محمد عبدالله الخولي - الرواية بين الواقعية والرمزية قراءة نقدية في رواية بتوقيت البحر للروائية د.نجوى يلام

فضاء النقد
الرواية بين الواقعية والرمزية – قراءة نقدية في رواية " بتوقيت البحر" للروائية د/ نجوى محمد سلام
د. محمد عبدالله الخولي / مصر

( ألقيت الدراسة في ندوة النقابة الفرعية لاتحاد كتاب الغربية مساء الأحد ١٨ فبراير ٢٠٢٤ )

تتشكلُ الرواية أشكالاً متعددةً، وتتقنَّع خلف أقنعةٍ شتّى، وتتجلى في صور متباينة، وتحتمل من القارئ تأويلات لا حدود لها، وهذه الأقنعة التي تتخفّى خلفها الرواية تجعل من الصعب تعريفها تعريفا جامعا مانعا، إذ الرواية تشتبك مع الأجناس الأدبية الأخرى تشابكا يصل إلى حد التماهي، ومن هنا يطرح السؤال نفسه، ما الرواية؟ وما الخصائص التي تتمايز بها الرواية عن سائر الأجناس الأدبية الأخرى، وما الفرق بين الرواية والحكاية والأسطورة " إذ الرواية تغترف بشيء من النهم من هذين الجنسين الأدبيين العريقين؛ وذلك على أساس أنّ الرواية الجديدة أو المعاصرة بوجه عام؛ لا تلفي أي غضاضة في أن تغني نصها السردي بالمأثورات الشعبية، والمظاهر الأسطورية والملحمية جميعا. ولكن ليست الرواية هي الحكاية، وليست الرواية الأسطورة أو الملحمة، إذ تتمايز الرواية بالبناء السردي الذي يحتمل من الخصائص ما يجعلها جنسا أدبيا خالصا له خصوصيته وآلياته وتقنياته السردية التي تتجلى في البناء اللغوي أو الهندسة المعمارية اللغوية للبناء السردي الذي تبزغ من خلاله شمس الرواية.
تتماس الرواية مع الحكاية والأسطورة والملحمة والمسرح والشعر، فالرواية تنبني على قاعدة فعل الحكي ولكن بأسلوبية تجعل من الحكاية أداة من أدوات الرواية، إذ تعتمد الحكاية على اللغة النثرية البسيطة بينما تميل الرواية إلى اللغة التي تحاول الاقتراب من الأدبية، ولذا لا تتوقف اللغة الشعرية على الشعر وحده بوصفه جنسا أدبيا، إذ تشترك الرواية مع الشعر في هذه اللغة، ولكن الرواية لا تكون الشعر ذاته، إذ للشعر خصائصه التي ينماز بها عن الأجناس الأدبية الأخرى، فقط ما وددت الإشارة إليه هو نقاط التماس والتلاقي بين لغة الرواية ولغة الشعر. أما بالنسبة للأسطورة أو الملحمة فهما يعتمدان على الشخصيات البطولية أو خوارق الأمور والعادات التي يتميز بها أبطال الأساطير والملاحم، أما الرواية وإن جنحت أحيانا واغترفت من نهر الأسطورة أو محيط الملحمة، فهي تتمايز عنهما أنها تحكي الواقع الذي نعيشه أو تشير إليه برمزية ما، وتقنية معينة، ولذا تعتمد الرواية على الأشخاص العاديين ولا تجنح وتحصر نفسها في سرد بطولات ربما لا تمت إلى الواقع بصلة، كما تكون الرواية أقل طولا واستطرادا من الأسطورة والملحمة. أما بالنسبة للمسرح فالرواية تعتمد على أهم ما ترتكز عليه المسرحية: الشخصيات، الزمان، المكان، والحيز، والحدث واللغة، فلا رواية ولا مسرحية إلا بشيء من ذلك " ولعل هذه الأسباب مجتمعة، أو منجمة، تفضي إلى جعل الرواية ذات ارتباط وثيق بعامة الأجناس الأدبية الأخرى. وأما كون الرواية متفردة بذاتها، فلأنها ليست فعلا أيّاً من هذه الأجناس الأدبية، فهي طويلة الحجم ولكن ليس بطول الملحمة أو الأسطورة" وهي شعرية في لغتها ولكن يمكن لهذه اللغة أن تكون وسطا بين الشعرية المفرطة واللغة في مستواها العادي؛ إذ تنحبك الرواية من الواقع ويتجلى ذلك في نسيجها اللغوي الذي يميل إلى الواقعية تعبيرا، حتى وإن كان البناء السردي اللغوي يميل إلى الرمزية في دلالاته وبواطن معانيه.
ولم يزل السؤال يطرح نفسه- بعد حديثنا عن نقاط التماس والتلاقي بين الرواية والأجناس الأدبية الأخرى – ما الرواية؟ " الرواية من حيث هي جنس أدبي راق، ذات بنية شديدة التعقيد، متراكبة التشكيل؛ تتلاحم فيما بينها وتتضافر لتشكل لدى النهاية شكلا أدبيا جميلا يعتزي إلى هذا الجنس الحظِيّ، والأدب السري. فاللغة هي مادته الأولى، كما كل جنس أدبي آخر في حقيقة الأمر، والخيال هو الماء الكريم الذي يسقي هذه اللغة فتنمو وتمرع وتخصب، والتقنيات الكتابية لا تعدو كونها أدوات لعجن هذه اللغة المشبعة بالخيال ثم تشكيلها على نحو معين" ولكن اللغة والخيال لا يكفيان لمنح الرواية خصوصيتها، إذ اللغة والخيال المادة الخام والركيزة الأساس لكل الأجناس الأدبية، إذن ما يميز الرواية هو السرد أي " الهيئة التي تتشكل بها الحكاية" ويكمن خلف هذا البناء السردي البنية العميقة للرواية، والتي من خلالها تنفتح الرواية من خلال فعل القراءة على التأويل الذي لا يقف عند حد معين نظرا لتعددية القراءة واختلاف مستويات التلقي، فتكون الرواية متأرجحة تماما بين واقعية الحكاية وما ينطوي تحتها من دلالات متعددة، ويكون خلف البناء السردي للرواية فضاءات متخيلة منفتحة على العالم الخارجي، كما تتجلى من خلال هذه الفضاءات المتخيلة ذات الكاتب وتجربته الإنسانية والإبداعية. ولعل هذا ما دفعني أن أعنون دراستي النقدية حول رواية " بتوقيت البحر" بـــ " الرواية بين الواقعية والرمزية قراءة نقدية لرواية بتوقيت البحر للروائية نجوى محمد سلام" تلك الرواية التي تنتمي بأسلوبيتها إلى الواقع الذي نعيشه ونعانيه، حيث سلطت الكاتبة الضوء على كثير من القضايا الاجتماعية والدينية والعقائدية، لا سيما القضايا التي تخص المرأة في محيطها العربي. فلم تكن الحكاية في رواية " بتوقيت البحر" سوى رموز من خلال تأويلها تنكشف الذات الإنسانية وبواطن النفس البشرية لدى القارئ.
تنتمي رواية " بتوقيت البحر" إلى نظرية التحليل الخالص للنفس البشرية، تلك النظرية " التي يفصِّل فيها الروائي كل شيء في سرديته؛ فيعمل على ذكر أصغر التطورات لباطن النفس البشرية، وكل ما له صلة بباطن أسرارها التي تحدد طبيعة ممارستها" وهكذا كانت رواية " بتوقيت البحر" إذ تتعالى الرواية ومضمراتها الدلالية عن سطحية الحكاية، إذ تتناثر الحكاية بشخوصها وأنماط سرديتها إلى رموز محضة جعلت من الحكاية وسيلة لغاية مضمرة في البناء السردي، وبهذا أصبحت رواية " بتوقيت البحر" أعمق دلالة وأكثر شمولية من مستوى حكايتها. كما أن الرواية التي نحن بصددها لم تفف عند حدود الواقع وترتضيه غاية قصوى لها، بل تجاوزت الواقع المعقد للإنسان وحياته الاجتماعية إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة اكتشاف الذات والنفس البشرية.
تحولت الأماكن والشخوص والرؤى المنامية أو تلك التخيلات النفسية التي تنتاب هذه الشخصيات حال استغراقها الباطني إلى رموز وشفرات يتوجب على القارئ تفكيك طلاسمها وتأويلها بناء على السنن الثقافي المشترك بين كاتب النص ومتلقيه. فالبحر يرمز إلى النفس البشرية ويرمز إلى العرفانية الباطنية، ويرمز إلى رحلة المعرفة التي يحاول الإنسان فك طلاسم نفسه من خلال خوضه لهذه الرحلة عبر سفينة النفس وشراع التأمل ومجداف المحاولة، تلك الرحلة أو البحر الذي غرق فيه الجميع من الذين يحاولون اكتشاف مكنونات ذواتهم، والبعض نجا من عباب هذا البحر؛ لأن النور الإلهي كان رفيق رحلته فأضاء له الدرب وحثه على المسير فواصل رحتله المعرفية دون أن يغرق في هذا البحر، والكاتبة تتجلى رؤيتها للعالم من خلال استنادها على عقيدتها الإيمانية التي ترى فيها " نجوى سلام" طريق الخلاص الأوحد في هذا العالم. أما جنية البحر- من خلال استقراء البنية العميقة للرواية- فهي الدنيا التي رغب فيها أهلها، ورغب عنها الزهاد، وهذا ما أشارت إليه " نجوى سلام" في قولها : " ملعونة في كل القصص والحكايات، منبوذة في أرض الزاهدين، تسخر من عشاقها، لا تهزم في معركة إلا معركة الوصول للحقيقة، حاول البحث عن حقيقة نفسك وحقيقتها." فلم تكن الحكاية وشخوصها سوى رموز تتأرجح على سلم التأويل، وعلى القارئ أن يملأ تلك الفراغات النصية وهذا البياض بوصفه فاعلا إيجابيا ومؤلفا مشاركا لتتم عملية التواصل عبر المرسلة الروائية التي يبثها الروائي للقارئ.
أما الطفل الذي يحاول " إيمان البحر" الوصول إليه بغية نجاته هو البراءة والفطرة النقية ونسخة الإنسان الأولى التي جبله الله عليها، ولكن الدنيا والشهوات احتوشته حتى غيرت هذه الفطرة ودنّست هذه البراءة، وعلى الإنسان أن يحاول دائما الوصول إلى نسخته الأولى وفطرته التي فطره الله عليها، ولن يستطيع الإنسان الوصول إليها إلا بغمس طينته الأرضية في بحر الأنوار، وتلك المحاولة تبدأ من النفس اللوامة التي تستشعر الخوف وترجو الوصول وهذا ما أشارت إليه " نجوى سلام" في فصلها المعنون في الرواية بــ " مقعد المحاكمة" فلم تكن هذه المحاكمة سوى رمزٍ لمرحلة من مراحل النفس البشرية وهي النفس اللوامة، والتي يترقى الإنسان بعدها إلى مرحلة النفس الملهمة، وبين اللوامة والملهمة رحلة عنيفة ضارية يبحث فيها الإنسان عن حقيقة وجوده في العالم.
تنطوي رواية " بتوقيت البحر" على منظومة رمزية متعالية البناء ولذا تقبل سلسلة من التأويلات اللامتناهية. وتشكّلت هذه المنطومة الرمزية من الشخصيات التي تصور لنا أحوال النفس البشرية في تقلباتها وممارستها الحياتية، ويعد الرمز الأكبر الذي تدور حوله هذه المنظومة وترتكز عليه هو البحر الذي يرمز بدوره وفق البنية السردية إلى عدة دلالات ومنها: النفس البشرية في مرحلة تعرفها، ويرمز إلى الحياة وتموجاتها، أو النفس البشرية وحركتها الباطنية، وثمة رموز أخرى يكتمل بها بناء هذه المنظومة الرمزية، ومنها: الفراشات والتي تعني الحقائق أو ترمز إلى القلق الذي يحول بين الإنسان وبين تحقيق مآربه، ويرمز الوحش – الذي يمنع دائما وصول " إيمان البحر" إلى مآربه – إلى المجهول الذي تتخوف منه النفس البشرية في رحلة تحققها المعرفي، كما يرمز الكتاب – الذي تكرر كثيرا في سياق شبه متقارب، اقرأ كتابك وخذ كتابك – إلى عمل الإنسان وخلافته لله في هذه الأرض، فكل إنسان مرتهن يوم القيامة بهذا الكتاب. أما (مآثر وجواهر) فيرمزان إلى جهل النفس البشرية بحقيقة أمرها، أو يرمزان واقعيا إلى التخلف والجهل اللذين يهددان مسيرة الإنسان في هذه الحياة، أما (الوشم) الذي يظهر على يد بعض الشخصيات في الرواية يمثل أو يرمز إلى تلك القيود التي تحول بين الإنسان وبين حقيقته، أو تلك الطلاسم التي يتوجب على الإنسان معرفتها من خلال تبصره لحقيقة ذاته وبواطن نفسه، ولعل هذه المنظومة بكاملها غيض من فيض قول الله تعالى " وفي أنفسكم أفلا تبصرون". أو كما يقول أهل العرفان: " من عرف نفسه عرف ربه" ولذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بالبحث عن ماهية النفس البشرية والتحقق من أمرها، فمعرفتها باب الدخول الأرحب إلى العالم النوراني، وهذا ما عبّرت عنه " نجوى سلام" في قولها: " نحن ضحايا الجهل بأنفسنا، وضحايا تضليلها لنا عن وعي ودراية، في ظلامنا السحيق نتجول دون أن نحمل قنديلنا المضيء." كما ترمز القبور التي تتراءى دائما لــ " إيمان البحر" في رحلته الباطنية، إلى الأحلام التي يخفت ضوؤها تحت غبار أوهامنا التي لا وجود لها في الحقيقة، وهذا ما نلحظه في قولها: " نطوف حول قبور أحلامنا الضحايا ونرقص على أنقاض إمبراطورياتها العظمى بقرع طبول أوهامنا الملاعين".
تكتمل المنظومة الرمزية لرواية " بتوقيت البحر" بوقت الخلاص من هذه المتاهة ويرمز لهذا الوقت بــ " الساعة " إذ لكل إنسان في هذه الرحلة وقت معين عندما يحين هذا الوقت تتجلى ساعة خلاصه. وهذا الخلاص لابد له من أداة يحقق بها الإنسان خلاصه، ويقتل بها هذا الوحش الذي يحول بينه وبين مراده، وهذه الأداة هي السيف والذي يرمز إلى المواجهة، مواجهة الإنسان لهذه المخاوف والعراكيل التي تحول بينه وبين الوصول، وهذا ما عبرت عنه " نجوى سلام" في قولها: " مشيرة بطرف أصبعها للسيف والساعة مرددة: كن حذرا وساعد نفسك على النجاة مني. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا."
تكونت هذه المنظومة الرمزية في رواية " بتوقيت البحر " وفق رؤية ذات الكاتب للعالم، فهذه الرواية تمثل لنا عبر آلياتها الكتابية وتقنياتها السردية رؤية الذات للعالم، وكيف ترى " نجوى سلام" الوجود فهذه المنظومة الرمزية واقعة بالكلية تحت تأثير هذه الرؤية إذ " تشكل رؤية الذات للعالم إحدى البنى المركزية للرواية." التي تتخذ من الحكاية سبيلا لها، وتندثر الحكاية في البنيان السردي للرواية لتتجلى رؤية " الأنا" المتعالي الذي يكاشف هذا الوجود وينفض عن معدن الحقيقة الغبار.
إذن، ومما لا شك فيه بعد هذا التطواف على المنظومة الرمزية لرواية " بتوقيت البحر" حريٌّ بالقارئ أو الناقد ألا يقف عند حدود الحكاية وينشغل بها عن مضمونيتها وغايتها التي من أجلها نسج الروائي حكايته في هذا البنيان السردي المتعالي، فثمة فرق كبير بين الحكاية وبنيتها السطحية، والرواية وبنيتها السردية العميقة، فالرواية وما تنطوي عليه من دلالات متعددة وفضاءات مرجعية متخيلة تربط ما بين الواقع وهذا الفضاء المرجعي المتخيل، فهي لا تعكس واقعا ولا تصوره، إذ الأمر لو كان كذلك لما أشبعت الرواية نهم القارئ فالواقع موجود بكليته وكنهه وحقيقته، فما حاجة القارئ إذن في مطالعة واقع هو يعايشه ويعانيه " إذ الرواية تقرب بين القارئ والراوي والشخصية وتحاول التوفيق بينهم في شعور مشترك ... مما حمل (بول أندريه) أن يعرف الفن الروائي بأنه فن اتصال وليس فن معرفة. ونحن نجد أنّ (هنري ميلر) يسير في نفس الاتجاه عندما يطرح السؤال التالي: ( ما هي فائدة الكتب إن لم تعدنا إلى الحياة وإن لم تتوصل إلى إتاحة الفرصة لنا لكي ننهل من ينبوعها بشراهة؟ الأمل الذي نتعلل به عندما نتناول كتابا هو أن نصادف إنسانا حسب عواطفنا ومشاعرنا، وأن نعيش المآسي والأفراح التي لم نجد الشجاعة الكافية لمعايشتها، وأن نستغرق في أحلام تجعل حياتنا أكثر افتنانا وربما أيضا أن نكشف عن فلسفة للوجود تجعلنا أكثر قدرة على مجابهة المشاكل والمحن التي تحدّق بنا" فالرواية ليست ترفا لغويا وإنما فن أدبي نكاشف من خلاله الإنسان ونطالع مكامن الخفاء في ذاته البشرية، وهذا ما استطاعته بجدارة رواية " بتوقيت البحر " للروائية (نجوى محمد سلام)، والتي استطاعت بحرفية واقتدار أن تغوص وفق رؤيتها للعالم داخل أغوار النفس البشرية وتطلعنا على كينونتها الباطنية وحركتها الداخلية، وهذا الأمر -مما لا شك فيه - صعب المراس إلا على كاتبة بحجم " نجوى سلام" التي توزعت روايتها ما بين تأطير لواقع تعيشه تلك الشخصيات العائشة في روايتها وبين ما تصبو إليه ذات الكاتب من مكاشفة هذا الواقع وتعريته أمام المتلقي لتتجلى حقيقة النفس البشرية.
المضمر الصوفي في رواية بتوقيت البحر:
إنّ القضايا الفكرية والعقائدية التي تعرضها الرواية – أي رواية – مهما كانت درجة أهميتها لا تصنع نجاحا لها إلا إذا سكبت في إطار تعبير فني راق، وصيغت بأدوات وتقنيات تُستثمر في نجاحها، وقد توفرت لرواية " بتوقيت البحر" مجموعة من التقنيات أسهمت بشكل كبير في إنجاح هذه الرواية من وجهة نظر خاصة، أرى أنّ أبلغ وأرقى هذه التقنيات هو القالب الصوفي المضمر الذي يعد الركيزة الأساس لهذه الرواية، حتى وإن لم تفصح الرواية في بنيانها السردي عن ذلك صراحة، إذ تحاول " نجوى سلام" من خلال عنوانها الفرعي الأول " الملهمة" أن تستدخل العالم الروحاني – بوصفة ملاذا للخلاص – من أول مفردة تستهل بها روايتها.
تراجع الشعر جماهيرا في الآونة الأخيرة، واعتلت الرواية صهوة الأدب، حتى أطلق بعض النقاد في عصرنا الحديث على الرواية أنها ديوان العرب بعد أن كان الشعر كذلك. وتلك المرحلة التي يمر بها العالم الآن من حروب وإرهاب وذيوع مصطلح ( الإسلاموفوبيا) وظهور الجماعات الإسلامية المتشددة – والتي لا تنتمي إلى الإسلام في شيء – عرج بعض الروائيين على الموروث الثقافي الصوفي الروحي الذي يدعو في جوهره إلى التسامح وتقبل الآخر، وأنّ لكل إنسان تجربته الخاصة في طريق الوصول إلى الله، وقد بدا ذلك جليّا في رواية (طريق) لنجيب محفوظ، ورواية (التجليات) لجمال الغيطاني وغيرها " لكن صدور رواية قواعد العشق الأربعون للروائية التركية أليف شفق والاحتفاء العالمي بها والإقبال الجماهيري عليها، والذي قد يكون ارتدادا نحو التسامح والانفتاح على الآخر في ظل وصول العنف إلى حالات غير مسبوقة في تاريخنا الحديث، شجع الكثيرين على الالتفات من جديد إلى التصوف أدبيا وفلسفيا، وصدرت بعدها رواية (موت صغير) للروائي السعودي محمد حسن علوان والتي توجت بجائزة البوكر للرواية العربية." مثل هذه الأعمال الروائية أعادت للتصوف رونقه من جديد، حتى أصبح التصوف تيمة موضوعية ورمزية للخلاص في كثير من الروايات على مستوى العالم، والجدير بالذكر هنا، أن رواية " بتوقيت البحر" للروائية المصرية " نجوى محمد سلام " نحت هذا المنحى ولكن بأسلوبية مغايرة حيث لم تعلن الرواية صراحة عن التصوف وأنه رمز للخلاص من عبثية هذا العالم، ولكنها أشارت إليه تلميحا لا تصريحا في أكثر من موضع في روايتها "بتوقيت البحر" وكأنها توجّه القارئ إلى روحانية هذا الدين الإسلامي السمح الذي يتجلى في أبهى صوره في أيقونية التصوف الإسلامي، وتناصت الرواية في كثير من مواضعها مع أعلام التصوف دون التصريح بأسمائهم مثل ابن عربي وابن الفارض، ففي حديثها عن الكتابة تقول: " أتقن عقله مضاجعة اللغة فكان في مقدمة من رفعوا شعار التداوي بالكتابة" وكأنّ هذه العبارة تتناص مباشرة مع مقولة سيدي محيي الدين بن عربي عن الكتابة بأنها " النكاح الساري في جميع الذراري" وفي هذا الشأن يقول أيضا: " فكان أجزل ما أتحفني الله به أن أنكحني حروف المعجم وجميع الكواكب إلى أن أسمعني صريف الأقلام في صدري بالألحان." فكل مكتوب ناتج عن حالة الشبق التي يعايشها الكاتب مع اللغة. أما عن رمزية البحر التي ارتكزت عليها الرواية، ولم يكن البحر سوى النفس البشرية بكل ما ينتابها من أحوال وجدنا هذا الأمر وهذه الرمزية صراحة عند سيدي محيي الدين بن عربي حيث يقول في كتابه المسائل: " معرفتنا بنا بحر لا ساحل له(...) ففينا نتكلم وعلينا نحوم وما يبدو لنا سوانا." وعندما تعرضت" نجوى سلام" لقضية الوصول إلى الذات العلية ، وأنه لا سبيل إلى الإنسان إلا بمعرفة نفسه أولا، يقول سيدي ابن عربي في كتابه (كتاب الكتب) : " مشهود فيك وهو صورتك لكن لا تراها إلا فيه". ليس هذا وحسب ولكنها تناصت مع التائية الكبرى لابن الفارض والتي يقول فيها:
وجاء حديث في اتحادي ثابت
روايته في النقل غير ضعيفة
يشير بحب الحق بعد تقرب
إليه بنفل أو أداء فريضة
وموضع تنبيه الإشارة ظاهر
بكنت له سمعا بنور الظهيرة.
وها هي " نجوى سلام " تترنم على قافية التاء بقولها في روايتها" بتوقيت البحر" وهي تستدعي البيت الأشهر في التائية الكبرى لسيدي ابن الفارض فتقول:
وعن مذهبي في الحب ما لي مذهب
وإن ملت عنه يوما فارقت ملتي
وحاولت نجوى سلام أن تعارض ابن الفارض في تائيته، وتستدخل ذاتها الشاعرة في بنيانها السردي، ولكن من وجهة نظري الخاصة لم يحالفها الحظ – تماما – حيث أخفقت في مجاراة ابن الفارض في روحانية أبياته، كما أخفقت أيضا في ضبط إيقاع الأبيات حيث تفلّت وزن البحر الطويل من يدها حال معارضتها لسيدي عمر بن الفارض – عليه رضوان الله – وهذا ليس مربط الفرس، ولكن ما وددت الإشارة إليه هو استحضار النفس الصوفي عن طريق استحضار أعلامه إما عن طريق التناص أو المعارضة الشعرية. ولم تتوقف نجوى سلام في صوفيتها عند هذا الحد، ولكنها أبحرت كثيرا، وبلورت روحانية العبادة الصوفية واستظهار بواطنها النورانية، ففي حديثها عن الصلاة تقول: " سجادة صلاة هي البوابة الأولى لمقابلة الملك العزيز الجبار، تعترف أمام مرآة نفسها الصادقة أنّ العناق في أغلب الأوقات لم يكن بما يليق وجلال وهيبة مقابلته، لكنه أفضل حالا من الإنصات لهوى نفسها بترك العناق أو تأخيره بدعوى المشاغل، مثلها مثل بعض البشر تأتي عليهم الأوقات فتكون الصلاة مجرد روتين يومي يؤدى للراحة منها، وليس للراحة بها."
المرأة من وجهة نظر التصوف رمز مقدس، فهي كما يقول أهل العرفان: " مظهر التجلي الرحموتي، وهي أبهى صورة لتجليات الرحمة الإلهية." ولم يفت نجوى سلام أن تقدس المرأة هي الأخرى عبر بنيانها السردي، حيث جعلت من المرأة رمزا مقدسا من وجهة نظر صوفية بحتة فتقول على لسان بطل الرواية: " أهفو إلى امرأة ارتاح في كنفها من وعثاء السفر، يخضر من شلال كوثر وصلها عمري، فيصير جدبي جنة وتعيد إعماري، طرف عينيها طريق غوايتي، لص عتيق وحديثها خمر تعتق شهده، نشبت به في وتيني يا ويلاه أعظم حريق، قدسية القسمات والتفاصيل، أنقش على ألواح أنوثتها جميع معاركي، تهذب الطفل المراوغ في دمي، تلغي دساتيري بكل ما فيها، وتحيل جهلي علوم فقه في أنوثتها." وهكذا ومن خلال ما سبق تنطوي هذه الدراسة على ركيزتين أساسيتين: المنظومة الرمزية المتعالية البناء التي يتوجب على الناقد فك طلاسمها، ومضمرات التصوف التي انبنت على أساسها هذه الرواية.
المراجع:
1- عبدالملك مرتاض: في نظرية الرواية، الكويت، عالم المعرفة، ديسمبر 1998م.
2- رولان بورنوف و ريال اوئيليه: عالم الرواية، ت: نهاد التكرلي، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، د ط، 1991.
3- أميرة المضحي: في الرواية الصوفية، مجلة العرب، الأحد 16/2/2018.
4- أحمد كريم بلال: جدلية الرمز والواقع دراسة نقدية في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، القاهرة، مدارات للنشر والتوزيع، ط1، 2011.
5- خالد بلقاسم: الكتابة والتصوف عند ابن عربي، المغرب، دار توبقال للنشر، ط1، 2004.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...