د. أحمد الحطاب - يا أيها المُثقفون املأوا الفراغَ!

يتعلَّق الأمرُ بالفراغ الذي تم احتلالُه، عبر مختلف مواقع التَّواصل الاجتماعي، من طَرَف غير المثقفين وشبه المثقفين les pseudo cultivés أو pseudo intellectuels والوصوليين les arrivistes والمُعتدين les agresseurs والشرِّرين les maléfiques… بل كثيرٌ من المُحتلِّين أصبحوا يُطلِقون على أنفُسِهم اسمَ "المؤثِّرين" les influenceurs.

الفراغ الذي كان من المفروض أن تتنافس فيه الأفكارُ والأفكار المُضادة وأن يحتلَّه الفكرُ النَّقدي والنقاشُ العمومي حول قضايا وطنية، سياسية، اجتماعية، ثقافية، أدبية، اقتصادية…، أصبح منبراً يعُجُّ بالتفاهة futilité أو banalité والرَّداءة médiocrité.

مثلا، لما تحدَّثَ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عن العِلمانية وربطها بكون الدين لا إكراهَ فيه، حسب ما ورد في القرآن الكريم، كان، من المفروض، أن يتسابقَ المثقفون للإدلاء بآرائهم حول هذا الموضوع الشائك الذي يُزعج، على الخصوص، قيادات وأعضاءَ حزب العدالة والتنمية والتنمية، المغربي. والدليل على ذلك، أن رئيسَ هذا الحزب لم تفته الفرصة ليوجِّهَ اللومَ للسيد الوزير الذي كان كلامُه يتطابق مع المنطق والواقع.

وأنا، كمُهتمٍّ بهذا الموضوع، سأُحاول، بكل تواضع أن أملأَ حيِّزا من الفراغ الذي تركه مثقفو هذا البلد، فملأَه ناسٌ لا يريدون الخير لنفس البلد.

والحقيقة كل الحقيقة أن قيادات وأعضاءَ حزب العدالة والتنمية يُحاربون العِلمانِية، بغير حق ويُوجِّهون لها اتِّهاماتٍ باطلةً.

وفي هذا الصدد، غالباً ما تُتَّهمُ العلمانية بالكفر والإلحاد والشِّرك… ونُكرأن وحدانية اللهِ، سبحانه وتعالى. غير أن هذه الاتِّهامات باطلة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة. بل العِلمانية نوعٌ من نظام الحكم يفصل بين الدولة والدين، أو بعبارة أوضح، نظامُ حُكمٍ يفصل بين الدين والسياسة.

والعلمانية تنطلق من كون الدين أمراً يدور بين خالقٍ ومخلوق، أي أن الدينَ أمرٌ عمودي وشخصي، ولا يجوز للدولة أن تتدخَّل فيه. ولهذا، فالعلمانية تعتمد ليس فقط على فصل الدين عن السياسة، ولكن كذلك، على حرِّية المعتَقَد وعلى احترام كل الأديان، سماوية كانت أم وضعية. بل تحترم كذلك مَن لا دينَ لهم. ولهذا، كل ما تُروِّجه شريحةٌ عريصةٌ من علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، كذبٌ وافتراءٌ وبعيد كل البُعد عن الحقيقة الميدانية.

والحقيقة الميدانية تُبيِّن، بوضوح، أن الدُّولَ العلمانية فيها كنائس ومساجد ومعابِد اليهود والهندوس والبوديين… والناسُ أحرار يدينون بالدين الذي يُناسِبهم.

والغريب في الأمر أن غالبيةَ علماء وفقهاء الدين الإسلامي أبدعوا ديناً موازيا للدين الذي جاء به القرآن الكريم. بل جعلوا للدين مذاهبَ وفرقاً وطوائف… أدخلت الفتنةَ في نفوس الناس وجعلت الكثيرَ منهم يرتدُّون عن الإسلام ليُصبحوا إما مُلحدين وإما مُعتنِقينَ دينا آخر، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" (الأنعام، 159).

والدين الذي جاء به القرآن الكريم، لا إكراهَ فيه. بينما الدين الموازي كلُّه إكراهٌ وقهرٌ وإجبارٌ واضطهاد وتضييقٌ…، أي مُخالفٌ للدين الذي يقول في شأنه الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم :

1."لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة، 256).

2."لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" (الغاشية، 22).

3."وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس، 99).

4."لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (الكافرون، 6).

5."قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ" (يونس، 108)....

إنه أمرٌ غريبٌ أن يتغافلَ علماء وفقهاء الدين عن هذه الحقائق المطلقة التي تدفع العقلَ السليمَ، النَّيِّر والمستنير إلى طَرحِ سؤالٍ عريضٍ وكبيرٍ، هو: "هل هناك سببٌ أو أسبابٌ لتَغافُل علماء وفقهاء الدين عن هذه الحقائق الإلهية المُطلقة الواردة في القرآن الكريم"؟

حسب رأيي الشخصي وحسبَ تقديري المُتعَقِّل، هناك سببٌ رئيسي جعل علماء وفقهاء الدين، القُدامى والجدُد، يرون في الدين الموازي للدين الحق، الوارد في القرآن الكريم، نوعا من السيطرة على عقول الناس لتجميدها وتخويفها وترهيبها ومنعِها من التَّفكير فيما يقودها إلى التَّحرُّرِ émancipation وإلى التَّفتُّح épanouissement الفكريين والاجتماعيين. والتَّحرُّرُ والتفتُّح الفكريان والاجتماعيان لا يخدمانِ مصالحَ فئة عريضة من علماء وفقهاء الدين.

وهذا هو ما جعل ويجعل علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، يُهاجمون العلمانيةَ ويُوجِّهون لها اتِّهامات، هي بريئةٌ منها. لماذا؟ لأنه، في حالة ما تبنَّت البلدانُ الإسلاميةُ العلمانيةَ كنظام حُكم، فلن يبق لغالبية علماء وفقهاء الدين دورٌ داخلَ المجتمعات.

أما قيادات وأعضاء حزب العدالة والتنمية، فإنهم ضربوا رقما قياسيا في النفاق. لماذا؟ لأنهم يحاربون العِلمانية في بلد جلُّ قوانينه مدنية وليست، إلا النزرَ القليل، مستمَدة من الشريعة. بل إن قانونَ إنشاء الأحزاب السياسية وقانون تنظيمها، قانونان مدنيان ولا علاقةَ لهما بالشريعة. أليس هذا نفاق ما بعده نفاق؟

والحقيقة كل الحقيقة، هي أن هذا الحزب يحمل مشروعا دينياً-سياساً يريد، من خلاله، فرضَ أفكاره وتوجهاته الدينية-السياسة على الغير. بمعنى أن هذا الحزبَ له حنينٌ لما يُسمِّيه "الإسلام السياسي، أو له حنين لنظام الحكم الذي كان يعتمد على الخلافة. والخلافة اختفت وسقطت سنةَ 1924 مع سقوط الدولة العثمانية.

غير أن هذا المشروع لن يُكتبَ له النجاح ما دام ملك البلاد يسود ويحكم وله صفة أمير المؤمنين. وهذه الصفة ليست خاصة بالمسلمين كما يدَّعي حزب العدالة والتنمية. بل هذه الصفة تشمل كل الأديان السماوية. بمعنى أن هذه الصفة ترعى الشؤون الدينية للمسلمين والمسيحيين واليهود. وصفة أمير المؤمنين منصوصٌ عليها في الدستور. أليس هذا التَّنصيصُ نوعاً، ولو كان محتشِماً، من علمانية الدولة المغربية؟

علما أن جلَّ الدول الإسلامية تبنًّت الحداثة la modernité في جميع أنماط الحياة اجتماعيا، اقتصادياً، ثقافياً، قانونياً… وخصوصا لما ظهر إلى حيز الوجود سنةَ 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فجل الدول الإسلامية تشير في دساتيرها إلى هذا الإعلان. بل فمنها مَن يعطي الأولوية لهذا الإعلان على القوانين المحلية.

ولهذا، كفى من نفاقِكم يا أهلَ حزب العدالة والتنمية، المغربي! ومتمنياتي أن يملأَ المثقفون الفراغَ الذي احتلَّه شبهُ المثقفين والوصليون والشريرون والمعتدون… في مواقع التواصل الاجتماعي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...