د. محمد عبدالله القواسمة - هاملت الفلسطيني

هاملت الفلسطيني

د. محمد عبدالله القواسمة

المعروف أن هاملت بالأساس شخصية رئيسية في مسرحية شكسبير الموسومة بهذا الاسم هاملت. وتقوم أحداث المسرحية في الدنمارك حيث يقتل كلوديوس أخاه الملك في أثناء غياب الأمير هاملت في الخارج، ويتزوج أرملته، ويجلس مكانه على العرش. ويأتي هاملت ليبدأ رحلة البحث عن قاتل والده، وعندما يخبره شبح والده بالحقيقة يتردد في قتل عمه، بل يقتل خطأ بولونيوس مستشار الملك ووالد حبيبته أوفيليا. وفي النهاية يتخلص هاملت من الملك في المبارزة التي أعدها الملك نفسه بينه وبين شقيق أوفيليا لايرتيز.

أما هاملت الفلسطيني فهو الشاعر والمترجم والأكاديمي الدكتور رفعت العرعير، الذي ولد في حي الشجاعية بغزة، وترعرع فيها، ودرس في مدارسها. وبعد حصوله على شهادة البكالوريوس من الجامعة الإسلامية بغزة حصل على الماجستير بالأدب الإنجليزي من كلية لندن الجامعية، ثم على شهادة الدكتوراه من جامعة بوترا في ماليزيا عام 2017م. لقد بدأ العرعير عام 2007م تدريس الكتابة الإبداعية والشعر والترجمة وأعمال الأديب البريطاني ويليام شكسبير في الجامعة الإسلامية، كما شارك في تحرير كتابي: "غزة لا تصمت"، و"غزة تكتب مرة أخرى". وكان مؤسسًا مشاركًا لمنظمة "نحن لسنا أرقاما". وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى تعزيز أصوات الشباب الفلسطينيين، الذين يعيشون في غزة ومخيمات اللاجئين.

خلال معركة طوفان الأقصى، وحرب الكيان الإسرائيلي المتواصلة على قطاع غزة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي نزح العرعير عدة مرات إلى أنحاء القطاع، واستشهد يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 في منزل شقيقته مع والديه وزوجته وأطفاله، حيث ارتقى شهيدًا بغارة إسرائيلية. واتهم المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الاحتلال الإسرائيلي باغتيال رفعت العرعير، لأن الغارة كانت متعمدة، فقد جاءت بعد تهديدات له بالقتل.

يلاحظ من سرد سيرتي الشخصيتين: هاملت الخيالية، ورفعت الحقيقية تشابه الشخصيتين بأن كليهما قتل مظلومًا، وأن كلًا منهما قال وصيته عندما أحس بالموت: ففي مسرحية شكسبير يُطعن هاملت بالسيف المسموم من قبل لايرتيز، وتشرب أمه خطًا الشراب المسموم الذي كان الملك قد أعده له؛ ليتناوله حال توقفه عن المبارزة. وتتكشف المؤامرة عندما تسقط أمه وهي تصرخ: الشراب، الشراب! أوه، حبيبي هاملت! سمَّموني" ويتناول السيف المسموم الذي سقط من يد خصمه ويقتل الملك.

قبل أن يلفظ هملت أنفاسه الأخيرة كان بجانبه صديقه الوفي هوراشيو، الذي أوصاه بأن يحكي قصته الحقيقية للناس بعد موته. يقول في وصيته بترجمة جبرا إبراهيم جبرا:" لو اتسع لي الوقت (فهذا الموت شرطي قاس دقيق التنفيذ في إلقاء قبضه) لرويت لكم وليكن ! هواراشيو، لقد مت وستحيا: حدث بالحق عني وعن قضيتي كل من شك ولم يقتنع"

نلمس هذا المشهد الأخير لهاملت عند الشاعر رفعت العرعير، إذ كان تأثره بشكسبير واضحًا، وبخاصة بمسرحية "هاملت"؛ فلا غرابة في ذلك فقد درّس العرعير أدب شكسبير ضمن مادة الأدب الإنجليزي في الجامعة الإسلامية. هكذا حين استشعر الموت الذي انتشر في كل مكان من غزة بفضل الغارات الإسرائيلية في الحرب كتب قصيدة باللغة الإنجليزية بعنوان "إذا كان لا بدّ أن أموت" مطلع نوفمبر/تشرين الثاني يعلن فيها وصيته، وظهرت القصيدة في موقع إكس على الإنترنت، نقدمها من ترجمة الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون:

إذا كان لا بدّ أن أموت
فلا بد أن تعيش أنت
لتروي حكايتي
لتبيع أشيائي
وتشتري قطعة قماش
وخيوطًا
(فلتكن بيضاء بذيل طويل)
كي يبصر طفل في مكان ما من غزّة
وهو يحدّق في السماء
منتظرًا أباه الذي رحل فجأة
دون أن يودّع أحدًا
ولا حتى لحمه
أو ذاته
يبصر الطائرة الورقيّة
طائرتي الورقية التي صنعتَها أنت
تحلّق في الأعالي
ويظنّ للحظة أن هناك ملاكًا
يُعيد الحب
إذا كان لا بد أن أموت
فليأتِ موتي بالأمل
فليصبح حكاية

ففي هذه القصيدة يوصي الشاعر والأكاديمي رفعت العرعير من يقرأ قصيدته بعد مقتله المتوقع بأن يحكي حكايته على الملأ بأنه مات مظلومًا، فربما يبزغ الأمل في نفوس أهل غزة بالتخلص من ظلم الاحتلال، ويعودون إلى ممارسة حياتهم الطبيعية.

ولعل ما دعا إليه الشاعر قبل مقتله قد تحقق عندما ترجمت قصيدته إلى كثير من اللغات، وألقيت في مناسبات كثيرة، وشارك الممثل الأسكتلندي بريان كوكس بمقطع فيديو له وهو ينشد القصيدة، ويقدمها لتعرض في الأمسية الأدبية التي نظمها المهرجان الفلسطيني للأدب في لندن يوم 13 ديسمبر/كانون الأول. وكوكس أحد المحترفين في المسرح الشكسيبري الكلاسيكي، وهو عضو فرقة شكسبير الملكية بستراتفورد. اشتهر بلعب دور قطب الإعلام المستبد لوغان روي في المسلسل التلفزيوني الكوميدي الدرامي "الخلافة". Succession وهو معروف أيضًا بلعب دور زعيم الحزب النازي هيرمان غورينغ في مسلسل الدراما التاريخية "نورمبرغ".

هكذا فإن قصيدة الشاعر العرعير" إذا كان لا بد أن أموت"، وما تضمنته من معان إنسانية ونغمات حزينة، وكذلك استشهاده في غارة إسرائيلية في غزة كان مؤثرًا في كثير الناس، وبخاصة الفنانين والشعراء والمفكرين، وأولئك الذين اطلعوا على مسرحيات شكسبير ومسرحية "هاملت" بالذات؛ لأن نهايتها جاءت متماهية مع نهاية العرعير وقصيدته الأخيرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...