د. أحمد الحطاب - يسبحون ضدَّ رياح التاريخ!

مَن هم الناسُ أو الجماعات البشرية الذين يسبحون ضدَّ مجرى التَّاريخ؟ إنهم علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، الذين أبدعوا ديناً موازيا لذلك الذي أنزله اللهُ، سبحانه وتعالى، مجسَّداً في القرآن الكريم، على نبيِّه ورسولَه محمد (ص).

وما أقصده بكلمة "تاريخ"، ليس السَّرد الجاف الذي عوَّدتنا عليه المدرسةُ للأحداث والظواهر والوقائع والصراعات والحروب… التي يُرجى من المتعلِّمين أن يرسِّخونها في الذاكرة. المقصود من كلمة "تاريخ"، كمفهوم، هو الدراسة العلمية النَّقدية لكل هذه الأشياء، وبالأخص، دراسة علمية ونقدية لتطوُّرِها عبر الزمان والمكان. وبعبارة أوضح، هناك "تاريخ الأحداث"، histoire événementielle، التي تكتفي بالإخبار عن الأحداث، وهناك "التاريخ المفاهيمي" histoire conceptuelle الذي يدرس تطورَ الأحداث والظواهر والوقائع… من منظور نقدي.

ودراسة التَّطرف الديني، من منظور علمي نقدي، هي التي جعلت كثيراً من الباحثين العقلاء والمتنوِّرين أن يقولوا بأن شريحةً عريضةً من علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المتطرِّفين منهم، "يسبحون ضدَّ رياح التاريخ". فما هو السببُ الرَّئيسي الذي دفع هؤلاء العلماء والفقهاء المتطرِّفين للسباحة ضد ما تشتهيه سفنُ التاريخ؟

السبب الرئيسي هو أن هذه الشريحة العريضة من علماء وفقهاء الدين، إن كانوا مُتطرِّفين دينياً، فهم، في نفس الوقت، سلفيون. بمعنى أنهم مُتشبِّثون بما قاله "السَّلف الصالح"، أي ما قاله ودوَّنه هذا السلف في الماضي السَّحيق le passé lointain.

والحقيقة أن هذه الشريحة من علماء وفقهاء الدين لهم حنين nostalgie لما كانت عليه البلدان الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص). إذ كان نظام الحُكم، في هذه البلدان، هو الخلافة. والخلافة، كنظامِ حكمٍ، تستمد وجودَها وسلطتَها من وصاية إلهية droit divin.

وبعبارة أوضح، الشريحة العريضة من علماء وفقهاء الدين، السلفيين المتطرِّفين، كان ولا يزال لهم حنين بما يسمَّى "الإسلام السياسي"، أي نظام الحكم الذي يستمدُّ سلطتَه من وصايةٍ إلهية، ويطبِّق الشريعةَ في تدبير شؤون البلاد والعباد. وإذا أردنا أن نكونَ أكثر وضوحاً وتوضيحاً، علماء وفقهاء الدين، الحاليون والقدامى، لا يُعِيرون أي اهتمامٍ للتَّطوُّر، بجميع تجلياتِه، الحاصل سواءً في مجتمعاتِهم أو في مجتمعات غيرهم من الأمم. ما هو مرسَّخ، في أذهانهم، ترسُّخاً صلبا، هو حنينُهم لدولة الخلافة، بما لها وماعليها.

ولهذا، عنوَنتُ هذه المقالة ب"يسبحون ضد رياح التاريخ". بمعنى أن التاريخَ يُخبرنا بأن البشريةَ تخطو خطواتٍ جبَّارة إلى الأمام، من حيث التغييرات الهائلة التي تحدث فيها، فكرياً، اجتماعيا، ثقافياً، اقتصادياً، علميا، تكنولوجياً، صناعياً… علما أن هذا التَّطوُّر الهائل الحاصل في المجتمعات البشرية لا ينتظر ولن يينتظرَ أحدا للحلاق به. بل لا يعير أي اهتمام لوجودِ أو لعدم وجودِ هذه الشريحة من علماء وفقهاء الدين، السَّلفيين المُتطرِّفين.

العالم يسير، غير آبِهٍ بوجودهم، من فترة تغيير إلى فترة تغيير أوسع وفي جميع المجالات. بينما هؤلاء السلفيون المتطرِّفون يعِيشون في عالمٍ خاصٍّ بهم. عالمٌ جامد، ومعه تتجمَّد العقول وتتوقَّف عن التفكير وعن الإبداع والإنتاج.

ولعل أهم تغييرين حصلا في العالم المُعاصر هما سقوط الخلافة chute du califat سنة 1924 مع سقوط الدولة العثمانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان déclaration universelle des droits de l'homme سنة 1948.

هذان الحدثان هما، في الحقيقة، جزءان من التَّطوُّر الحاصل في المجتمعات البشرية، أبى مَن أبى وكره مَن كره. التطوُّر الحاصل في المجتمعات البشرية لن يستطيع أحدٌ أن يوقِفَه. قد أقول إنه سنَّةٌ من سنَنِ الحياة. والدليلُ على ذلك، أنه لا مجالَ، بل يستحيل مقارنة حياة البشر المعاصرة وحياتِهم في الأزمنة الماضية، وبالضبط، قبل حلول القرون الثامن عشر، التاسع عشر والعشرين.

وهذا هو ما أزعج السلفيين المتطرفين وجعلهم يحنون إلى ماضٍ لن يعود، وخصوصا، أن كثيرا من البلدان الإسلامية انخرطت، طوعاً أو كُرهاً، في ركب الحداثة. بل إن بلدانا إسلامية أصبحت بلداناً مدنيةً تحتكِم في جلِّ قضاياها المختلفة، للقوانين الوضعية وليس لأحكام الشريعة، التي البعض منها تجاوزه الزمان كقطع يد السارق وقتل المرتد وتارك الصلاة…

ولهذا، فالشريحةُ العريضةُ من علماء وفقهاء الدين، السلفيين المتطرِّفين سيضلون منهمكين في "سِباحتِهم ضد رياح التاريخ". اللهمَّ إذا غيروا عقلياتِهم وأدركوا أن واقعَ المجتمعات، إسلامية كانت أو غير إسلامية، ليسوا هم مَن يصنعونَه، بل تصنعُه العقول النَّيِّرة والمستنيرة، أينما وُجِدت وكيلنا كانت مُعتقداتُها الدينية.

وفي الختام، لو أدرك هؤلاء العلماء والفقهاء أن الدِّينَ أمر عمودي تدور أطوارُه بين خالقٍ ومخلوق، وأدركوا أن الدينَ لا يجب أن يختلطَ مع السياسة، لأراحوا أنفسَهم واراحوا العالمَ برمَّتِه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...