د. أحمد الحطاب - آياتٌ من القرآن الكريم تُثيرُ فضولَ العقول النَّيِّرة والمُستنيرة

أولا، دعونا نوضِّح كلمةَ "فضول". الفضول، لُغوياً، له وجهان. وجهٌ إيجابي قد يعود بالنفع على الفضولي وربَّما على محيطه. و وجهٌ سلبي قد يزرع الفتنةَ بين الناس.

الوجهُ الإيجابي هو الذي يدفع العقول النَّيِّرة والمستنيرة إلى البحث عن الحقيقة وعن أسبابها، وخصوصا، لما تجد هذه العقول نفسَها أمام حدثٍ un fait أو ظاهرة un phénomène أو أي شيء يُثير الفضول. والحقيقة ليست شيئا جاهزا يتمُّ العثورُ عليه هنا وهناك. الحقيقة تبنِيها بناءً العقول النَّيِّرة والمُستنيرة. وكل فضولي له أسلوبُه أو أساليبُه للوصول إلى الحقيقة. أما الأساليبُ المتعارف عليها كونياً، فهي الملاحظةُ observation، التَّجريبُ expérimentation والبرهنة démonstration.

أما الوجهُ السِّلبي للفضول، فهو انشغال الناس بما لا يعنيهم بهدف زرع الفتنة أو البلبلة أو التَّفرقة أو ما لا يُرضي الناسَ اجتماعِياً وأخلاقياً. في هذه المقالة، الوجه الذي يعنيني، هو الوجه الإيجابي للفصول.

وعودةً إلى عنوانِ هذه المقالة، الآيات التي تُثير فضول العقول النَّيِّرة والمُستنيرة، بوجهه الإيجابي، كثيرة ونجِدها في جميع سُوَر القرآن الكريم. بالنسبة لهذه المقالة، اخترتُ الآية الكريمة رقم 97 من سورة الأنعام والتي نصُّها هو كالتالي : "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

ما يثير الانتباهَ، هو أن فعلَ "يعلمون" جاءَ على صيغة الفعل المُضارع. والفعل المضارع يُستعمَل للدلالة على فعلٍ يحدث في الحاضر والمستقبل. فما الذي يمكن استنتاجُه من هذا الفعل الوارد في هذه الآية على صيغة الفعل المضارع؟

ما يدلُّ عليه فعل "يعلمنون"، هو أن الاهتداءَ بالنُّجوم كان سائدا في حاضر الأجيال الماضية، ولا يزال معمولا به في عصرنا الحاضر وسيُستَعمل في الآتي من الزمان. لكن ما يجب أن نتساءلَ عنه، هو : "هل الوسائلُ المستعملة عند القدامى للاهتداء بالنجوم، هي نفسُها التي تُستعمل في الحاضر والتي ستُستعمل في المستقبل؟ بالطبع، لا ثم لا ولا شيءَ غير لا. لماذا؟

أولاً، لأن القدامى كانوا يعتمدون فقط على تجارٍبهم اليومية المّتكرِّرة. وعندما أقول "يعتمدون فقط على تجارٍبهم اليومية المّتكرِّرة"، فالمقصود هو أنهم يعتمدون على ما اكتسبوه من معارف من تجارب الحياة وليس من تجارب مُختبرية. ولهذا، فمعارفهم مُكتسَبة عن تجارب الحياة connaissances empiriques.

ثانياً، أما بالنسبة للعصر الحاضر، فالمعارف التي تمكِّن من الاهتداء بالنجوم، كلُّها مُستخلَصَة من تجارب ميدانية أو مُختَبَرية connaissances scientifiques. وكلما تطوَّر فكرٍُ الإنسان، كلما تطوَّرت الوسائل المستعملة في التجارب الميدانية أو المختبرية.

ثالثاً، أما بالنسبة للمستقبل، فالتَّطوُّر الذي حصل في مجال الذكاء الاصطناعي سيُغيِّر هذا الاهتداءَ رأسا على عقِبٍ. وقد لا يتدخَّل الإنسان في هذا الاهتداء الذي، ربَّما، قد يسير بطريقة آلية automatique.

فلما قال، سبحانه وتعالى: "...قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، أي لناس يستعملون عقولَهم حاضراً ومستقبلاً، وما دامت الدنيا قائمة، للحصول على المعرفة. وهذا يعني أن المعارفَ التي يحصل عليها الناسُ الذين "يَعْلَمُونَ" لا تُمطِرها السماء. بل يتمُّ البحثُ عنها بواسطة العقول البشرية النَّيِّرة والمستنيرة، أي العقول التي تريد أن "تعلمَ". والعقولُ التي تريد أن "تعلمَ" أبدعت، بفضل هذه العقول، طُرُقاً و وسائلَ لإنتاج المعرفة. والعقل والنُّطق والقراءة والكتابة هي العناصر التي وهبها اللهُ، سبحانه وتعالى، لبني آدم ليميِّزَهم عن باقي مخلوقاتِه الحية. بل إن هذه العناصِر هي نِعَمٌ من نِعَم الله، سبحانه وتعالى، أنعم بها، عزَّ وجلَّ، على بني آدمَ وذرِّيتِه. وبفضل هذه النِّعم، انظروا إلى ما وصل إليه العقل البشري من تطوُّر علمي وتكنولوجي.

بنِعمة العقل، وصل الإنسان إلى القمر و وطئ بقدميه سطحَه. بنعمة العقل، أرسل الإنسانُ إلى كوكَب المريخ planète Mars مركبةً فضائيةً مُجهَّزة بمختلف آلات السَّبر والاختبار. بنعمة العقل، اخترع الإنسان المجهرَ microscope والمِنظارَ télescope. بواسطة الأول، توغَّل في خبايا (ما لم يُرَ بالعين المجردة) الأجسام الحية، وبواسطة الثاني، سبر الأجواءَ والنجوم والكواكب وتعرَّف على المجرات galaxies…

وبنِعمة العقل، استطاع الإنسانُ، منذ أن خلقَه اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يُخرجَ نفسه من براثن الجهل إلى نورِ العلم والمعرفة، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" (ابراهيم، 1).

في هذه الآية الكريمة، كلامُ اللهِ، سبحانه وتعالى، مُوجَّهٌ للرسول (ص)، مُخاطِبا إياه بأن تنزيلَ القرآن، الغرض منه، هو إخراج الجنس البشري أو بني آدمَ من ظُلُمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا هو : "كيف سيخرج بنو آدمَ من ظلمات الجهلِ إلى نور العلم، علما أن هذا الخروجَ لا تُمطره السماء وليس على الإطلاق، مُعجزة"؟ بل له أسباب. ومن بين هذه الأسباب، استعمال العقل فيما ينفع البلادَ والعِبادَ.

وبالطبع، لن يتمَّ هذا الخروجُ إلا باستعمال العقل استعمالاً عقلانيا، نيِّرا ومستنيرا.. ولهذا قال، سبحانه وتعالى، في نفس الآية، "بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، أي بأذن ربِّ الناس أو بأمرٍ منه، عزَّ وجلَّ. والإذنُ سبق له، سبحانه وتعالى، أن وهبه للناس لما نفخ "جزأً من روحه" في جسم آدمَ عليه السلام ليجعله عاقلا و واعياً بما يجري حوله من أحداث وظواهر. أليس العقل هو الذي يتعرَّف على هذه الأحداث والظواهر؟

أما "إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، أي إلى الطريق الذي أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يسلُكَه الناسُ في حياتِهم الدنيوية، أي ما سماه اللهُ، جلَّت قدرتُه، في القرآن الكريم، "الصراطَ المستقيمَ". وكيف يستقيم "الصراطُ المستقيمُ" إن غابت العقول النَّيِّرة والمستنيرة؟

في مقالة مقبِلة، إن شاء الله، سأتناول بالتحليل الآية الكريمة رقم 5 من سورة يونس : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...