تصير الحياة أصعب وأشد وطأةإذا واجهنا مشكلات ، تجعلنا نشعر بالتوتّر الشديد وخيبة الأمل والكثير من الشك ، وبينما نحن نُكابد المِحَن والأزمات ، وتزيد حاجتنا إلى ما يرشدنا و يخبرنا كيف نتماسك ونحن نرى الدنيا من حولنا تنهار. تلك الحاجة لا تقتصر علينا في الزمان الحاضر فقط، بل هي قاسم مشترك بين كل بني الإنسان في جميع الأزمنة. وقد شغلت تلك الحاجة عقول الفلاسفة عبر كلّ الأزمنة ، فجعلتهم ينشغلون بخلق مدارس و أفكار فلسفية تهدف إلى مساعدة البشرية على إيجاد السكينة والسلام الداخلي حتى في أشد الأزمات. فقد كانت حياة الغالبية اليومية تتضمن صراعات دموية مع قوى موت وهلاك تطوّقها من كل جانب (الحروب والصراعات)، و تتضمن عناء عسيرا، وفي بعض الأحيان مميتا، لتوفير الأساسيات اللازمة للبقاء على قيد الحياة. منذ حقب طويلة، كانت تلك التفاصيل واقعا يوميا بالنسبة للبشر. و في أزمنة بعيدة، كان على أسلافنا العيش عُزّلا أمام وحوش ضارية تود أن تلتهمهم، وسط طبيعة نزقة لا رادع لهم ولا ملجأ أمام تقلباتها وكوارثها العنيفة. ولا يقتصر هذا الرُّهاب على أزمنة مضت ، إنما يمد جذوره إلى حاضره وحتى مستقبله ليصير رهابا من نوع آخر حسب مستجدّات الحياة وتطوّر ظروفها وضغوطها ، فكان ولا زال الإنسان لاهثا للعثور على السلام الروحي ومعرفة معرفةً عميقة ، لذلك يلجأ ـــ من أجل فهم الحياة ـــ إلى الفلسفة والفكر والأدب والتاريخ، وينبش في النفس البشرية، ويفكّك آلامها وقلقها وعذاباتها.فكيف يمكن للانسان المفكّر أن يستفيد من الفلسفة في فهم حياته و تسيير أزماته ؟
العلاج بالفلسفة .
يرى كثيرون أنّ الفلسفة مجرّد ترف فكريّ، ويعتقدُ آخرون أنها جنونٌ لا طائل من ورائه. لكنّ المفكّر المغربي سعيد ناشيد جاء بكتابه "التداوي بالفلسفة" ليفنّد هذه الأفكار ويُثبِتَ أنّ غايةَ الفلسفةِ المُثلى هي مواجهةُ الحياةِ وصروفِها، ويُبيّن علاقتَها الوطيدة بالحياةِ الإنسانية. فيرى أنّ الكثير من الناس يلعنون الدنيا والظروف ويتّهمون الآخرينعلى إخفاقاتهم و ينسون أنفسهم ، فبدل من أن نلقي اللّوم على الآخرين فلنبحث عن سبب إخفاقنافاللّوم آفة خطيرة و ما علينا الاّتعاظ من أخطائنا ، علينا أن لا نخاف من الفشل في أي عمل تقوم به لأنك لا يمكن أن نتغيرإلا إذا فشلنا وتعلّمنا من فشلنا فالفلسفة في الحقيقة تساعدنا على فهم أسرار العيش الذي يستند إلى واقع الاختبار اليومي والمعاناة الفعلية الملموسة في وجود الإنسان. تحاول أن تدرك في حياة الإنسان معنى السعي إلى تحقيق دعوة الحياة الناشطة في كلّ سيرة وجودية ذاتية. بالاستناد إلى مثل هذا الاجتهاد، كما تتيح الفلسفة للإنسان أن يُنضج وعيه، ويُغني فكرَه، ويُصلح مقامَه، ويضبط إيقاعَه، ويُثمر عملَه، ويقوّم مسلكَه، ويُسعد كيانَه كلَّه في حدود المسؤوليات والتحدّيات والرهانات والإشكالات والتعقيدات التي يواجهها في معترك نضاله الجسدي النفسي الروحي اليومي. بفضل الفلسفة التطبيقية يستطيع الإنسان أن يفكّر من غير أن ينظّر، وأن يحلّل من غير أن يجرّد، وأن يربط من غير أن يعقّد، وأن يَعقل من غير أن يعتقل الحياة ويأسرها في مبتكرات قاموسه الفلسفي.
يقول مؤلّف الكتاب: "إن لم تنفعك الفلسفة في أشدّ ظروف الحياة ضراوةً، فمعناه أنّ دراستك لها مجرّد مضيعةٍ للوقت وعليكَ أن تُعيد النظرَ في أسلوب التعلّم، ثمّ إنك لست بحاجةٍ إلى الدراسةِ الأكاديمية المتخصّصة إذا رغِبت في تعلّم فلسفة الحياة، أو تأثير الفلسفة في حياتِك". (1)
(1)من كتاب "التداوي بالفلسفة " للكاتب المغربي " سعيد ناشيد " الصادر عن دار التنوير للطباعة والنشر ـ الطّبعة الأولى 2018 ص10 بتصرّف .
كيف يمكننا العلاج بالفلسفة ؟
يسهب الكاتب البريطاني السويسري "آلان دو بوتون" في كتابه "عزاءات الفلسفة" (نقله إلى العربية يزن الحاج)، في استعراض حقبات تاريخيَّة متلاحقة، يبيّن من خلالها حيوات فلاسفةٍ شكّلت الفلسفة منهجا ركنوا إليه في وجه الصّعاب، فكانت عزاءهم في كلّ ما مروا به من إحباط، وخيبات، وانكسارات في القلب، وافتقار في المال، وحتى الموت ، واعتبر دو بوتون الفلسفة علاجا نفسيا ، حيث كانت بمثابة العزاء لأي شخص يواجه تحديات في حياته الشخصية، ولقد استقى بوتون هذه العزاءات من حياة الفلاسفة وفلسفاتهم مثل فلسفة سقراط، فمن خلال سيرة حياة سقراط الفلسفية استطاع بوتون أن يقدم عزاءً لكل شخص له رأي مخالف لما هو سائد في المجتمع.(2)
، وبدوره يستعرض الباحث سعيد ناشيد في كتابه "التداوي بالفلسفة" دور الفلسفة في حل الأزمات فيقول : "حين يقوم التفكير النقدي بنزع السحر عن الأشياء، فإنه يحمينا من خيبة الأمل، سواء تعلّق الأمر بالتاريخ أو الحبّ أو الثورة أو السعادةِ أو الألم أو الموت، وبالتالي نكتسب القدرة على العيش بأقلّ ما يمكن من الآمال والأوهام".
في هذا الكتاب دفاعٌ عن الحياة البسيطة، وفق بوح سبق إليه نيتشه بتواضع الكبار حين قال: "إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه". فما الحياة البسيطة؟ إنها حياة أعيشها بأقل ما يمكن من الأوهام، حياة أتصالح فيها مع قَدَري الخاص، ولا أقارن نفسي بأي قَدَر لأي إنسان آخر. حياة أكون فيها كما أنا لا كما يريدني الآخرون أن أكون.حياة أبسُط فيها سلطاني على نفسي، بحيث تكون انفعالاتي ومشاعري صادقة في التعبير عن القيَم التي أعبّر عنها وأدعو إليها. حياة أصنع فيها المتعة بأقل الأشياء، وأبدع السعادة والفرح بأبسط السُّبل، حيث تكون البهجة الحقيقية هي بهجة الشعور بالنمو والارتقاء. لكن العودة إلى الحياة البسيطة هي الرحلة الأصعب بعد أن ضيّعنا الطريق إليها في غمرة الأوهام الكبرى. قد يظن البعض أن من أيسر الأمور أن نعيش حياة بسيطة! هذا غير صحيح. هذا يحتاج إلى التخلّي عن الطمع في تحصيل الأشياء غير الضرورية للعيش. ويحتاج إلى قيم رفيعة تجاه الطبيعة والبشر، وتجاه النفس. هذا الكتاب قبل أن يكون موجّهٌ لكم، موجّهٌ لي، كتبته لنفسي أوّلاً. إنه محاولة لتبيان دور الفلسفة في صنع الحياة، وذلك حتى تمارس دورها الذي هو الدور الأكثر حيوية: فليس دور الفلسفة أن تمنحنا القدرة على فهم النصوص وحسب، بل دورها بالأساس أن تجعلنا قادرين على فهم الحياة .ولذلك فإنّ الإنسان عندما يقع في مواجهة أزمة ما، سواء كانت فقدان حبيب، أو خسارة شيء عزيز، أو خيبة أمل مرتبطة بشخص ما أو وظيفة أو عمل، وعندما يمتلك هذا الإنسانُ المعرفة الفلسفية والتفكير النقدي والقدرةَ على رؤية الأشياء على حقيقتها، تصبح هذه المشاعر أقلّ حدّة وإيلاما، لأنّه يصير حينها قادراً على تقبّل الحياة بخساراتها وآلامها وانكساراتها.إنّ المعرفة الفلسفية لا تقضي على الألم بصفة نهائية، بل تهدّئه وتهذّبه، والتمتّع بالفكر النقدي لا يجعل ألم الإنسان تجاه الأزمات يختفي، بل يعطيه قوّة أكبر للتحمّل ويجعله يتخلّص من سطوة الانفعالات السلبية البدائية تجاه العالم والأشياء التي تحدث معه ..
(2) من كتاب " عزاءات الفلسفة " لآلاندوبوتون ، ترجمة يزن الحاج ، طبعة 2016 عن دار التنوير والاعلام .صفحة 218-224. بتصرّف.
إذا الفرد يوما أراد السّعادة فلا بدّ أن يستجيب القدر .
إنّ السّعادة مقرونة بالأشياء التي تحدث في العالم الخارجيّ، وهو ما يفسر من جانب ديني بالقدر والحتمية ، ما يجعل الناس مكبّلين مسلوبي الإرادة. ينتظرون وظيفة جديدة براتب أفضل أو عطلة نهاية الأسبوع أو تحقيق هدف في جمع المال وشراء بيت أو سيّارة كي يشعروا بالسعادة، ويسقطون محبطين مهيضي الجناح من اليأس والحزن إذا لم يحقّقوا هدفا من هذه الأهداف المادّية.لتصبح تلك المعاناة جزءًا من التجربة الإنسانية، واستيعاب فكرة أنّ هذه المعاناة تتواصل منذ لحظة الولادة وحتى لحظة الموت، تجعل مرور الأزمات في حياة الإنسان أكثر سلاسة، وتمنح الحكمة في مواجهتها، بعيدا عن الغضب والحقد والانفعالات ، وهي المشاعر التي اعتبرَها الفلاسفة الرواقيون مشاعر هدّامة ومنبثقة عن أحكام خاطئة تجاه الحياة.
تجدر الإشارة إلى أنّ الفلاسفة الرواقيين، ومن بينهم لوكيوسسينكا وماركوس أوريليوس، اعتبروا أنّ الحِكمة هي منبعُ السعادة، وأنّ الإنسانَ الحكيم يمتلكُ مناعةً ضدّ المِحن. إن فكرة التعايش مع الأزمات والمشاكل ترتبط أيضاً بفكرة القدَر والعَود الأبدي، أي أنّ كلّ ما كان أو حدَث يحدث الآن وسيعودُ ليحدث مرّةً أخرى، بالطريقةِ نفسِها في كلّ مرّةٍ وإلى الأبد، في تكرارٍ دقيق للأشياء نفسِها، وأنّ القلق تجاه هذه الفكرة لا طائل من ورائه، بل ينبغي فقط التعايش معها في هدوء.
إنّ التعايش مع فكرة العود الأبدي، حسب الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه، يستدعي حبّ القدَر. والمقصود به ليس فقط الإذعان لقوانين الكون، بل عشقها أيضا. وهو ما يتّفق تماما مع روح ديننا الإسلامي ، إذ لا يقوم الإيمان إلا على الرّكن الأساسي بعد التوحيد وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه والسعي في العمل رغم كل الظروف والتسليم مسبقا انّ كل ما يكتبه اللّه لنا هو خير و أنّ مع العسر يسرا .و عسى أن نكره شيئا وهو خير لنا ."وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ..." سورة البقرة آية 216 .
فالإنسان قد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة والمصائب الموجعة التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة، لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد لأقوام ظنوها مصائب، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب! والعكس صحيح؛ فكم من إنسان سعى في شيءٍ ظاهره خيرٌ، وأهطع إليه، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد! وهذا هو معنى القاعدة القرآنية التي تضمنتها هذه الآية باختصار.
يقول نيتشه: "وصفتي لوصول الإنسان إلى العظمة هي حبّ القدَر. ألّا يريد المرء لشيءٍ أن يتغيّر، لا في الماضي ولا في المستقبل ولا في الأبدية بأكملها. إذا استطعتَ أن تصل إلى تلك المرحلة من التعايش مع الحياة، بحيث لا تتقبّل قدَرك فقط بل تقَع في حبّه، فلا شيء سيعكّر عليك سلام روحِك، وحينها فقط ستختبر السعادة الحقّة، المتحرّرة من الأسباب الأرضية، غير المرهونة بنزوات القدر وتقلّبات الحياة". ، ومع ذلك، كان نيتشه دائما ممّن يدافعون عن قوة الإرادة، وعن أنّ الإنسان يستطيع أن يصنع قدره بنفسِه، وعليه أن يحبّ القدَر الذي رسمَه لحياته. "وصفتي لوصول الإنسان إلى العظمة هي حبّ القدَر. ألّايريد المرء لشيءٍ أن يتغيّر، لا في الماضي ولا في المستقبل ولافي الأبدية بأكملها".......(3)
أهمية الفلسفة في الحياة .
تكمن أهمية الفلسفة بالنسبة للفرد في قدرتها على تمكينه من تحصيل السعادة والتعامل مع الظروف الصعبة ،و منحك حرية التفكير دون قيود ، و ممارسة التفكير الناقد وذلك بنزع الطابع الأسطوري أو السحري عن الأفكار ، والمساعدة في التخلص من ظلم الإنسان للإنسان ، إذ يُعد الفيلسوف الألماني كارل ماركس أشهر الفلاسفة الذين سعوا الى التأكيد على أهمية الفلسفة بالنسبة إلى المجتمع، وذلك من خلال توظيفها لصناعة أفضل ظروف حتى يعيش البشر آمنين في مجتمع تسوده المساواة ، ولطالما عملت الفلسفة على تحسين قدرة الأفراد في المجتمع المعاصر على التفكير في مواجهة الأوهام والتصدّي لها، وتحسين قدرتهم على العيش في مواجهه الشقاء، والتصدي لعنف الإنسان ضد أخيه الإنسان، ويكون وذلك من خلال العمل الدؤوب على استمرارية التأصيل النظري للمفاهيم المتعلقة بمصير الإنسانية والحضارات. كما كانت محفّزا مهمّا لتطوير العلوم والبحث ، فقد أكّد العالم والفيلسوف الرياضي "برتراندرسلط على ضرورة الفلسفة في تطور الحقول العلمية..... (4)
(3) سعيد ناشيد، التداوي بالفلسفة، بيروت:التنوير، صفحة 8-9-19. بتصرّف.
(4) نايجلواربورتون، مختصر تاريخ الفلسفة، بغداد العراق:دار الكتب العلمية، صفحة 285-290. بتصرّف.
بقلم الكاتبة ليلى تبّاني من الجزائر .
العلاج بالفلسفة .
يرى كثيرون أنّ الفلسفة مجرّد ترف فكريّ، ويعتقدُ آخرون أنها جنونٌ لا طائل من ورائه. لكنّ المفكّر المغربي سعيد ناشيد جاء بكتابه "التداوي بالفلسفة" ليفنّد هذه الأفكار ويُثبِتَ أنّ غايةَ الفلسفةِ المُثلى هي مواجهةُ الحياةِ وصروفِها، ويُبيّن علاقتَها الوطيدة بالحياةِ الإنسانية. فيرى أنّ الكثير من الناس يلعنون الدنيا والظروف ويتّهمون الآخرينعلى إخفاقاتهم و ينسون أنفسهم ، فبدل من أن نلقي اللّوم على الآخرين فلنبحث عن سبب إخفاقنافاللّوم آفة خطيرة و ما علينا الاّتعاظ من أخطائنا ، علينا أن لا نخاف من الفشل في أي عمل تقوم به لأنك لا يمكن أن نتغيرإلا إذا فشلنا وتعلّمنا من فشلنا فالفلسفة في الحقيقة تساعدنا على فهم أسرار العيش الذي يستند إلى واقع الاختبار اليومي والمعاناة الفعلية الملموسة في وجود الإنسان. تحاول أن تدرك في حياة الإنسان معنى السعي إلى تحقيق دعوة الحياة الناشطة في كلّ سيرة وجودية ذاتية. بالاستناد إلى مثل هذا الاجتهاد، كما تتيح الفلسفة للإنسان أن يُنضج وعيه، ويُغني فكرَه، ويُصلح مقامَه، ويضبط إيقاعَه، ويُثمر عملَه، ويقوّم مسلكَه، ويُسعد كيانَه كلَّه في حدود المسؤوليات والتحدّيات والرهانات والإشكالات والتعقيدات التي يواجهها في معترك نضاله الجسدي النفسي الروحي اليومي. بفضل الفلسفة التطبيقية يستطيع الإنسان أن يفكّر من غير أن ينظّر، وأن يحلّل من غير أن يجرّد، وأن يربط من غير أن يعقّد، وأن يَعقل من غير أن يعتقل الحياة ويأسرها في مبتكرات قاموسه الفلسفي.
يقول مؤلّف الكتاب: "إن لم تنفعك الفلسفة في أشدّ ظروف الحياة ضراوةً، فمعناه أنّ دراستك لها مجرّد مضيعةٍ للوقت وعليكَ أن تُعيد النظرَ في أسلوب التعلّم، ثمّ إنك لست بحاجةٍ إلى الدراسةِ الأكاديمية المتخصّصة إذا رغِبت في تعلّم فلسفة الحياة، أو تأثير الفلسفة في حياتِك". (1)
(1)من كتاب "التداوي بالفلسفة " للكاتب المغربي " سعيد ناشيد " الصادر عن دار التنوير للطباعة والنشر ـ الطّبعة الأولى 2018 ص10 بتصرّف .
كيف يمكننا العلاج بالفلسفة ؟
يسهب الكاتب البريطاني السويسري "آلان دو بوتون" في كتابه "عزاءات الفلسفة" (نقله إلى العربية يزن الحاج)، في استعراض حقبات تاريخيَّة متلاحقة، يبيّن من خلالها حيوات فلاسفةٍ شكّلت الفلسفة منهجا ركنوا إليه في وجه الصّعاب، فكانت عزاءهم في كلّ ما مروا به من إحباط، وخيبات، وانكسارات في القلب، وافتقار في المال، وحتى الموت ، واعتبر دو بوتون الفلسفة علاجا نفسيا ، حيث كانت بمثابة العزاء لأي شخص يواجه تحديات في حياته الشخصية، ولقد استقى بوتون هذه العزاءات من حياة الفلاسفة وفلسفاتهم مثل فلسفة سقراط، فمن خلال سيرة حياة سقراط الفلسفية استطاع بوتون أن يقدم عزاءً لكل شخص له رأي مخالف لما هو سائد في المجتمع.(2)
، وبدوره يستعرض الباحث سعيد ناشيد في كتابه "التداوي بالفلسفة" دور الفلسفة في حل الأزمات فيقول : "حين يقوم التفكير النقدي بنزع السحر عن الأشياء، فإنه يحمينا من خيبة الأمل، سواء تعلّق الأمر بالتاريخ أو الحبّ أو الثورة أو السعادةِ أو الألم أو الموت، وبالتالي نكتسب القدرة على العيش بأقلّ ما يمكن من الآمال والأوهام".
في هذا الكتاب دفاعٌ عن الحياة البسيطة، وفق بوح سبق إليه نيتشه بتواضع الكبار حين قال: "إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي، وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه". فما الحياة البسيطة؟ إنها حياة أعيشها بأقل ما يمكن من الأوهام، حياة أتصالح فيها مع قَدَري الخاص، ولا أقارن نفسي بأي قَدَر لأي إنسان آخر. حياة أكون فيها كما أنا لا كما يريدني الآخرون أن أكون.حياة أبسُط فيها سلطاني على نفسي، بحيث تكون انفعالاتي ومشاعري صادقة في التعبير عن القيَم التي أعبّر عنها وأدعو إليها. حياة أصنع فيها المتعة بأقل الأشياء، وأبدع السعادة والفرح بأبسط السُّبل، حيث تكون البهجة الحقيقية هي بهجة الشعور بالنمو والارتقاء. لكن العودة إلى الحياة البسيطة هي الرحلة الأصعب بعد أن ضيّعنا الطريق إليها في غمرة الأوهام الكبرى. قد يظن البعض أن من أيسر الأمور أن نعيش حياة بسيطة! هذا غير صحيح. هذا يحتاج إلى التخلّي عن الطمع في تحصيل الأشياء غير الضرورية للعيش. ويحتاج إلى قيم رفيعة تجاه الطبيعة والبشر، وتجاه النفس. هذا الكتاب قبل أن يكون موجّهٌ لكم، موجّهٌ لي، كتبته لنفسي أوّلاً. إنه محاولة لتبيان دور الفلسفة في صنع الحياة، وذلك حتى تمارس دورها الذي هو الدور الأكثر حيوية: فليس دور الفلسفة أن تمنحنا القدرة على فهم النصوص وحسب، بل دورها بالأساس أن تجعلنا قادرين على فهم الحياة .ولذلك فإنّ الإنسان عندما يقع في مواجهة أزمة ما، سواء كانت فقدان حبيب، أو خسارة شيء عزيز، أو خيبة أمل مرتبطة بشخص ما أو وظيفة أو عمل، وعندما يمتلك هذا الإنسانُ المعرفة الفلسفية والتفكير النقدي والقدرةَ على رؤية الأشياء على حقيقتها، تصبح هذه المشاعر أقلّ حدّة وإيلاما، لأنّه يصير حينها قادراً على تقبّل الحياة بخساراتها وآلامها وانكساراتها.إنّ المعرفة الفلسفية لا تقضي على الألم بصفة نهائية، بل تهدّئه وتهذّبه، والتمتّع بالفكر النقدي لا يجعل ألم الإنسان تجاه الأزمات يختفي، بل يعطيه قوّة أكبر للتحمّل ويجعله يتخلّص من سطوة الانفعالات السلبية البدائية تجاه العالم والأشياء التي تحدث معه ..
(2) من كتاب " عزاءات الفلسفة " لآلاندوبوتون ، ترجمة يزن الحاج ، طبعة 2016 عن دار التنوير والاعلام .صفحة 218-224. بتصرّف.
إذا الفرد يوما أراد السّعادة فلا بدّ أن يستجيب القدر .
إنّ السّعادة مقرونة بالأشياء التي تحدث في العالم الخارجيّ، وهو ما يفسر من جانب ديني بالقدر والحتمية ، ما يجعل الناس مكبّلين مسلوبي الإرادة. ينتظرون وظيفة جديدة براتب أفضل أو عطلة نهاية الأسبوع أو تحقيق هدف في جمع المال وشراء بيت أو سيّارة كي يشعروا بالسعادة، ويسقطون محبطين مهيضي الجناح من اليأس والحزن إذا لم يحقّقوا هدفا من هذه الأهداف المادّية.لتصبح تلك المعاناة جزءًا من التجربة الإنسانية، واستيعاب فكرة أنّ هذه المعاناة تتواصل منذ لحظة الولادة وحتى لحظة الموت، تجعل مرور الأزمات في حياة الإنسان أكثر سلاسة، وتمنح الحكمة في مواجهتها، بعيدا عن الغضب والحقد والانفعالات ، وهي المشاعر التي اعتبرَها الفلاسفة الرواقيون مشاعر هدّامة ومنبثقة عن أحكام خاطئة تجاه الحياة.
تجدر الإشارة إلى أنّ الفلاسفة الرواقيين، ومن بينهم لوكيوسسينكا وماركوس أوريليوس، اعتبروا أنّ الحِكمة هي منبعُ السعادة، وأنّ الإنسانَ الحكيم يمتلكُ مناعةً ضدّ المِحن. إن فكرة التعايش مع الأزمات والمشاكل ترتبط أيضاً بفكرة القدَر والعَود الأبدي، أي أنّ كلّ ما كان أو حدَث يحدث الآن وسيعودُ ليحدث مرّةً أخرى، بالطريقةِ نفسِها في كلّ مرّةٍ وإلى الأبد، في تكرارٍ دقيق للأشياء نفسِها، وأنّ القلق تجاه هذه الفكرة لا طائل من ورائه، بل ينبغي فقط التعايش معها في هدوء.
إنّ التعايش مع فكرة العود الأبدي، حسب الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه، يستدعي حبّ القدَر. والمقصود به ليس فقط الإذعان لقوانين الكون، بل عشقها أيضا. وهو ما يتّفق تماما مع روح ديننا الإسلامي ، إذ لا يقوم الإيمان إلا على الرّكن الأساسي بعد التوحيد وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه والسعي في العمل رغم كل الظروف والتسليم مسبقا انّ كل ما يكتبه اللّه لنا هو خير و أنّ مع العسر يسرا .و عسى أن نكره شيئا وهو خير لنا ."وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ..." سورة البقرة آية 216 .
فالإنسان قد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة والمصائب الموجعة التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة، لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد لأقوام ظنوها مصائب، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب! والعكس صحيح؛ فكم من إنسان سعى في شيءٍ ظاهره خيرٌ، وأهطع إليه، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد! وهذا هو معنى القاعدة القرآنية التي تضمنتها هذه الآية باختصار.
يقول نيتشه: "وصفتي لوصول الإنسان إلى العظمة هي حبّ القدَر. ألّا يريد المرء لشيءٍ أن يتغيّر، لا في الماضي ولا في المستقبل ولا في الأبدية بأكملها. إذا استطعتَ أن تصل إلى تلك المرحلة من التعايش مع الحياة، بحيث لا تتقبّل قدَرك فقط بل تقَع في حبّه، فلا شيء سيعكّر عليك سلام روحِك، وحينها فقط ستختبر السعادة الحقّة، المتحرّرة من الأسباب الأرضية، غير المرهونة بنزوات القدر وتقلّبات الحياة". ، ومع ذلك، كان نيتشه دائما ممّن يدافعون عن قوة الإرادة، وعن أنّ الإنسان يستطيع أن يصنع قدره بنفسِه، وعليه أن يحبّ القدَر الذي رسمَه لحياته. "وصفتي لوصول الإنسان إلى العظمة هي حبّ القدَر. ألّايريد المرء لشيءٍ أن يتغيّر، لا في الماضي ولا في المستقبل ولافي الأبدية بأكملها".......(3)
أهمية الفلسفة في الحياة .
تكمن أهمية الفلسفة بالنسبة للفرد في قدرتها على تمكينه من تحصيل السعادة والتعامل مع الظروف الصعبة ،و منحك حرية التفكير دون قيود ، و ممارسة التفكير الناقد وذلك بنزع الطابع الأسطوري أو السحري عن الأفكار ، والمساعدة في التخلص من ظلم الإنسان للإنسان ، إذ يُعد الفيلسوف الألماني كارل ماركس أشهر الفلاسفة الذين سعوا الى التأكيد على أهمية الفلسفة بالنسبة إلى المجتمع، وذلك من خلال توظيفها لصناعة أفضل ظروف حتى يعيش البشر آمنين في مجتمع تسوده المساواة ، ولطالما عملت الفلسفة على تحسين قدرة الأفراد في المجتمع المعاصر على التفكير في مواجهة الأوهام والتصدّي لها، وتحسين قدرتهم على العيش في مواجهه الشقاء، والتصدي لعنف الإنسان ضد أخيه الإنسان، ويكون وذلك من خلال العمل الدؤوب على استمرارية التأصيل النظري للمفاهيم المتعلقة بمصير الإنسانية والحضارات. كما كانت محفّزا مهمّا لتطوير العلوم والبحث ، فقد أكّد العالم والفيلسوف الرياضي "برتراندرسلط على ضرورة الفلسفة في تطور الحقول العلمية..... (4)
(3) سعيد ناشيد، التداوي بالفلسفة، بيروت:التنوير، صفحة 8-9-19. بتصرّف.
(4) نايجلواربورتون، مختصر تاريخ الفلسفة، بغداد العراق:دار الكتب العلمية، صفحة 285-290. بتصرّف.
بقلم الكاتبة ليلى تبّاني من الجزائر .