د. عيد صالح - سمير الفيل.. وفتنة السرد

بعيدا عن كل المدارس النقدية قديمها وحديثها وبعيدا عن الإغراق والاستغراق في المصطلحات التي تغلق فضاءات النصوص وتحيلها علي موائد التشريح والتقطيع والتشفية إلي عظم ولحم كما لو كنا في محل لبيع اللحوم أقصد النصوص وبعيدا كذلك عن الإنشائية والمجانية التعبيرية في مقاربة النصوص الإبداعية بحالتيها الإعجاب والاستهجان في انفعالية خطابية ممجوجة تؤلب المتلقي علي النص نكاية في الناقد وانحيازاته الإنشائية المتطرفة مع أو ضد النص وبعيدا في النهاية عن نظريات موت الناقد وانحسار ه داخل مبانيه وقاعاته الأكاديمية لإعادة صنع أكاديميين جدد يعيشون داخل النظريات التي تلوي أعناق النصوص وتخضعها لعمليات التفتيت والتفكيك وإعادة البناء بما يتواءم مع مناهج الدرس والبحث لا مع حيوية ودينامية وحياة النصو ص سوف نذهب إلي نص الحياة عند سمير الفيل وحكاياة الفاتنة الساحرة والساخرة حتى في أشد المواقف جدية ودرامية فما أن يفتح سمير الفيل خزانة الحكي والأسرار حيث البيوت والحارات والورش والتجار والعمال والصبية والبنات المقهورات والمتمردات دائما عند سمير الفيل حيث ملعبه وأرضه ذاكرته الهائلة التي اختزنت ملايين الأخداث والصور والمشاهد والشخصيات علي اختلاف طبائعها وثقافاتها وحتى لا نتوه في فى محيطه وحكاياه الآسرة سوف نتوقف عند بعض الملامح الظاهرة والقوية واللافتة في مجموعته " الأستاذ مراد " والتي سميت بإسم بطل أحد قصص المجموعة 1-- الإهداء "وجوه صادفتني في مسيرة الحياة امتلكت القوة والعناد لتمضىفي الدروب وحيدة ربما تعثرت ووقفت تبحث عن أفق جديد ربما كان داخلها هاجس يلح عليها أن تعكف علي أحزانها تلملمها بهدوء لتواصل سيرها بهدوء أيضا أهديها تلك التجارب السردية وكأنه بإهدائه تلك القصص لأبطالها يعترف ويشيد بالمعين الذي يغترف منه حيث لحم الحياة ودمها الذي يندفع هادرا بالحياة 2--- العناوين يذهب سمير الفيل في عناوين قصصه في هذه المجموعة وفي مجموعات أخري إلى أسماء إبطال تلك القصص والحكايات مع ربط العناوبن بمضمون وأحداث تلك القصص كفواطم اسم بطلة القصة الأولي والتي كان أبوها يتمني أن يسميها فاطمة لأن اسم أمه فاطمة وخالته فاطمة وحبيبته في الصبا فاطمة فكانت فواطم جمع لحبيباته الثلاثة حبا وعرفانا وذكر ي ولأن عنوان القصة يجب أن يكون دالا وموحيا بالوقائع والأحداث كانت الأسماء هنا فواطم وسعاد وخديجة وصابحة والولد فايق والأستاذ مراد تلك الشخصيات بأسمائها ولحمها وشحمها وهم من أهداهم العمل لأنهم من أعطوه مادة السرد وحكمته ومتعته وتخليده في تلك الحكايات وما تناثر فيها من عبرات وضحكات وورود ومقالب وطلاق وزواج وموت الأب ودراما تصل حد قتل رفيق العمر في الأسير وهروب سعاد في الصحراء في الليل البهيم والحب الطاهر المستحيل لابن زوج الأب في فواطم والارتماء في حضن زوجة متجبرة خلاصا من الحارة والوحدة في الأستاذ مراد وحتى الدلالات والحكم التي تتسرب عبر القصص تشع من داخل الشخصيات وإن تدخل عمنا سمير الفيل هنا وهناك بحكمة هنا وطرفة هناك بروحه الحكيمة الساخرة وهي في القصص مبرر فقصص ما بعد الحداثة تتسع الآن لتدخل الراوي الذي هو المؤلف غالبا ليقف علي ناصية هنا وهناك يقول هاأنذا
3-- اللغة تتميز لغة سمير الفيل عموما بجمال اللفظ وبهائه وبساطته وعمق دلالته بعيدا عن التقعر والتعقيد واستعراض العضلات ولكنك حيال نسج يتميز رشاقة الأسلوب وتدفق الكلمات وكأنك تستمع وتقرأ في آن إلي حكي موقع وعزف ساحر لا أقصد شعرية اللغة وسمير الفيل شاعر وخبير بالموسيقي ولكنه لا ينزلق لغنائية فجة ولكنه يدرك ربما بخبرته الطويلة وبحساسيته اللغوية كحرفي وفنان في يتعامل برقة وعذوبة وحب مع أدواته واللغة عندة ليست أداة لكنها حياة والكلمات لحم ودم وشرايين ودقات وخفقات وأعصاب متنبهة يقظة مشدودة تأخذ بتلابيب القارئ لا بغرائبية الأحداث او تناقضاتها ولا بفجاجة الصكوك والأكلشيهات التي تملأ أعمال كتاب مشاهير وتبدو في أعمالهم نتوءات لغوية ولفظية لا تليق بنصوصهم المهمة لغة سمير الفيل سلسة سهلة ممتنعة حية آسرة في رقة ونعومة وشجن الشجن الذي يغلف الأحداث بشاعرية رومانسية حزينة شفافة رائقة
4— الحوار مع أن سمير الفيل بتدفقه السردي والحكاية وعبر بنيته الدرامية الشفيفة لا يعتمد علي الحوار كثيرا الا أن الحوار عنده غاية في الدقة والإحكام يعرف كيف يوظفه لتطور الحدث واختصار السرد وديناميكيته وكثيرا ما يكون محملا بوجهات نظر ودلالات إنسانية بليغة "سألتها  مبسوطة  طبعا  أنت خوافة ليه  ما انت كمان كنت خايف  اسمك ايه  يا خايب مش عارف وانا هنا كل يوم قصة سعاد صفحة 13 و14وقصة الأستاذ مراد صفحات 67 و68 و69 وقصة خديجة صفحة 40 والأسير صفحة 78 5 – السرد ولأن سمير الفيل قاص محترف قماشته عريضة وفضاءاته واسعة يعرف متى يستفيض حتى تظن أنك بصدد رواية قصيرة نوفيلا كما في قصص الأستاذ مراد وسعاد وخديجة كما أنه يعرف الاقتصاد اللغوي والسردي بمعني التكثيف كما في الأسير وصابحة وسي عبد اللطيف والولد فايق وحكايات فلسطينية وفي الحالتين يشدك ويأسرك بسحر السرد المغلف بسخرية محببة تجعلك تبتسم دامع العينين أو تضحك متأسيا كما أنه يأخذ بتلابيبك بكم التفاصيل اليومية الصغيرة وتفاصيل المهن وأسرارها وخباياها والتي كثيرا ما تعبرنا دون أن نعيرها التفاتا هو يلتقطها ويجلوها كماسات صغيرة ويشحنها بطاقتها الحيوية وتحتل مكان الدهشة والإعجاب سمر الفيل له عدسة تصويرية لافتة وعين راصدة بدقة للزوايا والأركان التي تعمق الصورة وتعكس الحالة النفسية للشخصية كما في الأستاذ مراد ولأن قصة ما بعد الحداثة انفتحت علي سائر الفنون والمعارف وأصيحت تستوعب الي جانب التفاصيل والصور والمونتاج والافضاء الحكمة والمعلومة والخبر والفكاهة وقد برع فيها سمير الفيل بحيث تتسرب في العمل بتلقائية وحرفية عالية بحيث لا تكون عبئا علي النص يجيد سمير الفيل كتابة المواقف والمشاهد الغرامية برومانسية واقعية جديدة ولغة آسرة شفافة كما في سعاد صفحة 22 و26 65
5—السخرية نأتي إلي حسه الساخر والذي يتسلل عبر الأعمال حتى في أكثرها درامية ومأساوية كما سبق وأشرت بل وهي سمة شخصية فيه تشع في كل من حوله البهجة والفرح في قصة الولد فايق ذلك الولد الذي مات أبوه وتركه لأمه التي تقسو علية بالضرب بعصي غليظة وفي أي مكان لا كما كان يفعل أبوه بعصي رفيعة وفي أماكن محددة بعيدة عن الجمجمة والصدر و"الحمامة" هنا تتفجر مواقف للصغير تثير الأسي والضحك كأن يهرب من أمه تحت السرير ويخرج بعصي رفيعة ويطلب من أمه ضربه بها " وفي المرة الأخيرة لم يكن ما فعله يستوجب الضرب فقد أراد أن يزوج كلبا لقطة وحبسهما معا في عشة خالية منتظرا النتيجة ولما لم يحدث ما توقعه بعد مراقبة يومين كاملين فكر في أن يزوج الدجاجة لذكر الحمام ولما زهق من تجاربه الفاشلة أطلق ذكر الحمام في الفضاء الأزرق واكتفي بما هو موجود فوق السطح من حمام كسول" في قصة الأستاذ مراد تأتي السخرية من التناقض وعلي طريقة الدهشة للصغير الذي صاحبه أنظر الي طول الأستاذ مراد وقصر وضآلة الولد الصغير وذكاؤه الذي يحاور به الكبير ويتلمس له الأعذار بل لدرجة أن يداعبه بانه لن يكشف سر علاقته بابنته ويسر إليه بأن سره في بير وأنه لن يكشف حكاية نزوته تلك مع تلك البنت " قربت رأسي من أذنه : ما تخافش مش هقول لأي حد : بتقول إيه يا عبيط دي فاتن بنتي بنتك إزاي دي بيضا قوي: 7— الانحياز للمرأة سمير الفيل منحاز للمرأة يقف إلي جانبها يناقش قضاياها بإيجابية وفنية عالية يغوص في الشخصيات التي دائما يجعلها بطلات لقصصه ومحورها الانساني العام والخاص إيمانا منه بأن المرأة ليست نصف المجتمع ولكنها الأم والمدرسة وجامعة الحياة ومحورها أما الرجل في قصص هذه المجموعة فهو الشخصية الثانية وربما كان الغائب الحاضر كما في سي عبد اللطيف وصابحة أو المهزوم كما في الأسير أو المكسور كما في الأستاذ مراد الذي هرب من مأساته الوجودية إلي المرأة باعتبارها المأساة في زوجته الأولي والخلاص في زوجته الثانية المرأة عند سمير الفيل متمردة علي واقعها طموحة لتغييره حتى لو فشلت تطلب الطلاق من زوجها رغم أنها أنجبت منه وتتزوج غيره وتستغرق في رومانسيتها وكتابتها للشعر ( فواطم ) و( سعاد ) التي تهرب من زوجها و ( صابحة ) و( زوجة سي عبد اللطيف) تهربان من السقوط الي قبر الأب والزوج 8— سمير الفيل موهبة هائلة موسوعية الابداع والكتابة الأدبية والنقدية بجانب الرواية والقصص القصيرة والشعر غزير الابداع مع الجودة والفنية العالية أتاحت له تجارب الواسعة في الحياة وطبيعتة الشخصية المحبة للبشر والانسان وطفولته الدرامية وعينه الراصدة الذكية كل ذلك صنع موهبة سردية ساحرة لا تعتمد عل الغرائبي المصطنع ولا علي التمحك بالتابوهات كما يفعل البعض بغرض لفت الانظار وتعويض النقص في الموهبة والابداع تحية لهذا المبدع ولحضوره في حياتنا الأدبية وما يضفيه من جمال ورقي وبهجة وإبداع

٢٤ نوفمبر ٢٠١٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...