لودي شمس الدين - ما بين الشعر،الموسيقى والفلسفة.

عندما نتحدث عن الشعر،فإننا نتحدث عن الموسيقى،النحت،الرسم،التاريخ والفلسفة.فنحن عندما نكتب نغني ننحت نتفلسف مستندين للتاريخ ونرسم مشاهد دراماتيكية،سريالية أو تراجيدية،الخ...
من الشعر تنبثق كل أنواع الفنون،الشعر يسبق جميع الفنون.
وهنا أتحدث عن الشعر بكل أشكاله وبكل عصوره إلى عصرنا اليوم،حيث ازدهرت فيه قصيدة النثر.
فالشعر مهما كان واضحاً يحمل في باطنه غموضاً صريحاً،بكل ما يحمل من فوضى شعرية مضبوطة وتداخلات نفسية،عقلية وروحية.
الشعر باطن الأشياء المرئية واللامرئية والعكس صحيح.
لذا،الوزن ليس شكل من أشكال القصيدة،بل الصورة والربط هما من يحددان الشعرية العالية للقصيدة.
وقد كُتبت قصيدة النثر على يد أعظم الشعراء الغرب كالشاعر الأميركي walt whitman،الشاعر التشيلي pablo neruda،الشاعر المكسيكي octavio pas، الشاعر الفرنسي charles baudelaire,الخ...
أما في عالمنا العربي كتبها العظماء سركون بولص،عباس بيضون،أنسي الحاج،الماغوط،الخ...
بالعودة إلى الربط ما بين الموسيقى والشعر،أرى بأن الموسيقى هي أصوات متقطعة ومجموعة بإيقاعات متفردة ومنسجمة مع اللغة،لأن الشعر هو مُخيلة الصوت وإيقاع الإحساس المنبثق من الداخل إلى الخارج والعكس صحيح.
البكاء كلمة،الضحكة كلمة،الجرح كلمة،النظرة كلمة،حركة اليد كلمة،حركة القدم كلمة،طقطقة الأصابع كلمة،الكتمان كلمة وازدواجية النفس أمام مرايا الماء كلمة.
إذن الصوت هو عصب الكلمة.
فيجدر ذكر بأن الفيلسوف أرسطو قال" الشعر أسمى من التاريخ لأنه يعبر عن الكليات بينما التاريخ يعبر عن الجزئيات"،أي يرى الشعر كأداة تعليمية تساعد الناس على فهم القيم والفضائل من خلال التأمل في التجارب الإنسانية.
ذلك أن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعراً والآخر يرويها نثرا، وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلا، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع.
ويرى الفيلسوف مارتن هايدغر بأن الشعر لا يقتصر على الجماليات بل يحمل رسالة فلسفية عن معنى الوجود.
ويكمن هنا السؤال التالي:هل الشعر والفلسفة يلتقيان؟
أعتقد بأننا كلنا قد قرأنا أو سمعنا عن شعراء فلاسفة وفلاسفة شعراء كطاغور،الخيَّام في الأدب الفارسي وشعراء التراجيديا من إرسخيلوس إلى سوفوكليس وشكسبير في قصيدتيه المأساويتين الملك لير و هاملت وبعض الشعراء الرومانطقين في الأدب الإنجليزي والألماني،أو مثلا كدانتي و ت.س.إليوت،الشعر والفلسفة حتما يلتقيان.
في كل أدب عظيم فلسفة وفي كل فلسفة عظيمة أدبا.
وبالعودة إلى النقد العربي أو الغربي نجد أن الصور النثرية والشعرية تكشف بطريقتها أفكار الفلاسفة لكبار الشعراء الفلاسفة كأبو العلاء المعري ودانتي حيث تحدث عن فهم الكوميديا الإلهية.
فتكون القصيدة فلسفية عندما تستخدم لتوصيل حكمة أو تعليم فلسفي مستقل عن القصيدة نفسها.
وهكذا نرى أن القصيدة الشعرية يمكن أن تنطوي على فلسفة كامنة وأن تعبر عن الحقائق الكبرى في الكون والحياة من خلال طبيعتها الشعرية الخاصة.
وقد عبر الشاعر شيللي قائلا"أن الشعر هو مركز كل معرفة ومحيطها"،"إن الشعراء فلاسفة بلغوا أسمى درجة من القوة"
أما الشاعر أحمد شوقي أتى قائلا:" لا يزال الشعر عاطلا حتى تزينه الحكمة".فالشعر بلا حكمة يخلو من الحلى والزينة.
مضيفاً:"ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر"،أي أن الحكمة بالشعر تزدان وتنتظم.
وأخيراً،لا يمكن أن نفصل بين الفلسفة والتاريخ والموسيقى والشعر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...