أحمد رجب شلتوت - لطفيَّة الدليمي تطارد عصفور الغواية

ما بين اعترافات جان جاك روسو الصادرة في باريس في عام 1700، واعترافات عبد الرحمن شكري في كتابه الصادر بنفس العنوان “اعترافات”، في الإسكندريَّة عام 1916م، مساحة شاسعة من التاريخ (216 عاماً) وأيضاً من الجغرافيا، هذه المساحة لم تكن كافية ليستطيع الكاتب العربي أن يعترف بصدق ودون أن يخشى رقيباً ما يتلصص على ما بين السطور، فلم نكد نعرف في أدبنا ما يسمى بأدب الاعترافات، وحتى حينما كتب الأديب العربي سيرته الذاتية، وجد نفسه مضطراً لأن يخفي وقائعها خلف قناع التخييل الروائي، كما فعل طه حسين في الجزء الأول من كتابه “الأيام” عام 1926م.
ورغم مضي السنوات إلا أنَّ البون لا يزال شاسعاً بين فن السيرة الذاتية لدى الغرب وعند العرب، ففي وطننا العربي ثمة عوامل وعوائق ثقافية واجتماعية كثيرة ترهب الكاتب العربي، فتفقد سيرته الذاتية- إن تجرأ وكتبها- حميميتها وقد تفقد صدقها. فالكاتب العربي حينما يكتب سيرته مباشرة دون أقنعة يجد نفسه مضطراً إما إلى قمع الذات أو خيانتها، أو محاولة النجاة باختزالها في جزئية الكتابة فقط، وكأن لا وجود للكاتب خارج كتابته، فتكاد تقتصر السيرة على تجربته الإبداعية. فيقتنع وبالتالي يعمل على إقناع قارئه بأنَّ الذات الحقيقية للمبدع لا توجد إلا في إبداعه.
وفي كتاب “عصيان الوصايا.. كاتبة تجوب أقاليم الكتابة”، الصادر عن دار المدى ببغداد، تؤكد الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي ذلك المعنى بقولها: “الكتابة نشاطنا المحرّض الذي يدفع بنا للتمرّد والتغيير واكتشاف ذواتنا الحقيقية بما تنطوي عليه من مناطق مظلمة وأخرى مكتنفة بالنور أو مسكونة بالرغبات المكبوحة أو الأفكار الخطرة التي ستكون أساساً لما نكتبه في قابل الأيام”. وتقول عن كتابها: “أقدّم في هذا الكتاب كشفاً لأجزاء من سيرتي وعشقي للكلمة والكتابة، كما أبوح باعترافات ومقالات عن رؤيتي لحياتي ككاتبة أجوب أقاليم الرواية وأترحّل في عوالم روائيين من عالمنا وأضيء بعضاً من تجاربهم التي تقدم لنا رؤية أوسع وأشمل للجهد الروائي في عالمنا المعاصر”، هكذا تقر بأنَّ سيرتها تبدأ بالكتابة ولا تنفصل عنها، فلا تتذكر- غالباً- إلا ما يرتبط بالكتب، وتستحضر الروائيين العظام باعتبارها من نسلهم بينما يكاد يغيب أهلوها الحقيقيون.
ورغم أنَّ مثل تلك الكتابة قد لا تروي ظمأ قارئ شغوف يسعى لاكتناه الأسرار الشخصية للمبدعين، لكن القارئ يجد فيها رغم ذلك تعويضاً في جوانب أخرى، فثمة تجارب وخلاصات لحياة صاحبها، وطرق مجابهته للتابوهات أو مراوغته لها، وأيضاً ثمة شهادات إبداعية تفيد الباحث وترضي القارئ حين يقف على أهم مفاصل تجربة كاتبه المفضل، خاصة إذا كان مثل مؤلفة “عصيان الوصايا” يرى في الكتابة برج مراقبة يمتعنا بالكشف عما يؤرقنا من أسئلة الوجود وحيرة النفس وهي تعبر مسالك هذا العالم المضطرب، وأيضا زورق نجاة ينأى بنا عن العابر والزائل؛ لكنه يأخذنا إلى متاهات موحشة وخوض تجارب عسيرة لم نتحسب لها. وهنا تصبح سيرة الذات الكاتبة وسيلة كشف عن جوانب غير مرئية في مجتمعنا القامع للمبدع الذي لا يجد إلا الخيال ملاذاً يحرره من أغلال الخوف وغلبة اليأس.
عصفور الغواية
يشير الكتاب إلى تهميش مجتمعي تواجهه المؤلفة باعتبارها أنثى “بالكتابة تجاوزت وضع الأنثى المُقصاة من واجهة المشهد الثقافي والفكري في مجتمعاتنا، وثابرت طويلاً وعملت في أقسى الظروف، متخلية عن الكثير من متطلبات الحياة والعلاقات الاجتماعية لأحتلّ الموقع الذي أردته بإصراري وجهد السنوات الطوال”. لذلك تتعامل مع الكتابة باعتبارها “ولادة ثانية” أو ولادة حقيقية، حدثت في غرفة المحرمات حينما اخترقت أول التابوهات، وكما تقول: “شهوة مواجهة المجهول هي ما تجعل الخوف- وليس الإقدام- دافعاً لاختراق المحرّمات”، كانت في التاسعة من عمرها، تصف نفسها بأنها “ طفلة ضالة أتت من عالم آخر لا تعرفه هي نفسها”، لكنها وجدت نفسها حين اكتشفت كنزها في تلك الحجرة المعتمة التي تسلّلتُ إليها ذات ظهيرة صيف، لذلك تتذكر بدقة كل تفاصيل تلك اللحظة التي غيرت مجرى حياتها، حين تسللت وراء عصفور صغير سقط من عشّه ودخل نافذة إحدى الحجرات المحيطة بالفناء، وكانوا يتخذونها مخزناً للتبغ، ويعلقون على جدرانها عشرات الدفوف التي تستخدم في الطقوس الدينية، وخزانة كتب محرمة، قادها العصفور إلى الغواية ثم طار من النافذة، بعد أن اخترقت الصبية أول الحجب.
تتذكر لطفية الدليمي تلك اللحظة الفارقة: “مددتُ يدي إلى أكبر الكتب حجماً، كان كتاباً أصفر الغلاف وقد تبقّع بضوء الكوّة السماوية: ألف ليلة وليلة، قرأت الاسم وأنا في رعبي أتخيل حشداً من الليالي السود تحيط بي وتضغط على قلبي الراعش فيسقط في الظلمات، ألف ليلة من الليل الذي كان يرعِبُني بأشباحه وغيلانه المنبثقة من كهوف المخيلة. فدخلت ظلال الكلمات وأطياف المعاني وترحلت في خفاء الحلم دون أن أفقد ظلي”. ومنذ تلك اللحظة والصبية منغمسة في الخطيئة الأجمل: استراق قراءة الممنوع والمحظور.
وهكذا أدمنت الصبية التسلل إلى غرفة المُحرّمات، لكنَّ الأب الماركسي حين اكتشف الأمر حذرها من الانجراف في لذة الخرافة والكتب التي توقف اشتغال العقل، فأحضر لها روايات الهلال وكتباً أخرى، وفي مراهقتها تقرأ توفيق الحكيم وطه حسين وجبران خليل جبران وأوسكار وايلد، وتنتقل من القراءات المتناقضة للكتب الدينية والتراثية هوس القراءات الوجودية لكل من جان بول سارتر وألبير كامو وسيمون دوبوفوار، وتصفهم بالثالوث المقدس لبناة الحرية ورُعاتها، وتتنوع القراءات وصولاً إلى إيريك فروم عالم النفس والاجتماع الذي لقّح الماركسية بالفرويدية وبعض مفهومات دينية واقترح طريقاً خاصة للإنسان المعاصر، فتصفه بأنه “من أهم المفكرين الذين أغنوا رؤيتي الشخصية للحياة والإنسان”، وهكذا يتكون تدريجياً بناؤها الفكري من لبنات مختلفة أورثتها قيمة التنوع والقبول بالاختلاف.
امتلاك الزمام
يشتمل القسم الأول من الكتاب على جوانب من حياة أكدت صاحبتها أنها مكرسة للكتابة، وهو بمثابة شهادات إبداعية متنوعة تُجمل فيها الكاتبة خلاصات تجاربها، وتنقل لقارئها أهم الدروس المستفادة من هذه التجارب، فمثلاً لم تمتثل إلى المسلّمات بل طرح أسئلة الوجود والسعي المشبوب إلى امتلاك الحاضر وتمثله ثم اجتيازه، وتؤكد على قيمة العمل، فلا يمر يوم دونما كتابة صفحة واحدة أو قراءة بضع صفحات من كتاب أو ترجمة صفحة من كتاب، تقول: “خلال سنوات عملي الطويل في الكتابة تيقنت أنَّ الموهبة الإبداعية لا تولد خالصة بين يدي الكاتب مثل جوهرة ثمينة اكتمل صقلها، بل لابد من إدامتها وتطويرها بالمثابرة والجهد المتواصل وإغنائها بما أنتجته البشرية من أساطير ورؤى وتجارب عيش ومكابدات وجودية وأزمات روحية وتحولات فكرية ومواجهات”.
وعن فكرة الإلهام في الكتابة ترى الكاتبة أنَّ الكاتب في بداياته قد يركن إلى الإلهام، لكن عندما تستند التجربة الإبداعية إلى سعة الحياة ومكوناتها وأحلام النفس الإنسانية وخرابها وازدهارها واندحارها وعقدها واختلاف نزوعاتها تتخطى المسألة الإبداعية فكرة الإلهام الخارجي إلى الابتكار الذاتي.
وتؤكد في أكثر من موضع أهمية العزلة للكاتب، فتقول: “منذ شرعت بالكتابة اخترت العزلة والنأي عن الأوساط الثقافية، وقررت ألا أضحي بوقتي في الحضور الاجتماعي والتجمعات الثقافية إذ أيقنت وما زلت بأنَّ العزلة تحمي المبدع من التبدد في الانشغالات الهامشية وتصون لغته وتؤكد خصوصية أسلوبه”. وتعود لتؤكد: “لا يمكنني أن أكون كاتبة مخلصة لمشروعها وشغف حياتها وأكون في الوقت نفسه كائناً اجتماعياً يؤدي واجباته ويقيم المآدب ويحتفل بالمناسبات مع الآخرين كما يتوقع منه الآخرون، وكانت هذه أولى معاركي الاجتماعية الناجحة من أجل حرية اختياري لنمط حياتي، ثم تذوقت ثمار حريتي الواسعة والأكيدة وتفرغت تماماً للكتابة والترجمة عندما تقاعدت مبكراً من الوظيفة وامتلكت زمام زمني كله”.
مملكة الرواية
تختتم الكاتبة “عصيان الوصايا” بقسم عنوانه “استنطاق الكاتبة التي بداخلي” وضمنته أربعة حوارات أجريت معها، عاودت فيها البوح بما قالته في القسم الأول عن “المؤثرات”، فتؤكد أهمية عزلتها الاختيارية، وعلى فكرة أنَّ الترجمة بالنسبة للروائي تمثل حياة موازية، وأصبحت بالنسبة لها عيناً ثالثة أرى بها العالم من جهاته فيتوازن عملها في الترجمة مع عشقها للفن الروائي والكتابة المقالية والدراسات.
أما العين الثانية فأطلت في الفصول التي تناولت الرواية، للكاتبة لطفية الدليمي ولع شديد بفن الرواية، تكشف عنه نصوصها المؤلفة والمترجمة، وكتب مثل “مملكة الروائيين العظام”، الذي أعلنت فيه افتنانها بالروائي هيرمان هيسه وروايته الأخيرة “لعبة الكريات الزجاجية” ويستمر الافتتان فتشير إليهما حينما تجول في مملكة صناع الرواية، وتتوالى المقالات عن صناع الرواية المهرة، فيكاد القارئ يسأل عن علاقة ما يقرأ بالسيرة، ولأنَّ لطفية الدليمي قارئة نهمة، فقد استشعرت السؤال وأجابت عنه في ثنايا مقالتها عن إلياس كانيتي الألماني الفائز بجائزة نوبل، وهو مثلها معني بالفلسفة والعلوم والسياسة والأدب، يكتب سيرته الذاتية في ثلاثة مجلدات، يمزج فيها بين السيرة والرواية، وبين السيرة والسرد والتخييل والبحث النفسي والفلسفي والشذرات الشعرية والوثيقة بنفسٍ إبداعي، ويقول إنَّ هدفه ليس معرفة كل شيء وإنما تجميع الشظايا.
وأخيراً فالدرس الأهم الذي يخرج به قارئ “عصيان الوصايا” للمبدعة التي أغنت معرفتنا بسبعين كتاباً موزعة بين أقاليم الكتابة، يتمثل في تأكيدها على قيمتي الشغف والحرية، فضلاً عن العزلة، ففي حوار معها أرجعت غزارة عطائها إلى الشغف، وفي الكتاب ترى أنَّ الإبداع العلمي والأدبي يتدفق من الشغف، أما الحرية التي منحتها لنفسها في أن تكتب ما تحب وكما تحب، جعلت من حياتها مصداقاً لوصية الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي “لا آملُ في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حرّ”، ولعل عزلتها الاختيارية شكل ما من أشكال ممارستها للحرية.

ALSABAAH.IQ
لطفيَّة الدليمي تطارد عصفور الغواية » جريدة الصباح
أحمد رجب شلتوت ما بين اعترافات جان جاك روسو الصادرة في باريس في عام 1700، واعترافات عبد الرحمن شكري في كتابه الصادر بنفس العنوان “اعترافات”، في الإسكندريَّة عام 1916م،...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...