د. أحمد الحطاب - التقوى أعلى درجةً من الإيمان، وهي تجسيدٌ للإيمان، على أرض الواقع، بالأفعال

بالنسبة لعامة الناس، لا فرقَ بين الإيمان والتَّقوى. أي بالنسبة لهؤلاء الناس، هناك تشابهٌ في المعنى بين الكلمتين. وبالنسبة لهم، كذلك، المُؤمن تقي والتَّقي مُؤمن. بينما حينما نقرأ القرآن الكريم، نجد أن هاتين الكلمتين وَرَدَتا في عددٍ كبيرٍ من الآيات.

والإيمان هو مصدر فعل "آمَنَ". وعندما نقول "فلانٌ آمَنَ"، فالمقصود هو أن هذا الفلانَ صدَّق ما أنزل اللهُ، سبحانه وتعالى، من رسائل سماوية على رسلِه وأنبيائه. بل آمَن بوحدانية الله، عزَّ وجلَّ. والإيمان له أركانُه وهي : الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

أما التَّقوى، فهي اسمٌ مشتقٌّ من فعل "اتقى". والتَّقوى، لغوياً واصطلاحاً، هي خشية الله والخضوعُ أو الامتثال لأوامره والابتعاد عن نواهيه. وعندما نقول "فلانٌ اتَّقى غضب فلانٍ آخَرَ"، المقصود هو أن الفلانَ الأولَ تجنَّب غضبَ الفلان الثاني. وقد نقول إن التَّقوى هي تَجَنُّبُ ما نهانا اللهُ، سبحانه وتعالى، عنه خِشيَةَ غضبه. فما هو الفرق بين الإيمان والتَّقوى؟

الإيمان هو تصديقٌ، من خلال الوِجدان. والوِجدان هو مجموع العواطف sentiments والأحاسيس sensations والانفعالات émotions. إذن، الإيمان هو تصديقُ أو مُيولٌ إلى التَّصديق تكون وراءه العواطف والأحاسيس والانفعالات أكثر من التَّفكير. وقد نقول الإيمان عبارة عن ميولٍ فِطري للتَّصديق. وهذا يعني أن الإنسانَ، أثناءَ إيمانِه أو تصديقِه يتأثَّر بوِجدانِه أكثر من تفكيرِه. في هذه الحالة، الإيمانُ لا يحتاج إلى دليل أو دلائل للتَّأكُّد مما تمَّ التَّصديقُ به.

أما التَّقوى، فهي ترجمةُ الإيمان إلى أفعال ملموسة. فحينما يتجنَّب الناسُ غضبَ الله، سبحانه وتعالى، فإنهم يستعملون عقولَهم للتَّمييز بين ما نهى عنه وما أمَرَ الناسَ أن يقوموا به. إذن، التقوى هي أعلى درجات الإيمان، لكن مُجسَّدة على أرض الواقع بأفعال.

والدليل على أن الإيمانَ ليس هو التَّقوى، هو قولِه، سبحانه وتعالى : "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" (البقرة، 2). في هذه الآية، لم يقُل، عزَّ وجلَّ، هُدى للمُؤمنين أو المسلمين. أو مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ" (المائدة، 65).

في هذه الآية الكريمة، قال، سبحانه وتعالى، "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا…". في هذا الجزء من الآية، ذكَرَ الإيمانَ (آمَنُوا) ثمَّ أتبعَه التَّقوى (وَاتَّقَوْا). لو كان الإيمان هو التَّقوى، لذكرَ، عزَّ وجلَّ، إحدى الكلمتين عِوض الإثنتين. غير أنه، عزَّ وجلَّ، ذكرَ الإيمانَ ثمَّ أتبعَه التَّقوى. وذِكرُ الإيمان قبل التَّقوي. وهذا دليلٌ آخرَ على أن التَّقوى تأتي بعد الإيمان، وهي ترجمةٌ للإيمان يتمُّ تجسيدُها على أرض الواقع بأفعالٍ.

وهذه بعض الآيات الكريمة تبيّن بأن التَّقوى عبارة عن أفعالٍ يقوم بها الناس طبقاً لأوامِرِه ولنواهيه :

1."إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ" (الحجرات، 3).

2."ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج، 32).

3."يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة، 8).

فما هو الفعل في هذه الآيات الكريمة الثلاثة؟

الفعلُ في الآية رقم 3 من سورة الحجرات، هو "خَفضُ الأصوات" الذي ربطه، سبحانه وتعالى، في نفس الآية، بالتَّقوى. أما في الآية رقم 32 من سورة الحج، الفعلُ هو نعظيمُ شرائع الله. أما في الآية رقم 8 من سورة المائدة، فالفعل هو العدل. والعدل، كما وَرَد في القرآن الكريم، هو عدم ظلمِ الناس وإنصافُهم فيما لهم من حقوق.

يقول اللهُ، سبحانه وتعالى : "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (الشعراء، 183). في هذه الآية الكريمة،"وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ…" تعني لا تحرموا الناسَ من ما لهم من حقوق. وكلمة "أَشْيَاءَهُمْ" واسعة المعنى، أي لا تحرموا الناسَ من جميع أو كل ما لهم من حقوق، كانت ماديةً أو معنويةً. أما "وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"، فتعني لا تنشروا الفسادَ سواءً تعلَّق الأمرُ بالناس الذين تتعايشون معهم في نفس المجتمع. كما تعني، كذلك، لا تعتدوا على الوسط المادي الذي تعيشون فيه.

هذه التقوى التي أراد بها الله أن يكونَ الناسُ عادلين في كل شيء. كما أراد أن تكونَ تجسيدا للإيمان، على أرض الواقع، بواسطة أفعال ملموسة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...