم لا علاقة له بالسياسة : مجرد زلة لسان او حالة سكر ..فكيف لا افزع من فكرة صديقي غضبان وكان منخرطا في الحزب الشيوعي .بعدها باشهر تم اعتقاله واعدم .
في هذا المكان \خياطة التربية \.. دخل علينا منقذ الشريدة بهيأة اثارت فضولي ولهجة اقرب الى السورية ....من الصعب ان تسجل مذكراتك عن احداث مر عليها نصف قرن مستعينا بذاكرة اجهدتها المصنفات وعجلات الزمن وانت تحاول ان تكون موضوعيا منصفا .لا اعرف كيف ولكن العلاقة مع الفنان الشريدة تطورت ..وكان شارع الوطن \ مركز البارات \وضفة شط العرب ميدانا للقاءاتنا ..صحبني عصرا ذات يوم لمنزله في ابي الخصيب .. وصلنا قبيل المغرب وكنا في حالة افلاس .. لحظات واتى بقدر كبير وضعه امامي وقال ساعود , بعد ذهابه رأيت طبخة تشريب متخمة بالعظام واللحوم .. تثير لديك طبخات اهل الخصيب شهية الطعام ..بعد نصف دخل بخطوات عسكرية وصخب ..يحمل قنينة خمر لاذع (بطل عرق مسيّح ).منتصف الليل اتى بكتاب منعني ان اراه ..معروف عن منقذ مزجه ايات وابيات في لوحاته..صباحا عثر علي بيض تحت السلم فالتقطه ومضينا معا في القرية وهو ينادي (من اضاع دجاجة تبيض , < منو الضايعله ..؟ > .تناديك هناك علب الطرشي الخصيبية معلقة في الشبابيك الخشبية الثقيلة .تغريك نكهتها في الحوش الواسع الذي تقتحمه الشمس طيلة النهار .هنا عثرت امه عليه ممدودا تحت سريرها وحين استفسرت مستغربة اجابها (الجنة تحت اقدام الامهات )... تجولت هناك في محترفه المسخم..حيث تنتشر ادوات النحت بفوضى واهمال .
اتفقنا انا والشاعر حيدر الكعبي وبعض زملائنا على مقاطعة منقذ لعله يحد من طبعه الفوضوي .. لكنه داهمني يوما في نقابة الفنانين قبيل منتصف الليل واراد ان يصل لي لكنهم منعوه فقد اتخذوا قرارا بمنعه وهكذا حصل التدافع في النقابة .. واخرجوه ..شعرت بالاطمئنان .. لكنه فاجأني لحظة مغادرتي , كان يقف على ساحة اسد بابل - الذي سينسفه متشددون بعد السقوط – لم اقف... وهو يصرخ بي بصوت مدوي مشمرا يديه , مهتزا : (خمر شيراز نفط اسود .. خمر يروي العدو ويرويك يا روح الحبايب هم )..لم تنجح محاولاتنا بالحد من طبعه .. كان يتنقل وقنينة الخمر في جيبه فيحتسي وقت يشاء .
في شارع الوطن كنا نلتقي في مكتب من اسماه منقذ (الشيخ منذر ), وهو من كنعان .. قال لي \لست شيخا انه لقب ابتكره منقذ\ ,منذر شاب نحيل لا يتمكن من النوم الا بتناول حبوب مهدئة .. عمل في المقاولات وخسر مرارا وكان ابوه عالم دين ..كان يغيب فيعود للمحل بكتب بودلير وكولن ولسن .منقذ كان يستهجن شراءه الكتب ويرى في سلوك صاحبه بطرا (لا شغل له .. من سنة لم اقرأ كتابا بجد .).
في كوت الحجاج حين وصلت الباب الهائل للضيوف شعرت بان قبضة الفن تشلني فسالت منذر من صمم هذا الباب ؟ّ !! أجابني منذر ( انه منقذ الشريدة .. ).اي ازميل متفرد واي خيال !.. في البيت مصنفات وعناوين لا حصر له صفت في رفوف من الصاج . ساعود لهذا المكان بعد سنوات لاصورعشرات اللوحات التي تركها منقذ الشريدة حين كنت محررا في جريدة (حوار ) البصرية .تلك اللوحات التي وصلت لهذا المنزل خوفا من تدمير القنابل الايرانية التي كانت تتفجر في شارع الوطن .. <اشترطت عليه ان يسكن معي شرط ان يترك الخمرة > .قال ذلك لي الشيخ منذر قبل اعدامه مع اخيه الاكبر منه سنا ..واضاف منذر (حقا انه لا يجيد الرسم ان لم يكن ثملا ).
في مكتب منذر والمساحة التي امامه نفذ الشريد ة العديد من اللوحات والمنحوتات... قال لي يوما وكانت نحتا لفتاة سومرية غير مكتملة (هل تشم العطر منها ؟) فدنوت اذا بعطر جاذب مميز يتدفق منها.. وكانت اصلا جذعا لشجرة قطعه منقذ ليخلد منه فتاة سومرية مذهلة . داخل المحل طلب منه منذر رسم فتاة لدكتور شهير ..صديقه\ كنت قد زرت هذا الرجل في مشفاه الخاص باول شارع الكويت وهو دكتوراه في التخدير من المانيا \.لونها منقذ الوانا عدة .. وغير مرارا من شكلها النصفي.. انه يرسم بفرشاة عريضة ينفذ فيها ادق التفاصيل .. رأيته كلما وضع نقطة لون على الوجه ظهر للفتاة شكل جديد .. جزع الشريدة من طلبات صاحبه بالاعادة والتطوير..قال لي (اصبح عليها لون بسمك اظفر وهو لا يرضى ). احد الايام اتى منقذ ووضع لمسات على الفتاة ..فبرز من الصدر شيء شبه فاضح ... فاحتدم معه الشيخ منذر : (ويلك هذه بنت صديق .. بنت الدكتور ..).
كنا في اخرة الليل نعود انا ومنقذ لمكتب منذر ..يفتحه ويضرب بفرشاته بلون ازرق غامق على محابس لامرأة ونمضي .. اسبوعا وهو يكرر تلك اللمسات وكنت اراقبه بصمت .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منقذ الشريدة (1946 ــ 2014 )توفي الفنان الشريدة بولاية تنيسي في مدينة ناشفل الامريكية .
ولد في ابي الخصيب , اكمل الثانوية فيها ثم التحق بكلية الفنون الجميلة ببغداد في اختصاص النحت ,بعد ان اكمل دراسته غادر الى السعودية وعين هناك معلما في معهد اعداد المعلمين , سافر الى بيروت فايطاليا فالتحق باكاديمية دانتي للفنون , حيث التقى بالفنان محمد غني حكمت وصار صديقا له .اضطر لترك الدراسة فعاد للعراق ليسافر الى الامارات فافتتح محلا للرسم والنحت والتخطيط.
تم اسره في ايران لخمس سنوات .. نفذ خلالها لوحة الطف و37 لوحة تمثل مجزرة حلبجة على اثرها فاز الفريق الايراني بالجائزة مما اتاح لمنقذ ان يغادر معسكر تختي <طريق القدس > ويبقى بايران حرا فتمكن من الهرب لسوريا ثم لامريكا التي قضى فيها نحبه مغتربا .
نفذ نصب ذات الصواري للبحرية مع الفنانين قيس عبد الرزاق واكرم خان ونجاح الجزائري .
ترك مئات المنحوتات واللوحات مضيّعة في البلدان والعراق .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...