أ. د. محمد حسن عبدالله - العنوان في التراث العربي... منظور تأسيسي في تأصيل ظاهرة العنونة بالأسماء في التراث العربي ودلالتها الحضارية والنفسية

تابع


سادسا : خطوة سابقة :

إذا تحقق لنا قدرٌ من الاطمئنان إلى صحة تاريخ ميلاد ووفاة أعلام العرب ، قبل عصر الطباعة ، فإن “صبح الأعشى” للقلقشندي: (المتوفى 821 هـ) يقع في وسط المسافة الزمنية بين كتاب “الفهرست” لابن النديم (المتوفى 387هـ) ، وكتاب “كشاف اصطلاحات العلوم والفنون” للتهانوي (المتوفى 1191هـ ، على الأرجح)(33) ، ومن ثم فإن ابن النديم وضع كتابه الشامل على غير قياس من تجربة سابقة ، حتى وإن كان مصطلح (الكامل= الكامل في التاريخ – الكامل في الأدب..إلخ) أخذ يتكرر إعلانا عن الطابع الشمولي للثقافة ، ومن المهم أن نلاحظ أن ابن النديم من ثمرات القرن الرابع الهجري ، وهو القرن الذي شهد نهضة عربية في أوج سطوعها ، وقوتها ، وقدرتها على استيعاب ثقافات الأمم والحضارات الأخرى ، ويتضح هذا في محتوى كتابه . ولسنا نظن أن “الفهرست” كان ملهماً للقلقشندي ، لأن الكتاب الأول لا يتجاوز كونه بمثابة “كشاف” يدل على المؤلفات ، فيضعها تحت عناوين تنظم سياقها ، ويعرف بمؤلفيها ، وفي أحيان يجمل فكرتها ، وهذا ليس بالجهد القليل ، غير أنه يختلف كثيراً عن الطابع الموسوعي المختص بفنون الكتابة والتأليف ، التي حصر القلقشندي جهده فيها.

وقد عُني ابن النديم بالعنونة ، إذ قسم كتابه إلى عشر (مقالات) [ وقد توزعت المقالات العشر على اثنين وثلاثين فنا ] ، اختصت كل مقالة بعدة فنون ، حسب ما تتسع له الظاهرة ، فعلى سبيل المثال : (المقالة الرابعة) وهي : فنان في الشعر والشعراء : الفن الأول : في طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين ممن لحق الجاهلية ، وصناع دواوينهم ، وأسماء رواتهم . الفن الثاني : في طبقات الشعراء الإسلاميين ، وشعراء المحدثين ، إلى عصرنا هذا [أي إلى عصر المؤلف] . وفي تقديم عبد الحكيم راضي لطبعة (الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة – 2006) يشير إلى تميز عناوين الفهرست بالنسبة لما سبقه من موسوعات (بصفة خاصة كتاب الخوارزمي) ، فيقول عن العناوين في مفتاح العلوم : إنها تهتم بأسماء العلوم ، وأسماء تفريعاتها على سبيل الوصف والتعريف ، وليس أكثر “أما في كتاب الفهرست ، فالطابع الموسوعي الرامي إلى ذكر المؤلفين والمؤلفات هو المسيطر ، وإذا صح أن عناوين الكتاب في الأصل كانت على نحو ما يلقانا في طبعاته الحديثة ، تأكد لنا هذا المنحى ، وعلى سبيل المثال ، فإن العنوان المتكرر لأجزاء الكتاب الداخلية ، ينص دائما على أنه (في أخبار العلماء المصنفين القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم ، وكذلك عناوين المقالات التي جاءت في أخبار هذا الفريق ، أو ذاك من العلماء ، وأسماء كتبهم ، أو أخبار العلماء ، وما صنفوه في أخبار … أو ما صنفوه من الكتب ؛ وترد أسماء العلماء والمؤلفين ، والترجمة لهم تباعاً ، وكأننا أمام كتاب من كتب التراجم)(34)

إن المرتكز الذي نعنى بإبرازه يتمثل في عناية ابن النديم بذكر الأسماء ، ثم دلالة المصطلحات لتعبيرها عن الوقائع أو فهم الوقائع ، وخلاصة القول في “الفهرست” أن عنايته كانت في ذكر التراجم والسير ، بمعنى أنها مرتبطة بالأشخاص وسيرهم ، وجهودهم العلمية . وقد تدل عبارة المؤلف في صدر كتابه على تقديم عناوين الكتب على أسماء مؤلفيها ، غير أن سياق العبارة سيوصل إلى عكس ذلك . يقول ” هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم ، الموجود منها بلغة العرب وقلمها ، في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها ، وطبقات مؤلفيها ، وأنسابهم ، وتاريخ مواليدهم ، ومبلغ أعمارهم ، وأوقات وفاتهم ، وأماكن بلدانهم ، ومناقبهم ومسالبهم منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة”(35) . وهكذا يبدو لنا أن العناية بـ “الإنسان” المبدع أو المؤلف والمنتج ، تسبق في الإدراك العربي أهمية منتجه العلمي ، فعلى سبيل المثال : ما أهمية أن يخبرنا في (أخبار الخليل بن أحمد) أنه أول من سمي في الإسلام بأحمد ، وأصله من الأزد من فراهيد ، وكان يونس يقول : فرهودي مثل أردوسي .. إلخ(36) .

وفي العنونة لكل مقالة ، يحرص على أن يبدأ العنوان بذكر الأشخاص (الإنسان) ، ثم الجوانب التي تميز هؤلاء الأشخاص عن غيرهم ، فتحت عنوان :

” الفن الثالث من المقالة الثالثة من كتاب الفهرست في أخبار العلماء وأسماء ما صنفوه من الكتب ، ويحتوي على أخبار الندماء والجلساء ، والأدباء ، والمغنين ، والصفادمة ، والصفاعنة ، والمضحكين ، وأسماء كتبهم“(37)

على أنه يستهل هذا الفن الثالث من المقالة الثالثة بالعنوان الذي يصوغه كالآتي:

“أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وابنه ، وأهله “

فهنا – فيما نتصور – يتصدر الاهتمام بالشخص وارتباطاته بالنسب قبل كل شيء، ثم يأتي الفن المميز له لاحقا.


غير أن (ابن النديم) يؤسس لمنهج آخر في تحديد الظواهر الثقافية ، والعلمية ، وهو ما سنجده – فيما بعد – مؤثراً في مؤلفات عدة سنشير إليها . ففي فقرة من المقالة الرابعة يضع عنوان : ” أسماء الشعراء الذين عمل أبو سعيد السكري أشعارهم ” . ومن ثم يكون محتوى هذه الفقرة ذكر أسماء شعراء مختلفين في العصر أو في الطريقة ، متوخياً ما يثق في روايته من أشعارهم ، فكأنما كان السكري يستأنف ما سبق إليه المفضل الضبي(المتوفى 168 هـ) ، والأصمعي (المتوفى 216هـ) .. وقد توفي السكري عام (275هـ) ، والجمع في طريقتهم هو الاكتفاء بنسبة الأشعار إلى راويتها ، والاستغناء بالقطعة (من عدة أبيات) دون حرص على إيراد النص كاملا – غير أنه يثق في نسبته إلى صاحبه . وهذا تأكيد للعناية بالعنصر الإنساني المنتج للثقافة عند العرب.

تبقى “العنونة” في “فهرست” ابن النديم ، حريصة على البدء بالإنسان ، سواء في حالة الرضا عن جهده ، أو الغضب ، أو حتى الرفض لهذا الجزء . هكذا نجد عناوين مثل: ” الحلاج ومذاهبه ، والحكايات عنه ، وأسماء كتبه ، وكتبه أصحابه”(38) . وكذلك “الشافعي وأصحابه”(39) ، و “الطبري وأصحابه”(40) ، وكذلك صنع مع الفلاسفة ، والعشاق ، حتى بلغ “أسماء العفاريت الذين دخلوا على سليمان بن داوود”(41) .

وفي ختام هذه الفقرة عن “الفهرست” لا نزعم أن ابن النديم التزم بهذا النهج ، لم يفارقه : نهج البدء بأسماء الأعلام ، والتعريف بهم ، وسلاسل مؤلفاتهم وتابعيهم .. إلخ. فمن الواضح أن الظاهرة الثقافية كانت أكثر فيضانا من أن تستخلص من أسماء ، أو يُكتفى فيها بذكر الأسماء ، ومن هنا نجد عناوين لموضوعات ذات أهمية واضحة مثل : “الكلام على مذهب الإسماعيلية”(42) ، أما فيما يتعلق بفلاسفة اليونان ، فقد ذكرهم بأسمائهم ، وأحصى كتبهم ، وحاول جلاء نظرياتهم أو مقولاتهم ، ونادراً ما يشير إلى وشائج تربط بينهم ، إلا أن يجد ذلك مسطوراً في المصادر التي يعتمد عليها .


* * *

سابعا : تأكيد الملمح التراثي في العنونة بالأسماء :

من حق التهانوي (محمد بن علي ابن القاضي الفاروقي الحنفي التهانوي – المتوفى 1191هـ = 1745 م ) أن يعد خاتمة الجهود التراثية في مجال رسم المسارات العلمية بفنونها المختلفة (العربية والمعربة) ، وتوثيقها بنسبتها إلى مؤلفيها ، مع تراتب درجات هؤلاء المؤلفين ، إذ تبدأ الظاهرة العلمية أو الفنية بذكر عنوانها ، ثم النص على اسم مبتدعها الأول ، الذي بشر بها ودعا إليها ، ثم تتعاقب الأسماء حسب التسلسل الزمني ، ودرجة الأهمية المستمدة من تعدد المؤلفات ، في هذا الفن المعين .

هذه خلاصة النهج العربي في العنونة ، عبر مسارات مختلفة ، اتخذ بعضها شكل التعدد في إطار الموسوعة ، مثلما أشرنا قبل إلى “الفهرست” ، وكما نرى الآن في “كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” وما بينهما ممن حذا حذو السابق على زمانه . وإذ يدل الإحصاء على أن “الكشاف” وقد عرّف بأكثر من ثلاثة آلاف مصطلح ، ونسبها إلى أصحابها أو تابعيها ، فإن عدد الأسماء (الأعلام) التي اعتمد عليها بلغ (868) عَلماً(43) ونلاحظ أن أسماء الأعلام التي أوردها لا تعكس مدى شهرتها أو حضورها التاريخي ، بما يعني أن التهانوي اعتمد على المؤلفات أولا ، وعلى المذاهب ثانيا ، فنجد ممن ذكر مرة واحدة : الطبراني ، الطبري ، العرجي ، عروة بن الزبير ، الفرزدق ، أبو الشيص ، أبو اليزيد البسطامي ، الحلاج ، أهرمن ، الواحدي ، ورقة بن نوفل .. إلخ . وممن ذكر مرتين : الرشيد الوطواط ، محمد بن الحنفية ، آدم أبو البشر ، الحجاج ، الجصاص ، واصل بن عطاء ، أبو بكر الصديق ، عمر بن الخطاب .. إلخ . ومن ذكر ثلاث مرات : معاوية . في حين ذكر أبو حنيفة (56) مرة ، والشافعي (58) مرة ، ومالك (13) مرة ، والرازي (37) مرة .. وهذا الإحصاء يعطي مؤشرا خاصا لتوجه الموسوعة ، واهتمامها بالمسارات المذهبية ، والعلمية ، والفلسفية أكثر من عنايتها بأحداث التاريخ التي كانت تبدو للمثقف العربي مجرد أعمال متواترة ، أو متعاقبة ، تفتقد العلية ، ولا تعود إلى مبدأ الفاعل ، أو نظام مؤثر ، قدر اعتمادها على الأشخاص ، ومن ثم كان ذكر اسم العلم ، الذي أسند إليه الحدث – مهما كانت أهمية هذا الحدث – لمرة واحدة ، كافيا حسب منهج كشاف اصطلاحات الفنون ، كما ارتآه التهانوي .

على أن مصطلحات الكشاف بالنسبة للعلوم المستجدة على العقل العربي – كما يذكر رفيق العجم ، المشرف على مراجعة طبعة مكتبة لبنان- كانت لها صورة في الثقافات السابقة (كاليونانية) ، فاتخذت منها مثالا يحتذى ، ثم بذلت جهود في الضبط والصياغة ، حتى استقر المصطلح على أسس السلوك اللغوي عند العرب ، ومن ثم يشيد بجهود ابن النديم السابق إلى نحت المصطلح المستحدث ، وتعريبه ، وقابلية بنيته للتحديث ، ويستعين (رفيق العجم) بتعريفات الجرجاني عن مفهوم الاصطلاح ، وأنه “عبارة عن اتفاق قومي على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن واضعه الأول”(44) .

إن “الاسم” في اللغة العربية هو الأكثر ثباتا ، والأتم دلالة ، وهو مستغنى عن “الفعل” – دون العكس – وهو المقدر دائما ، أو غالبا في مجال “العنونة” المختزلة ، والأسماء هي صانعة الحقل الدلالي ، وفيها القدرة على الإيحاء بخصوصية الأجيال والحضارات . ومن الصحيح ما ذكره كاتب المقدمة : “أن الأبحاث التي شغلت الأمم في عصور ازدهارها ، وانبثاق الكشوف العلمية لديها ، وتشعب تجربتها الفكرية والوجدانية، قد أغنت لغات هذه الأمم بالألفاظ ، والأسماء ، والمصطلحات ، فعبرت اللغة تلك عن المعاني ، وتحددت تلك المعاني بخاصية هذه اللغة من دون سواها ، وبحسب الأقوام الذين تناوبت الحضارة والعلم على أيديهم”(45) . ونلاحظ الربط بين الألفاظ والأسماء والمصطلحات ، فالاسم اصطلاح ، كما أنه عنوان للفرد ، وللجماعة التي ينتمي إليها ، والمصطلح عنوان لابتكار لم يكن موجوداً ، وبعد استعماله ، وشيوعه ، فإنه يستقر استقرار اسم العلم ، ويثبت حضوره الزمني والسياقي في مجال تعاقب الأجيال والعصور . ومن هنا تبرز أهمية “الأسماء” التي احتفى بها العرب ، احتفاءً ظاهرا منذ زمن جاهليتهم، وكان من مأثور عباراتهم ، أن الغريب الوافد ، إذا لجأ إلى قوم ، وطمح إلى حمايتهم ، كان أول ما يفعل أن “ينتسب” – أي أن يذكر اسمه وقبيلته – ومن ثم يستحق الرعاية والحماية(46) . على أننا يمكن أن نفيد من إشارة مهمة عن العلاقة بين اللفظ والمعنى في الأسماء ، فالمعنى لا يتحد باللفظ ، اتحاد الروح بالجسد ، وإنما يكشف المعنى عن ذاته في استعمال الكلمة . بما يعني أن معنى الكلمة يتغير تبعاً لتغير استعمالها . وهذا يضع أسماء الأعلام في مساحة ملتبسة ، فاسم العلم يستمد مضمونه/مكانته من علاقة المردد لهذا الاسم بصاحب الاسم ذاته . ومن ثم يكون اسم مثل “الحسين” له انطباعات ، واستجابات شتى عند المتلقين له ، إلى أن يحدد بذكر النسب ، فتختلف العلاقة ، ومثل هذا يمكن أن يقال عن شخصيات التاريخ المؤثرة . وهنا نذكر أن “تيمورلنك” (توفي 1405م)(47) الذي بذر الرعب في شعوب المشرق العربي ، حين أقبل عليه غازيا – يعني اسمه : تيمور = الحديد ، لنك = الأعرج – وهو عند قومه “تيمور شاه” أي الملك المعظم تيمور ، أما عند العرب ، وجيرانه الذين اغتصب بلادهم فهو : تيمورلنك = تيمور الأعرج ، ليس أكثر . وهذا يكشف لنا ما تعنيه الأسماء المتداولة في اللغات المختلفة ، وما يكتنفها من ألقاب التعظيم ، أو الإزراء !!

على أن اللغة – أية لغة – ليست مجرد وسيلة للتفكير ، وتناقل المعلومات – على جلالة هذه الوظيفة ، وأهميتها ، فإنها – اللغة – القالب الذي يتشكل فيه الفكر ، كما أن “لغة جماعة إنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها ، هي المنظم لتجربتها ، وهي بهذا تصنع عالمها ، وواقعها الاجتماعي .. إن كل لغة تحتوي على تصور خاص بهذا العالم”(48) .

إننا نتعقب مثل هذه الطروحات اللغوية ، لنؤكد على العلاقة العضوية بين الإعلاء من شأن الأسماء في الثقافة العربية ، وفي مقدمتها : أسماء الأعلام ، والقبائل ، والجماعات ، والطوائف …إلخ ، والنظام العربي الاجتماعي السائد عبر مراحل التاريخ القديم . وإذا كانت متغيرات العصر الحديث قد تركت أثراً في التكوين الاجتماعي ، فإن أصداء هذا التغيير ، مع أسباب أخرى أشير إليها فيما سبق (مثل : تراجع المشافهة ، والاعتماد على الصحافة ، واعتماد أسماء المواليد ، حسب نسق خاص …) قد تركت أثرها في درجة الاهتمام بذكر اسم المبدع/المنتج باكتنازه عناصر العنونة ، ومن ثم اختيار ألفاظ أخرى لتمييز هذا المنتج الأدبي أو العلمي أو الفكري ، وهذه العبارة المختارة ، قد توضع وصفاً – أو في موقع الوصف – لاسم العلم ، وقد تكون توطئة لذكره في صدر هذا المنتج الإبداعي الخاص .

ومما ينبغي ذكره في ختام هذا العرض الموجز لـ “كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ” أن التهانوي لم يتخذ من أسماء مؤلفي الكتب والرسائل رؤوسا للموضوعات التي طرحها ، وفي مقدمته أشار إلى التقسيم المعتمد عنده ، وهو تقسيم فرضته العلوم المدونة ، ما بين نظرية وعملية ، وتقسيم الصناعات .. إلخ . وكان التهانوي في هذا متسقاً مع هدفه العلمي ، ومع التجارب السابقة في هذا النمط من التأليف في التراث العربي . وما يعنينا – ونرجو أن نكون قد وفينا بذلك- أنه بعد هذا التقسيم الموضوعي ، اعتمد في طرح المذاهب والظواهر والطوائف ، والتعريف بالكتب والرسائل – على ذكر المؤلف أولاً ، أي : العناية بالإنسان – صانع هذا العلم ، أو مؤلف هذا الكتاب … إلخ . فهذا الإنسان هو الحقيقة الكبرى في إدارة هذا العالم ، وهو صانع الحضارة ، ومنتج العلم والأدب والفن ، وكل ما يجمل الحياة ، ويضيف إليها ، ويتطور بها . وبذلك استحق تلك الصدارة التي حرصت عليها “الرؤية العربية” للتعريف بأي شيء : أي “العنونة” الجامعة المختصرة لهذا الشيء .


* * *

ثامنا : هذا المنحى الفريد في العنونة بالأسماء :

للعربي الجاهلي من طبيعته الصحراوية المكشوفة ، نصيب معلوم في تحديد الأشياء ، والتفريق بينها ، بصفات بينة ، وتسميتها بأسمائها . وقد يسهم الكيان القبلي في تحبيذ توجهات معينة ، ولعلنا في هذا المجال نذكر من أخذ على العرب تسميتهم أبناءهم بأسماءٍ غير مستحبة ، كأسماء الحيوان (فهد ، وأسد ، ونمر ، وثعلب) أو الطبيعة القاسية مثل (جبل ، صخر ، وشمس ، ومطر) إلخ .. في حين أنهم – العرب- يطلقون على عبيدهم وخدمهم أسماء مستحبة مثل : (سرور ، وسعيد ، وجميلة ..إلخ) فكان الجواب : إننا نختار الأسماء المسعدة لأتباعنا ، لأنهم في خدمتنا ، ولمسرتنا . أما أولادنا فإننا نختار ما يشد أزرهم في ملاقاة أعدائهم !! وسواء وافقنا على هذا التعليل أم أنه يحتاج إلى شيء من التحفظ ، والاستقصاء ، فإنه – من وجه – يبين عن القيم السائدة ، وتأثيرها في اختيار الأسماء . أما تحدد مظاهر الطبيعة وقسوتها ، فكان – فيما نرى – أقوى حضوراً في تسمية العيوب الخِلقية (الجسدية) بأسمائها ، وإلصاقها كصفات بأسماء من أصابتهم هذه الآفة أو تلك من انحراف التكوين الجسدي أو نقصه .

لقد شاع هذا في الجاهلية ، في أسماء بعض الأعلام المشهورة ، ذات السيادة والصدارة المجتمعية ، ومع ذلك لم يتردد الرواة في ذكرها واستخدامها ، لأنها أصبحت (علامة) ، أو (سمة) مميزة ، تخدم الاسم ، وتفصله عن غيره ، ممن يتسمى به ، وقد شاعت هذه الطريقة في الوصف حتى لم يعد أحد – تقريبا – يشعر بغرابتها ، أو بإمكان تجنبها ، أو تبديلها ، على الأخص في ذلك الزمن القديم .

وقبل أن نتوسع في هذه المسألة ، نذكر أن السليقة العربية – بوجه عام – جرت على تسمية المناسبات والأماكن والأحداث المهمة بما يميزها ، فهناك حرب البسوس، وحرب الفجار ، ويوم بعاث ، ويوم بدر ، ويوم حنين ، وصلح الحديبية ، وحتى بيعة الرضوان تحت الشجرة المعروفة . وقد أخذ القرآن الكريم بهذا النهج السائد في تسمية بعض الأشخاص بإطلاق كنى وصفات مميزة ، بقصد الإعلاء من شأنهم ، أو الحط من أقدارهم ، فلدينا إبراهيم الخليل ، وموسى الكليم ، ويوسف الصديق ، وأبو لهب ، وامرأته حمالة الحطب ، وفي صدر الإسلام : عُرف الصديق ، والفاروق ، وذو النورين ، ومن الطريف أن القرآن الكريم استخدم في تعريف عبدالله ابن أم مكتوم ، وصفه المميز بالأعمى : ) عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ( ، وذلك لإبراز نقطة الضعف المسوغة لمزيد العناية بهذا الشخص ، ومع ذلك فإن الأحاديث النبوية نهت عن ذكر العيوب الجسدية ، مع التسليم بأنها مشاهدة وواقعية(49) .

في زمن الجاهلية (واستمر الأمر فيما بعده من عصور) شاعت صفات وكنى ، مثل: تأبط شرا (ثابت بن جابر – توفي 607م) ، والأعشى (أعشى قيس صاحب المعلقة(توفي 629 هـ) ، وفي العصر الأموي : أعشى همدان (الذي قتله الحجاج بن يوسف عام 83 هـ) ، وعمرو بن سعيد (الأشدق – قتل 70 هـ) . وكان بشار بن برد (توفي 168هـ) يحمل أربع علامات تميزه عن غيره : فهو بشار بن برد ، وهو بشار الأعمى ، وهو المرعث ، وهو المشنف ، وكلها تنبئ عن الشخص نفسه ، وكذلك “الجاحظ” ، وهو وصف لصورة عينيه . كما فرق العرب بين الشفه العليا المشقوقة (مثل الأرنب) ، فأطلقوا على صاحبها (الأعلم) ، وهنا نتذكر (الأعلم الشنتمري – توفي 467هـ ) . إما إذا كان مشوق الشفه السفلى فهو (الأشرم) . وهنا نتذكر (أبرهة الأشرم الحبشي– توفي 570م – عام ولادة الرسول عليه السلام ) وهو الذي تجرأ على الكعبة . وكما مُيز بشار بعماه ، ففي الأندلس نجد (الأعمى التطيلي – توفي 513هـ تقريبا) . أما أبو العلاء فيلسوف المعرة ( توفي 449هـ) ، الذي وصف نفسه بأنه : “مستطيع بغيره”، وبأنه : “رهين المحبسين” ، فإن إجلال شخصه ، برأه من صفة فقد البصر ، فلم ينتشر وصفه بالأعمى ، على كثرة خصومه ، وشيوع اتهامه في عقيدته(50) .

هذه إذن حالة خاصة بالعرب ، في جاهليتهم ، كما فيما ورثوه عن هذه الجاهلية من الطبائع ، وأساليب الكلام ، والرغبة في اختصاره ، وتحديده ، بحيث يصل إلى حد (الأيقونة) ، أو العلامة المميزة الفارقة ، التي لا يمكن أن يخلط السامع ، أو القارئ بين صاحبها ، وغيره من البشر . هكذا نتعرف على أبرهة الأشرم ، وعزة الميلاء ( وهي احدى القيان (الجواري المغنيات) ذوات الشهرة في العصر الأموي – توفيت 115هـ) ، والمنخل اليشكري (عمرو بن مسعود اليشكري ، وهو بحار وشاعر – توفي 607م)(51)، وعبد بني الحسحاس(52) ، وابن الطقطقي (توفي 709هـ) ، والطغرائي (توفي 513هـ) ، واللجلاج الحارثي (طفيل بن زيد بن عبد يغوث بن الحارث: شاعر جاهلي يماني– تاريخ وفاته مجهول) ، وطلحة الطلحات (وكان أحد ثلاثة أجواد في البصرة تذكر أسماؤهم في زمانهم) ، وأبو الشمقمق (توفي 200هـ) ، وأم الحليس ، وأبو نواس (توفي 199هـ) ، وأبو الدرداء (توفي32هـ) ، وسلم الخاسر(توفي 186هـ) ، وكراع النمل (وهو علي بن الحسن الدوسي ، وسمي بكراع النمل لدمامته وقصره – توفي 316 هـ تقريبا) ، والوطواط (رشيد الدين الوطواط – توفي 573هـ) ، والوأواء الدمشقي ( توفي 551هـ على الأرجح) .

هذه أسماءٌ ، وصفاتٌ ، وكُنى ، شاعت في أزمنة عربية متطاولة ، ما بين الجاهلية والعصور الوسطى الإسلامية ، وتداولها الناس في صورتها دون حرج ، مع ما يمكن أن تحمل من صفات النقص الجسدي ، أو النطقي ، أو النفسي . لقد اكتسبت حق وجودها بالتداول على امتداد زمن المشافهة ، وتأكد حضورها وأحقيتها في التدليل على أصحابها دون تغيير في طبائعهم ، أو صفاتهم حين أهل عصر الكتابة ، ولنا هنا ملاحظتان بعد هذا العرض العام ، الذي اخترنا فيه أشهر تلك الأسماء والصفات والكنى الغريبة ، وسجلناها كما تداولها الناس ، وكما كتبت في المصادر الأولى ، واستمرت إلى زمن الطباعة – وإلى زماننا هذا :

الملاحظة الأولى : أن هذه (الأسماء) السابقة ، يغلب عليها طابع رصد العيوب الظاهرة في الوجه أو في البدن عامة ، أو في النطق . ولسنا ندري : هل كان هذا الاستخدام يبلغ أذن الشخص المعني به ، أم أنه كان يتداول بعيداً عن إدراكه الخاص ، أو سماعه . ويغلب على ظننا أنه كان يعرف ما أطلق عليه بين نظرائه ، وأنه حتى وإن ضاق صدره بالإشارة إلى ما هو سلبي في شخصيته ، فإنه لم يكن يملك تغييره ، بل لعله وجد فيه باباً من أبواب التميز والشهرة . وهناك (أسماء) مستحبة ، تحمل معنى الفضيلة ، أو القوة والشجاعة ، مثل : ملاعب الأسنة ، والمنخل ، وأبي نواس (واسمه الحسن بن هانئ ، وإنما غلبت عليه هذه الكنية بسبب تلك الضفيرة التي جدلتها له أمه وهو صبي ، فكانت تنوس = تتحرك ذهابا وجيئة خلف ظهره) .

الملاحظة الثانية : أن هذا الميراث الغريب ، الذي لا نظن أننا نجد له شبيهاً في أية حضارة غير الحضارة العربية وتراثها ، في اتساعه خاصة ، حتى يبلغ مبلغ الظاهرة ، والصيغة المتداولة دون حرج .. هذا الميراث الذي بدأ شفاهيا ما لبث أن فرض وجوده على عصر الكتابة ، وبذلك استقر وتأبد.


* * *

تاسعا : الجاحظ يؤسس للتأليف عن الظاهرة :

أبو عثمان ، عمرو بن بحر الجاحظ (159 – 255هـ) ، وقد لحقه نصيب من هذه الظاهرة الخاصة في إطلاق الكُنى ، والصفات ، وتثبيتها ، بحيث تتحول – مع شيوع الاستخدام واستمراره – إلى أسماء ، أيقونات(53) خاصة بأصحابها ، فقد أوشك اسمه أن يختفي بتصدر “أيقونته” – أو وصفه الشائع – (الجاحظ) ، وإن كنا لا ندري – بدرجة اليقين – أنه سمع هذا الوصف البديل لاسمه ، أم ظل يذكر في حضوره بكنيته (أبو عثمان) أو باسمه (عمرو بن بحر)؟! . مهما يكن من أمر فإن هذا (الجاحظ) كان يملك من شجاعة الرأي وصفاء الرؤية ما جعله يتقبل الواقع (بما فيه الواقع اللغوي ، والواقع الاجتماعي) كما هو ، ونجد أمثلة متعددة في تقبله للألفاظ الشائنة ، كما في كتاب “الحيوان” . فبعد أن ذكر بعض المفردات المستقبحة ، رأى أنه لا يجد عيبا في تداولها ، بدعوى أنها وجدت ، وأنها ما وجدت إلا لتستخدم(54) . وفي هذا السياق فإن الجاحظ هو مؤلف كتاب : “البخلاء” ، ومع كراهية صفة البخل ، فقد صرح فيه بأسماء حقيقية ، وأخرى اخترعها ، ليكسب كتابه طابعه الفني النادر . كما سبقت الإشارة إلى عدد من “رسائله” التي حملت عناوينها عبارات مستكرهة ، أو مستقبحة . غير أن الجاحظ هو المفكر والأديب الذي يستطيع أن ينقلك إلى واقع زمانه ، أو ينقل واقع زمانه إليك دون حرج!!

أما كتابه الذي نعنيه ، فهو بعنوان :”كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان”، وقد حققه عبد السلام هارون(55) ، والجاحظ – في ملاحظة متكررة بالنسبة إليه – قد لا يكون البادئ بطرح الظاهرة (ظاهرة ذكر العيوب كعلامات أو سمات)، غير أنه حين يعرض لها ، فإنه يوفيها حقها من كافة جهاته ، فلا يكاد يترك مزيداً لمستزيد . وهو في توجهه لأصحاب النقائص البدنية المذكورة ، مسبوق بمن ذكره في مقدمته : “الهيثم بن عدي” على أنه لم يتحرج أن يذكر نواقص ، وقصور هذه المحاولة المبكرة .

والجاحظ في محاولته هذه يعرف الفرق بين الاسم والصفة ، كما نعرفه الآن ، “فالاسم” : ما يدل على الذات ، وهو غير قابل للتغير ، سواء في البشر أو في سائر المخلوقات . أما “الصفة” : فإنها معنى قائم بالذات ، زائد عليها ، وهذه الصفة قابلة للتغير بإحلال صفة أخرى ، أو بإضافة ، وربما انتقلت الصفة إلى نقيضها ، وهذه أمور معهودة نلحظها في التداول العام لأسماء الأشخاص والأشياء ، وصفاتهم .

والجاحظ في عنايته بمن نطلق عليهم الآن : (ذوي الاحتياجات الخاصة) نظراً لقصور قدراتهم ، يدرك في ذلك الزمن المبكر ، أن أصحاب هذه العاهات يملكون من التعويض ، ما يغطي على هذا العجز الذي يعانونه قسراً ، بل إن الجاحظ – بصرف النظر مؤقتا عن حصر العاهات التي عرض لها – عُني في مقدمة دراسته بأمرين :

الأول : معرفته بطبيعة النفس العربية ، وغلبة روح التحدي ، ورغبة التخطي لما يمكن أن يعد من المناقص ، بل إن هذه النفس العربية لا تتردد في أن تعلن عن هذا النقص (وليس أن تحاول إخفاءه أو مواراته) ، وأن تبرره وتعتذر عنه ، وربما لج بها العناد ، فراحت تفاخر به ، وتقلبه من المساوئ إلى المحاسن، ومن العجز إلى القوة والتفرد . وسنجد لهذا أمثلة عديدة من الأشعار والأقوال السائرة .

الثاني : أن الجاحظ بخبرته الواسعة بطبائع الحيوان (الذي ألف فيه موسوعة ضخمة باسم كتاب “الحيوان” – مع الوضع في الاعتبار تأثره بما كتب أرسطو عن الحيوان(56)) قد عُني في كتابه الذي نحن بصدده ، بتلك العلل التي يصاب بها الحيوان ، كما يصاب بها الإنسان ، مثل : العرج ، والحول ، والبرص .. إلخ .

وهنا ينبغي أن نكشف عما يمثله الاهتمام (العلمي) بالعيوب الجسدية التي تعرض للإنسان ، وأهمية هذا لما تميز به (العنوان في التراث العربي) من حيث اهتمامه بالإنسان ، فقد رأينا صوراً مختلفة ، ما بين الجاهلية (الشفاهية) ومقاربة زماننا (عصر التدوين ، ثم يليه عصر المطبعة) من التعامل مع أسماء الأعلام في اتخاذها عناوين ، أو علامات تحدد شخص المنتج/المبدع ، ثم تعرف بإنتاجه . وما يعنيه هذا من إعلاء الشعور بالإنسان ، بالشخص في ذاته ، بالمبدع الذي هو المفتاح ، والمدخل الطبيعي لما أبدع ، وإدراكه لاتجاهه : فاسم المبدع ، كما يعبر نقديا الآن : (عتبة) ، كما أن عنوان العمل عتبة أخرى ، وقد تفضل إحدى العتبات على غيرها من منظور إدراك المتلقي ، وما عساه أن يفتقده فيما يحاول أن يدركه من أبواب المعرفة . إن أصحاب النواقص من العميان والعوران والعرجان والبرصان وغيرهم ، ممن ذكرهم الجاحظ وغيره ، من المؤكد أن مشاهيرهم من أصحاب التميز في الصناعة ، قد ذكروا ضمناً في سياق التعريف بالفنون التي أتقنوها ، فلعله لم تكن هناك ضرورة لاختصاصهم بالتأليف في الموضوع المعين ، الخاص ، الذي يبدو وكأنه نوع من التشهير . غير أن التمعن في الأسماء المذكورة بعيوبها (الشديدة القادحة أحيانا) يعيد أمر هذا الاهتمام إلى نصابه ، فليس التشهير قصداً ، ولا مجرد إبراز الظاهرة في ذاتها ، وإنما القصد ما كشفنا عن جانب منه في مقدمة هذه الفقرة ، وهو اعتزاز العربي بذاته ، وبالمعنى الأصيل لشخصه المتجسد في النسب ، والصفات المعنوية ، والخلق ، والقدرة على الإبداع ، بما يطغى على هذا النقص العضوي ، الذي يغالب العربي (البدوي غالبا) طبيعته ، بأن يجعله موضعا للفخر ، ونضيف إلى هذا العامل النفسي التراثي ، عاملاً (حضاريا) آخر ، وهو أنه بإفراد هذه الشخصيات المصابة في أبدانها ، بدراسات تحاول أن تكون حصرية ، أو مستوعبة للأكثر والأهم ، ليس أن تقدم لنا صورة عن انتشار الآفات الجسدية في مجتمعات صحراوية ، تقل فيها أسباب الأخذ بالمبادئ العلمية ، والرعاية الصحية ، وإنما أن تؤكد لنا أنه على الرغم من هذه المعوقات المعلنة ، فإن هذه الشخصيات شغلت مواقع السيادة ، والقيادة ، والريادة في مجتمعاتها ، على مستوى القبيلة ، والمهنة ، والدولة في أحيان ليست قليلة.(57)

وقبل أن نستطرد إلى تقديم نماذج للإبداع في هذه الاتجاهات ، نشير إلى ما ذكره الجاحظ عن سبق عنترة إلى اتخاذ صورة (الأجذم) لهدف جمالي ، غير مسبوق ، وغير ملحوق ، لأنها صورة يتيمة فريدة ، تفضح من يسرقها ، وهي قوله في وصف الروضة، وطنين الذباب بها(58) :

فترى الذباب بها يغني وحده = هزجاً كفعل الشارب المتــرنمِ
غرداً يحك ذراعــه بذراعـــه = فعل المكـب على الزنادِ الأجذمِ

بل يشير إلى حرص بشار بن برد (الأعمى) على أن يعلل لذكاء الطفل الذي يولد أعمى ، وذلك في قوله:

وجدكَ أهدى من بصيرٍ وأجولا
إِذَا وُلِــدَ المَولود أعمى وجَـدْتَه
فجئتُ عجيبَ الظن للعِلم مَعْقِلا
عمِيتُ جَنِينا والذكاءُ من العَمَــى
بقلْبٍ إِذا مَا ضَيَّعَ النَّاسُ حَصَّلا
وغَاضَ ضياءُ العينِ للقلب فاغْتَدَى
بقَوْلٍ إِذَا ما أَحْزنَ الشِّعْرُ أَسْهَلاَ
وشعر كنور الروضِ لاءمتُ بينـهُ

ولكي يبرهن الجاحظ على أن قوة النفس الإنسانية وعظمتها ، لا ترتبط بكمالها العضوي ، ولا بجمالها الخِلْقي ، بقدر ما تعود إلى الإرادة ، ونماء الشخصية ، يقدم أمثلة (عملية) بمن يطلق عليهم : العرج الأشراف ، وفي مقدمتهم : أبو طالب ، معاذ بن جبل ، عبدالله بن جدعان ، الجموح الأنصاري ، عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ويقول الجاحظ في عبارة جامعة : “والعرج الأشراف – أبقاك الله – كثير ، والعُمي الأشراف أكثر” ، كما يشير الجاحظ إلى : الحارث الأعرج الغساني الذي مدحه (النابغة الذبياني) فقال :

هذا غلام حسنٌ وجهه / مستقبل الخير سريع التمام

وإلى الحسن حفيد الإمام الحسن – رضي الله عنهما – ويذكر من الأشراف العرجان : قيس بن عاصم أحد بني مالك ، ومثله : الحارث بن شريك الشيباني ، ومن العرجان الأشراف أيضا : أبو الأسود الدؤلي ، والأحوص الأنصاري الشاعر ، ويونس بن حبيب النحوي .. إلخ . فلا يكاد الجاحظ يترك قبيلة أو صناعة إلا ويذكر مشاهير العرجان ، الذين تسيدوها ، أو برعوا فيها .

ولا تبرأ محاولة الجاحظ من نزعة المداعبة والاستطراف ، فيذكر من بين العرجان: عمران بن مره ، كما يذكر أنه كان بطلا ، وأنه الذي أسر الأقرع بن حابس ، وهو أعرج كذلك ، فكان الآسر والمأسور من طائفة العرجان!!

ويذكر الجاحظ- من سيكولوجية الأعرج – أنه يحاول أن يتغلب على ضعف منظره قدر المستطاع ، وإلا بحث عن وجه من القوة ، يتحول بالنقيصة إلى مفخرة ، فمن حيل العرجان : أنهم كانوا يفضلون قتال الفروسية ، فالأعرج يختفي عرجه ، لمجرد اعتلائه فرسه ، فإذا كان مقاتلا كفؤاً لم يؤثر عرجه في قدرته القتالية . وقد يصف أعمالا قتالية نادرة ، اقترنت بالعرج ، إذ يذكر حاتم بن عتاب بن قيس بن قشير ، وهو الذي كان ينشد رجله وهو يقاتل ، فسمي ناشد رجله ، وهو الذي كان يحجل يوم اليرموك على الأخرى ، ويقاتل الروم ، وذهب إلى قدر زيت تغلي ، فأدخل رجله فيها لتكويها ، ويقطع عنها النزف !! ويحكي عن : حكيم بن جبلة ، من عبد القيس ، أنه قطعت رجله بفخذها ، فتناولها فرمى بها قاطع رجله ، فكبده بها ، فسقط ، فزحف إليه حتى ذبحه ، ثم استرخى من النزف ، فاتكأ على قتيله وهو قاطع رجله ، فمر به رجلٌ فقال : من بك ؟ قال : وسادي !! وما إلى ذلك من عجائب ونوادر !!

ولا يختلف ذكر البرصان عن ذكر العرجان إلا في الأسماء ، فممن أصيب بالبرص من هم سادة ، ومن هم فرسان ، وأشراف ، بل وملوك ، وهناك من فخر بالبرص كذلك . يذكر من البرصان السادة ، والفرسان القادة : الربيع بن زياد وهو أحد الكملة ، وكان قائد عبس ، وعبدالله بن غطفان في حرب داحس . كما يُذكّر بالملك جذيمة الأبرش (الأبرص) ، ويرصد الجاحظ – في تدقيق نادر – كيف يتلطف العربي في ذكر الصفة ، تبعاً لموقع الموصوف ، فقد كان جذيمة بن مالك (صاحب الزباء وقصير) يقال له : جذيمة الأبرص ، فلما ملك قالوا على وجه الكناية : جذيمة الأبرش ، فلما عظم شأنه قالوا : جذيمة الوضاح .(59)

ومن البرصان كذلك : شمر بن ذي الجوشن الضبابي قاتل الإمام الحسين ، وعلي بن جبلة (العَكَوْك) وذكر في العميان كذلك(60) . ويذكر الجاحظ في “قائمة” البرصان أسماء شهيرة مثل : أيمن بن خريم (وهو تابعي وشاعر وراوية للحديث النبوي) ، وبشر بن المعتمر (صاحب الصحيفة الشهيرة في صناعة الكلام التي أوردها الجاحظ في البيان والتبيين) .

ويمكن أن ننهي هذه الفقرة ، وننهي هذا العرض عن ذوي العاهات ، ممن عرض لهم الجاحظ بذكر : جعفر بن دينار – من البرصان – وقد اصطنعه المأمون ، فقاد الجيوش ، وفتح الفتوح ، وولى الولايات . بل يذكر أن علويه المغني كان أبرص كذلك ، كما يصف مهارته في الضرب على الآلات ، وبخاصة آلة العود التي كان يجيدها بكلتا يديه .

نكتفي بما ذكر الجاحظ عن ( البرصان والعرجان ) عن سائر من أحصاهم في كتابه هذا ، فليس القصد أن نقف على مادته ، بقدر ما أن نستخرج منهجه ودوافعه ، وما ترتب عليه من ذكر أثره في العنونة بالأسماء ، وهو موضوع هذه الدراسة في الأساس .


* * *

عاشرا : هذه الإضافة الأخيرة عن العنونة بالأسماء في التراث العربي :


ونعني بها ما أضافه خليل بن أيبك الصفدي (صلاح الدين : 696هـ – 764هـ)، فلعله الوحيد الذي تأثر بتجربة الجاحظ في هذا المجال ، وإن أغفل الإشارة إليه في من ذكرهم في مقدمته لكتابه :”نَكْت الهميان في نُكَت العُميان”(61) . وفي هذه المقدمة أشار إلى ما سبق إليه (ابن قتيبة – توفي 276هـ) في كتابه ” المعارف” ، وقد ضمنه فصلا عن المكافيف ، ثم(أحمد بن علي بن بابه – توفي510 هـ) في كتابه “رأس مال النديم” ، ومن بعده (ابن الجوزي – توفي 597هـ) وقد يدل كتاب الصفدي على الاتجاه العام في الاختصاص بذكر طائفة محددة من ذوي العاهات الجسدية ، وهو اتجاه يبدأ بمقدمات لغوية وتاريخية ، ثم يفيض في ذكر النوادر والطرائف المقبولة والمرذولة على السواء.


وكذلك في كتاب الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك) في كتابه الآخر : “الشعور بالعور” ، فقد ترجم لمن أصابتهم هذه النقيصة ، وبخاصة كبار المشاهير من الشعراء والقادة ، وزعماء القبائل ، فكأنما أفاد من تلك الأسماء التي تقدم بها الجاحظ ، وأضاف إليها المشاهير ، الذين ذكرهم التاريخ العام ، والتاريخ الأدبي ، أو رويت عنهم الطرائف والغرائب ، ما بين زمن الجاحظ (القرن الثالث الهجري) إلى زمان الصفدي (القرن الثامن الهجري) .


يمكن أن نقرر في ختام هذه الفقرة أننا قصدنا فيها إلى إبراز أهمية الاسم ، وخصوصية الوصف في مجال اتخاذه عنواناً لكتاب ، أو لرسالة ، أو لمبحث ، أو لمسألة، أو لترجمة خاصة لصاحبها ، بما يكشف عن اتجاه عقلي ، حضاري ، يكتنزه الضمير العربي ، إذ يعد الإنسان – ( بما هو إنسان) – بمثابة المفتاح ، أو كلمة السر التي ينبغي أن تكون مدخلا للإدراك في أي مسألة مثيرة للفكر ، أو للخيال ، أو للبحث العلمي على السواء . وقد عنينا – في ختام هذه الدراسة ، على إيجازها – بأصحاب القدرات الخاصة (العاهات) ، بما يكشف عن هذه القدرات الخاصة ، ويؤكدها في شخصياتهم وسلوكياتهم ، ومناحي تفكيرهم ، وإبداعاتهم على تنوعها . على أن ملاحظتنا الأخيرة على ما أضافه (خليل بن أيبك الصفدي) ، وما سبق أن أشار إليه من كتابات : ابن قتيبة ، وابن الجوزي، وابن بابه ، قد غلب عليه طابع الاستطراف والغرابة ، والميل إلى الإدهاش والإثارة ، وهذا يخرج عن طبيعة هذه الدراسة ، ويمكن أن يعود إليه من يرغب فيه ، ولهذا السبب عددنا الجاحظ صاحب البداية ، وواضع الأسس النفسية والفكرية ، الذي أوحى بالمعنى الفلسفي لاستخدام صفات النقص دليلاً على الكمال ، وتأكيداً لطابع الشخصية العربية في استوائها ، كما في مناقصها ، إذ تغالب هذه المناقص حتى تتغلب عليها ، وقد تتفاخر بها ، أو تحسن تعليلها ، كما بينا في مكانه .





* الهوامش :

اهتمت دراسات نقدية فرنسية ، وإنجليزية ، وأمريكية (بصفة خاصة) بالسيميولوجيا – أو السيميوطيقا ، كما يؤثرها المؤلفون الفرنسيون خاصة ، والسيميوطيقا كما يؤثرها الباحثون الأمريكان ، وفي هذا السياق تطرح قضية العنونة ، وصلة العنوان بالمدونة ، كما تذكر أسماء : رولان بارت ، وبيرس ، ودو سوسير ، وجان كوهان ، وجان جينيت ، وجريماس .. وغيرهم .

يراجع في ذلك : دراسة بعنوان : “السيميوطيقا والعنونة” للدكتور جميل حمداوي – عالم الفكر (الكويتية) – يناير/مارس (1997) – ص79 – 112.

في دراسة الدكتور محمد فكري الجزار ، بعنوان : “العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي” – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1998 ، في النصف الثاني من دراسته يتجه إلى مقالات ، ودراسات ، ودواوين شعر ، وروايات حديثة . تنظر الصفحات 48 ، 49 ، 69 ، 72 ، 82 ، 115 ، 121 ، وغيرها . وفيها عرض لمقال صحفي ، وختم تنويعاته تطبيقياً برواية : (صاحبة البيت) ، للدكتور لطيفة الزيات ، ورواية (ذات) لصنع الله إبراهيم

وفي دراسة الدكتور بسام قطوس بعنوان : “سيمياء العنوان” – بسام موسى قطوس – الناشر : مكتبة كتانة ، إربد – 2001 ، يختار عدداً من عناوين الدواوين ، مثل: (حليب أسود) للمتوكل طه – ص54 ، و (شيء كالظل) للشاعر عفيفي مطر ، كما يتوقف عند (لافتات) أحمد مطر- ص83 ، وبعض عناوين قصائد معين بسيسو ، وسميح القاسم ، ومحمود درويش .

“معجم لسان العرب” لابن منظور المصري ، مادة ( ع ن ن ) .

Gerard, Genette,(1987).Paratexts: Thresholds of Interpretation. Cambridge: Cambridge University Press . P76

وترجمة عبارة جينيت : العنوان مجموعة من العلامات اللغوية التي تتصدر كتابا أو نصا مطبوعا أو عملا فنيا ، وهو بمثابة اسم لهذا العمل ، ووظيفته أن يعرف بالعمل أو يوصل ملخصا بمضمونه أو يثير فضول الجمهور المستهدف ، ويجتذبه للإطلاع عليه . ولا يشترط تحقق الوظائف الثلاث في آن واحد ، بل إن الوظيفة الأولى بمثابة الوظيفة الأساسية التي لابد للعنوان أن يؤديها ، أما الوظيفتان الأخريان فإنهما اختياريتان و مكملتان للوظيفة الأولى.

مقدمة “تاريخ ابن خلدون” – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – طبعة أولى – 1981 .

انظر : مقدمة ابن خلدون – ص731 – 733 .

اقرأ عن التراجع عن المدنية ، واعتناق أحلام القوى والبداوة (المقدمة) ص542 ، 544 .

ينظر : مقدمة ابن خلدون – ص545 .

مقدمة ابن خلدون – ص550 .

مقدمة ابن خلدون – ص575 وما بعدها . وفي هذا المكان يعرض لعدد من المؤلفات التراثية المهمة ، وكيف تراتبت مسائلها على ما تقدمها .

مقدمة ابن خلدون – ص757 .

مقدمة ابن خلدون – ص764 .

العنوان في الأدب العربي : النشأة والتطور – الدكتور محمد عويس – مكتبة الأنجلو المصرية – طبعة أولى – 1988 – ص48 .

المرجع السابق نفسه .
ينظر المرجع السابق – ص89 . أما نص السيوطي فمن كتابه “الإتقان في علوم القرآن” – ج1 – ص161 .
المرجع السابق – ص180 .
المرجع السابق نفسه .

لم نصادف – على كثرة ما قرأنا – أن مؤلفاً في موضوع ما ، يختم دراسته بالنص على العناوين التفصيلية لكتاب أعجبه في الموضوع نفسه ، غير أن المألوف أن يشار إلى هذا الكتاب موضع الإعجاب ، وأن تفرز مسائله ، وتناقش القضايا التي تستحق النقاش فيه ، وفي هذا من الإشادة والصدق والدقة العلمية ما يكفي .

هذه القصيدة للشاعر الجاهلي الإسلامي “أبو ذؤيب الهذلي” وهي تتصدر ديوان الهذليين – تحقيق : أحمد الزين – ثلاثة أجزاء في مجلد – مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة – 1995 – ص1 .

انظر : ديوان عامر بن الطفيل – تحقيق : تشارلز لايل – دار الكتب والوثائق القومية – القاهرة – 2009 – ص3 .

هذا البيت في مطلع قصيدة رثاء من 83 بيتا ، في رثاء أبي إسحاق إبراهيم ابن هلال الصابي – ينظر نص القصيدة في ديوان “الشريف الرضي” – الجزء الأول – الناشر – مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت – د .ت – ص 294 .

القصيدة في أحد عشر بيتا ، ينظر : ديوان ابن مطروح – تحقيق : الدكتور حسين نصار – دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة – 2004 – ص48 .

عن ابن سلام ، ينظر ما كتب صاحب هذه الدراسة عنه في كتابه :”مقدمة في النقد الأدبي” – دار البحوث العلمية – الكويت – 1975 – الطبعة الأولى – ص506 – 537 .

عن ابن قتيبة ، ينظر : المرجع السابق – ص538 – 563 .

كتب الجاحظ العدد من الرسائل (المقالات) مختلفة العناوين ، حققها العلامة عبد السلام هارون ، ومن أهمها:

رسالة التربيع والتدوير – الحنين إلى الأوطان – الجد والهزل – فصل ما بين العداوة والحسد – صناعة القواد (القادة) – مفاخرة الجواري والغلمان – فخر السودان على البيضان – القيان .. إلخ .

إخوان الصفا وخلان الوفا – وهي مقسمة في أربعة أقسام ، أو مستويات معرفية: الرسائل الرياضية – والرسائل النفسانية العقلية – والرسائل الجسمانية الطبيعية – والرسائل الناموسية الإلهية ، وتحت كل نوع مجموعة من الرسائل القصيرة تشرح جوهر الفكرة ، وتقدم البراهين العقلية على صوابها .

ينظر : “العنوان في الأدب العربي :النشأة والتطور” – مرجع سابق – ص273 وما يعدها .

المرجع السابق – ص 276 ، 278 ، 282 ، 284 ، 287 ، 289 ، 290 ، 294 ، وانظر خلاصة الرأي ص302 .

المرجع السابق – ص180 ، والمصدر المذكور بهامشه .

ديوان عائشة تيمور – طبعة مصر – 1886 .

ديوان البارودي – المجلد الأول – تحقيق علي الجارم ومحمد شفيق معروف – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1992 .

وفي كتاب(الكامل في التاريخ) يتأكد الحرص على ذكر الأسماء ، حتى أسماء من تولوا إمارة الحج في الموسم ، مع وجود أحداث كبرى لم يهتم مسجل التاريخ بأن يتعقب مسارها ، وآثارها . وبالنسبة لموسم الحج ، فقد دأب المصدر المذكور على تسجيل من أوكلت إليه الخلافة رياسة موسم الحج ، وقد تذكر هجوم الأعراب ، وانتهابهم لموكب التشريفة التي تبعث بها مصر إلى الكعبة كل عام ، وخطف نساء القافلة ، وقتل رجالها . يذكر هذا دون تعليق .

راجع ما كتبناه في كتاب (منافذ إلى الماضي المستمر) – الدراسة الثالثة بعنوان :

“الإبداع في مجتمع حر” – ص41 وما بعدها . وانظر بخاصة ما ذكر في صفحة51 -53 .

يرى البعض أن التهانوي توفي سنة إتمامه كتابه “كشاف اصطلاحات الفنون” أي عام 1158 ، ويقرر بعض من أرخوا له أنه وجد توقيع التهانوي على وثائق وفتاوى بتاريخ 1191 .
انظر : تعريف الدكتور عبد الحكيم راضي بكتاب “الفهرست” لابن النديم – مقدمة الجزء الأول – من طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 2006 .
ينظر “الفهرست” لابن النديم – ج1 – تحقيق : محمد عوني عبد الرؤوف ، إيمان السعيد جلال – ص2 .
المصدر السابق – ص42 .
المصدر السابق – ص140 .
هذا العنوان في المصدر السابق – ص190 .
المصدر السابق – ص209 .
المصدر السابق – ص234 .
المصدر السابق – ص309 .
المصدر السابق – ص186 .

هذا حسب إحصائنا ، اعتمدنا فيه على فهرس الفرق الأعلام والقبائل ، فضلا عن عدد غير قليل ذكر فيه أسماء أعلام غير منسوبة .

تعريف الدكتور رفيق العجم في مقدمة الكشاف ، وكتاب التعريفات للجرجاني ، ينظر الهامش – ص xx .

ينظر : المقدمة السابقة – ص vill .

يتوسع محرر المقدمة في هذه النقطة ، فيذكر أن مصطلحات الكشاف ، وضعت القارئ أمام ألفاظ وأسماء لم تقتصر على الوصف ، إنما اصطنعت ألفاظاً جديدة بألعاب في اللغة ، عن طريق التفعيلات تارة ، وعن طريق الخروج عن العادة تارة أخرى – المقدمة السابقة – ص xvll .

تيمورلنك : قائد أوزبكي ، مؤسس العائلة التيمورية الحاكمة ، حاول غزو الشرق العربي ، ووصل إلى بلاد الشام .

المقدمة السابقة – رقم xxiv. وينسب هذا القول إلى الألماني يوهان جوتفريدهردر (توفي 1803م) . ينظر الهامش التوثيقي في ذات الصفحة .

جاء في الحديث الشريف ، فيما أورده مسلم في صحيحه : حدثنايحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال : ذكرك أخاك بما يكره. قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول . قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته ” صدق رسول الله .

بمناسبة مرور ألف عام على مولد شيخ المعرة ، صدر كتاب بإشراف الدكتور طه حسين ، جمع أهم البحوث التي كتبت قديما عن أبي العلاء وأدبه ، وهذا الكتاب بعنوان : “تعريف القدماء بأبي العلاء” – الدار القومية للطباعة والنشر – 1965 ، عن نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية – 1944 ، وقد تصفحت هذا الكتاب المستوعب ، فنادراً ما وجدت اهتماماً بخصوصية طاقته التصويرية في (رسالة الغفران) ، أو قدرته الشعرية في ديوانيه ، قدر ما وجدت من الاهتمام (بالتفتيش) في عقيدته ، وهل مات أبو العلاء مؤمناً أم ملحداً متشككاً ؟! وهذا أمر مؤسف ، ومحبط بالنسبة لتاريخ الفكر العربي .

المنخل اليشكري : شاعر مقل ، ولكنه يجيد تنخل الكلام ، أم تنقيته ، وتدقيقه ، وله قطعة من عدة أبيات (في أثناء قصيدة) واسعة التداول في أغراض الوصف والغزل في العصر الجاهلي ، وهذا نصها :

وَلَقَدْ دَخَلـْتُ عَلَـى الفَتـَــــا / ةِ الخِـــــدْرَ فِي الْيـَوْمِ الْمَطِيـرِ
الْكَــاعِـــبِ الْحَسْنَــــاءِ تـَرْ / فُلُ فِي الدِّمَقْـسِ وَفِي الْحَرِيرِ
فَــدَفَعْتُهَــــــا فــتـَدَافَعَــتْ / مَشْــيَ الْقَطَــــاةِ إِلَى الْغَدِيرِ
وَلَثَمْتُهَــــــا فَتَنَفَّسَـــــــتْ / كَتَنَفُّــــسِ الظَّبْــــــيِ الْبَهِيـرِ
فَــدَنَــــتْ وَقَــــالَتْ يَا مُنَـ / ـخَّلُ مَا بِجِسْمِـــــكَ مِنْ حَرُورِ
مَا شَفَّ جِسْمِي غَيْرُ حُـ / ـبِّكِ فَاهْدَئِي عَنِّي وَسِيـــرِي
وَأُحِبُّهَـــــــــــا وَتُحِبُّنـــِي / وَيُحِـبُّ نَـاقَتَهــــــا بَعِـيــــــرِي

عبد بني الحسحاس : هو أحد عبيد قبيلة بني الحسحاس ، وله ديوان شعر مشهور ، وقد تغزل في نساء القبيلة ، فأفحش ، مما أدى إلى قتله ، ومن ثم خصص بوصف (عبد بنمي الحسحاس) ، وليس هو الوحيد الذي يوصف بهذا الوصف .

أيقونة icon : هو تعريب لكلمة يونانية تعني صورة ، أو شبه مثال ، والعبارة المتداولة – بصرف النظر عن المدلول الديني – تعني اكتناز دلالة محددة في صورة أو عبارة مختصرة . فهي رسم أو رمز يميز أمراً معيناً (مكانا ، أو فعلا ، أو زمنا ، أو شخصا ، أو مهنة .. الخ) .

ينظر ما كتب تحت عنوان “تناسب الألفاظ مع الأغراض – الوقار والتكلف – تسمح بعض الأئمة في ذكر الألفاظ – لكل مقام مقال ” فقرات من كتاب “الحيوان للجاحظ – الجزء 3 – ص39 – 43- تحقيق : عبد السلام هارون – طبعة ثانية – مصطفى البابي الحلبي في مصر – 1965 .

كتاب “البرصان والعرجان والعميان والحولان ” الطبعة الأولى– الناشر : دار الجيل – بيروت – 1410هـ .

هناك إشارات لتأثر الجاحظ بدراسة أرسطو تحت العنوان نفسه ، غير أننا نرى أن هذا التأثر لم يجاوز الإطار العام ، فالحيوان الذي عني به الجاحظ ينتمي إلى بيئته الشرقية الحارة غالبا ، على أن عنايته بأنواع الحيوان تتجلى من خلال مختارات شعرية ، واقتباسات ، وأقوال تنتمي إلى عصور تالية لزمن أرسطو .

وإلى اليوم أستعيد ذكرى قديمة ، وأنا طفل ، وكان جارنا يقرأ في كتاب عن الفتنة الكبرى ، بصوت مسموع ، ليتمكن المتحلقون حوله من سماعه ، فجاء ذكر معركة صفين ، وعرفت – أنا الطفل – أن قائد الإمام علي فيها هو : مالك بن الحارث الأشتر ، وأن هذا القائد البطل كان أعور ، فاستوعبت أذني معنى الكلام ، وعجبت – في طفولتي – كيف يكون قائداً لجيش فاقداً إحدى عينيه ؟! غير أن كتاب الجاحظ ، الذي استقصى الظاهرة في كافة اتجاهاتها ، كشف عن أن هذه النواقص كثيراً ما تعوض بقدرات متجاوزة .

والذباب : كل ما يطير من الهوام ، وليس ما نطلق عليه الآن هذا اللفظ ، فالنحل، والزنابير وأشباهها من الذباب كذلك.

وهذا الرصد الدقيق لأوصاف البَرَص ، واختلافه مع أصحاب المنزلة الاجتماعية يغري بعقد دراسة عن الأوصاف في اللغة العربية ، المناظرة أو المسامتة للطبائع والمنازل والطبقات .

يذكر الجاحظ من طرائف الشاعر العكوْك : أنه كان مع عمائه وشُنعة برصه يتعشق جارية ، ويتعشقها شاعرة ظريفة أديبة ، وكان انشد حميد بن عبد الحميد شعراً ، فوهب له مائتي دينار ، فانصرف من دار حميد إلى منزل المعشوقة ، فصب الدنانير في حجرها ، ثم مضى إلى منزله ، وليس فيه درهم ، ولا شيء قيمته درهم ، وكان أحسن خلق الله إنشاداً ، ما رأيت مثله بدويا ولا حضرياً .

“نكتب الهميان في نكت العميان” : الهميان : كيس النقود أو ما نحفظ فيه الأشياء العزيزة ، والنكت (بسكون الكاف) يعني : الكشف ، والنُكَت (بفتح الكاف) تعني الطرائف والنوادر . وقد نشرته : الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة – القاهرة – 2012 .


أ. د. محمد حسن عبدالله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...