د. السيد إبراهيم أحمد - انهيار الحركة الإنسانية: بين رؤية "بلوك" وسيولة "باومان"..


انطلقت الحركة الإنسانية من إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، باعتبارها حركة فكرية وثقافية انتشرت متأخرة نسبيا في عواصم أوروبا في انجلترا، وفرنسا، وهولندا والعديد من العواصم في القارة الأوروبية، وكان هدفها تمجيد عقل وقوة الإنسان وإعادة الاعتبار إليه، فكان شعارها الإنسان وتمجيد شخصيته واحترام فرديته، وكان من أشهر من حملوا لواءها: "بيترارك"، و"بوكاتشو"، و"بيكو دي لا ميراندولا" تلتها أسماء أخرى ومنها بل أهمها: الهولندي "دسيدريوس إراسموس" وهو أشهر من مَثَّلَ وتَزعم الفكر الإنسي.

غير أنه يجب العدول عن إطلاق مصطلح "إنسانية عصر النهضة"، ذلك أن "النزعة الإنسانية" بدأت بشائرها في أواخر العصر الوسيط، كما أنها امتدت زمنا طويلا حتى ما بعد عصر النهضة خاصة في مجال الأدب.

كما يجب العلم أن الحركة إنما جاءت لعامل التأثير والتأثر بين الحضارات ومدلوله التاريخي الهام في تعرف أوروبا على حضارات في الشرق كانت متفوقة عليها وتعلي من شأن الإنسان ومن شأن العقل والعلم، وقد تركت آثارها على كافة المجالات وذلك من خلال الاقتصاد، والفكر السياسي، والمدارس الفنية التي انحازت إلى الفن الإغريقي في الاعتناء برسم ونحت الإنسان في شكله المجرد من الملابس، وهي نظرة فيها من التمرد على الفن السائد في العصور الوسطى الذي حرص على رسم الإنسان متجهما وبصورة منافية للواقع الإنساني.

وقد نجحت الحركة في دعم عصر التنوير من خلال الاعتناء بالعقل والعقلانية والعلمية ونبذ التفسيرات الخرافية، وتدعيم الطبقات الاجتماعية المقهورة في المناداة بحقوقها، والمطالبة بوضع الدساتير لحكم الدول، والعودة إلى الهوية القومية المتمثلة في الآداب واللغة والفنون، والعودة إلى إحياء التراث، كما دعمت الدراسات الإنسانية حتى أبعدت كثيرا الدراسات اللاهوتية التي كانت سائدة كأساس معرفي في القرون الوسطى.

إلا أن الحركة لم تمضِ في طريقها يكللها النجاح ويحفها القبول غير المشروط، دون أن تتعرض لكثير من الاتهامات باعتبارها من نتاج عصر التنوير الذي وُجهِتْ له سهام النقد في كونه ساهم مساهمة مباشرة في قيام الثورات السياسية والاضطرابات الاجتماعية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، بل أن كارل ماركس قد ندد بتلك الحركة لكونها في تصوره ليست إلا "أيديولوجيا برجوازية" تكمن وظيفتها في إخفاء حقيقة الواقع الاجتماعي.

اهتم الشاعر والكاتب الروسي وأحد أهم أقطاب المدرسة الرمزية "اليكسندر بلوك" بالحركة الإنسانية معتمدا في ذلك على أقوال المؤرخ النموذجي "هونيغر" وهو عالم من علماء القرن التاسع عشر وواحد من باحثيه حاول أن يلتقط السمات العامة لهذا القرن في العقد السادس منه، وهو يرى أن القرن المشار إليه يمثل من وجهة نظر تاريخ الثقافة قرن متصل الاضطراب، ويمثل فترة انتقالية أقل وضوحًا من كل ما سبقها؛ فظواهره تذهلنا بتنوعها، عندما يصيب الدول التمزق المقرون بسعي عام إلى الوحدة، حيث تسود المجتمع فردية حادة معادية لذاتها تأخذ شكل منافسة: الجماهير تتذمر، والكتَّاب ينبئون بانهيار محتم لأوروبا الهرِمة، المنهكة؛ وتطور التجارة والصناعة يدل على هِرم الحضارة، ويصيب الحركة الإنسانية بالضرر لتميزه بمادية فائقة؛ فدخول الآلة واحد من شرور عصرنا الرئيسة بالإضافة إلى الإنقلابات، التي تحدثها الثورات والثورات المضادة.

عايش "بلوك" الحرب العالمية الأولى غير أنه لم يدرك الثانية حيث مات عام 1921م، وهو الذي تنبأ بقيام الثورة الروسية بعامين قبلها، مثلما تنبأ بمصير الحركة الإنسانية وانهيارها، وذلك لانصراف أقطابها الجدد عن روح الموسيقى؛ لأن كل حركة تولد من روح الموسيقى، وتعمل مشبعة بها، وبمضي بعض الوقت تنحط هذه الحركة وتخمد، لأنها تفتقد الرطوبة الموسيقية التي نبتت فيها، وبهذا تحكم على نفسها بالموت، فتصبح حضارة بعد أن كانت ثقافة، هذا ما حدث للعالم القديم .. لم تنشأ ثقافة المستقبل من جهود متفرقة قامت بها الحضارة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، لبعث الأموات ولإعادة الوحدة إلى الحركة الإنسانية بل من الجهود الموحدة للثورة، من تلك الإيقاعات المرنة، من تلك التموجات الموسيقية.

يعول "اليكسندر بلوك" على الإنسان الفنان فهو وحده القادر على أن يحفظ الحركة الإنسانية من الانهيار، مثلما يعول على الموسيقى حتى في تعامله مع الثورة التي قامت في بلده ومع المثقفين الروس أيضا حين يخاطبهم: (لم تكن فيكم موسيقى الحب هذه، لقد أهنتم الفنان وليس الفنان وحده، بل أهنتم روح الشعب ذاتها من خلال الفنان).

لذا فهو يقرر أن الحقيقة الرئيسة التي لا يمكن إنكارها: أن الحركة التي تحدث الآن في العالم، يستحيل قياسها بأي من مقاييس الحركة الإنسانية، وتفسيرها بأي من طرائق الحضارة، لقد قامت الحضارة بجهود يائسة في السنوات الأخيرة كلها للتكيف مع هذه الحركة، وواضح أن ترميم الحركة الإنسانية سيجر وراءه سفكا للدماء أشد هولا من كل ماسبقه ـ وهذه نبؤة منه أيضا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية التي لم يشهدها.

اشتهر عالم الاجتماع البولندي "زيجمونت باومان" باهتمامه بالحداثة الغربية، حيث كان تخصصه في دراسات الحداثة والتحولات التاريخية التي مرت بها، والظواهر المرتبطة بها في العالم المعاصر واضعًا نصب عينيه البحث عن مفهومها ومدلولاتها، فانصب جهده في كشف بنيتها، وتحليل جوهرها، خاصة أن المشروع الحداثي هو نتاج للعقل الأنواري كما يرى الفيلسوف رينيه ديكارت. وضح في ذهن باومان التصاق الحداثة بعصر التنوير وما انبثق عنه العديد من التصورات الفكرية والتحولات الاجتماعية في المجتمعات الأوروبية، وما أسفر عنه من ظهور الحركة الإنسانية التي جعلت من الإنسان مركزًا للكون ومركز نفسه في ذات الوقت، ويؤكد أن العقل الحديث لم يكن ملحدًا بالضرورة، بل سعى فقط إلى تهميش الإله فيما يتصل بالأمور الدنيوية، وتولى العلم مهمة التحديث، وحقق نجاحات كثيرة، ولكن تلاشت سلطة المقدس وفكرة الأبدية؛ وذلك بسبب تعليق القضايا الكبرى أو تهميشها أو استبعادها من مشروع الحياة.

لقد استبدل "زيجمونت باومان" مفهومي "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" بمفهومي "الحداثة الصلبة" و"الحداثة السائلة"، وذلك في محاولة منه لتجنّب الفوضى المحيطة بمصطلح "ما بعد الحداثة"؛ حيث أشار مفهوم الحداثــة العــام إلــى عصــر النهضة في أوج مجده الزاخر بالإنجازات الضخمة والصلبة، وهو ما یؤكده باومـان فـي قوله: (الحداثـة الصـلبة هـي تلك التي دشنها عصر التنویر في القرن الثامن عشر تأسیسا على إرهاصات تنامت وتحولات منذ إنتهاء العصور الوسطى وتصلبت فـي عصـر العقلانیـة المعروف).

لقد أسس مفهوم "الحداثة الصلبة" بإقرار سیادة الإنسان الحداثي التنويري، بل وسیطرته العقلانية المتحررة من إرث التراث الخرافي وغير العقلاني على الطبیعة التي سخرها لتكون خادما مطيعا لأوامره وإملاءاته بما يلبي متطلباته، وهو ما يدور في إطار مفاهيم ومعطيات الحركة الإنسانية.

يرى باومان أن الركائز الثلاثة: "الذاتية، العقلانية، الحرية" التي قام عليها البنيان الحداثي للإنسان العقلاني الأنواري في ضوء حركته الإنسانية والتي ظن أن تقيم له كيانا صلبا ضد التحول والانتقال قد انحرف عن مساره وخلف وعده له، بل صدمه بواقع تمخض عن وقائع أفقدته حلاوة الانتصار على ما ثار عليه وانقلب وأعلن هيمنته عليه في نشوة الديمومة دون الصيرورة، والثبات بديل عن الانتقال، لذا فهو قد أصبح يكرس لحداثة صلبة طويلة المدى.

عند هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الحركة الإنسانية رأى "باومان" أن صلابة "مرحلة الحداثة" قد ذابت أو سالت، ولم تعد قائمة بل حل بديلا عنها ما يُعرف بـ "الحداثة السائلة"، وقد بدأ باومان كتابه "الحداثة السائلة" بمقولة بول فاليري: (الانقطاع والتفكك والمفاجأة في السمات العادية لحياتنا، بل صارت حاجات واقعية لكثير من الناس الذين لم يعد يغذي عقولهم أي شئ سوي التغيرات المفاجئة والمثيرات المتجددة علي الدوام .. لم يعد بوسعنا أن نطيق أي شئ يدوم. لم نعد نعلم كيف يمكننا أن نفيد من الملل).

والتصور القائم عن الحداثة السائلة أن مهمتها تذويب لكل ما هو صلب، ومنه: محاولة التحرر من الدين والعادات والتقاليد وكل ماهو صلب قديم واستبداله بمواد صلبة جديدة ستذاب أيضا، ولذا فقد رفضها باومان حيث رأى أن هذه الحداثة التي كان غايتها الإنسان هي أول من أبادته، كما أنها انتهت إلى جملة من الكوارث البشرية غير الأخلاقية؛ فقد عملت على تحييد الفعل الأخلاقي، وأخرجته من القانون الأخلاقي، بل كرست لتجريد البشرية من الحس الأخلاقي، كما جردت النفس البشرية من المسئولية الأخلاقية ومن تبعات أفعالها.

لقد احتفت الحركة الإنسانية بركيزة العقل الذي أصبح هو أداة مهيمنة على الأفعال الإنسانية الذي جعلها فارغة من القيم، بل أن العقل ذاته في استجابته للسيولة قد انحرف عن مهمته وأصبح لا يميز بين القبح والحسن، بل فقد قدرته على إدراك الحقائق، وتحالف مع التكنولوجيا الحديثة المتجردة من القيمة، وهو ما يعني في النهاية نهاية الحركة الإنسانية.

تلك الحركة التي لا تؤيدها الفيلسوفة المعاصرة والمنظرة النسوية "روزي بريدوتي" كما ذكرت هذا في كتابها "ما بعد الإنسان"، حيث ترى أن الشكوك بدأت تحوم حول نموذج الحركة الإنسانية بمركزيتها الأوروبية وميولها الإمبريالية، فنشأت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي معارضة من قبل حركات اجتماعية أنتجت نظريات اجتماعية وسياسية ونظريات معرفية تحدت ابتذال الشعارات الخطابية التي تركز على ديمقراطية الغرب والفردية والليبرالية والحرية التي يدًعون توفيرها للجميع، خاصة وأن تلك الحركات المعارضة قد عاشت الصدمة الناتجة عن التجارب السياسية الفاشلة خلال القرن العشرين، فقامت بمقاومة غطرسة الحركة الإنسانية.

لقد وقفت رؤية "اليكسندر بلوك" على القنطرة الفاصلة عند نهاية الحداثة الصلبة وبداية الحداثة السائلة مستندًا على أقوال "هونيغر" الذي رصد نهاية تلك الحركة أيضا مبكرا، وقد كتب "بلوك"هذا الفصل المعنون "انهيار الحركة الإنسانية" في كتابه: "دراسات أدبیة وفكریة"، بينما أورد عددا من مقولات "هونيغر" في كتابه: "الأدب والثقافة في القرن التاسع عشر"، وقد عاين "زيجمونت باومان الحداثة بداية من عصر التنوير إلى يوم مماته عبر مؤلفاته: "الشرّ السائل"، "الحياة السائلة"، "الحب السائل"، "الحداثة السائلة"، "الخوف السائل"، "المراقبة السائلة"، واستعرض خلالها انهيار الحركة الإنسانية باعتبارها ثمرة من ثمرات ذلك العصر الذهبي التي ذبلت في العصر الحديث.​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...