توفيق قسم الله - استفحال ظاهرة (الأدب الاستعجالي) في أوساط الكتاب الإرتريبن

في قسم معرض الكتاب لكرنفال مجموعة ألوان للآداب والفنون الإرترية في ملبورن، حيث تناثرت الكتب بين رفوف العرض في أجواءٍ تتنقل بين الثقافة والفن، وقع في يدي عدد من الكتب الأدبية الإرترية.

ما أثار دهشتي، وأخذني في لحظة تأمل، هو صغر حجم بعضها بشكل لافت.

يمكننا القول بأن هذه الكتب كانت صغيرة الحجم إلى درجة أنها تكاد تُشبه أوراد الصباح والمساء، تلك التي تُقرأ بسرعة وعلى عجل، دون أن تترك للروح وقتًا للاستمتاع أو التأمل في أعماق الكلمات.

لكن هذا المشهد لم يكن مجرد ملاحظة سطحية عابرة، بل فتح أمامي نافذة للتفكير في مسألة أعمق.

فهل يشير هذا الحجم الصغير إلى نوع من "الاستعجال الأدبي" الذي بدأ يطفو على السطح الأدبي الإرتري؟
أم أنه حالة من الاستجابة للواقع المعاش، الذي يفرض على الكتاب أن يختصروا أفكارهم ويقدموا منتجًا أدبيًا سريعًا يمكن تسويقه في أسواق لا تحتمل التباطؤ أو التردد؟

من الواضح أن الأدب الإرتري، الذي لطالما تميز بالغنى والتنوع والعمق، قد بدأ يشهد تغيرًا لافتًا في مسار تطوره.

ولعلَّ هذا التحول يعود إلى التحديات السياسية والاجتماعية التي يمر بها الشعب الإرتري، والتي ربما دفعت الكتاب إلى تبني أسلوب الكتابة السريعة كطريقة لمواكبة التغيرات السريعة في الحياة اليومية.

فالأدب، مثل أي فن آخر، يتأثر بالبيئة التي يُكتب فيها ويعكس مشاعر وواقع المجتمع.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا تجاهل أن الأدب، خاصة الأدب الذي يُنتج في فترة زمنية حافلة بالتغيرات والمشاعر المضطربة، بحاجة إلى التأني والصبر كي يقدم أعمالًا عميقة تحمل في طياتها فلسفة وتفكيرًا عميقًا.

فإذا كان الكتاب يتسابقون لإصدار أعمالهم بهذا الشكل الاستعجالي، فقد نخاطر بتفريغ الأدب من قيمته الإنسانية العميقة، ويصبح مجرد محاكاة للزمن المعاصر، دون أن يمنح القارئ فرصة للتفكير أو الاستكشاف.

إن الأدب الإرتري اليوم بحاجة إلى وقفة حقيقية، بعيدًا عن عجلة الزمن، ليتنفس بشكل طبيعي ويستعيد توازنه.

يحتاج الكتاب الإرتريون إلى منح أنفسهم الوقت الكافي لتنضج أفكارهم وتترسخ في أذهانهم، ليتمكنوا من خلق أعمال أدبية تخلد، وتحاكي الروح الإنسانية في أعمق معانيها.
إن الأدب لا ينبغي أن يكون مجرد انعكاس للوقت الذي نعيش فيه، بل يجب أن يتجاوز اللحظة الحالية ليعبر عن تجارب الشعوب وأحلامها وتطلعاتها.

وفي النهاية، يبقى السؤال:
هل سنظل نعيش في عصر الأدب الاستعجالي الذي يحاول اختصار الحياة بين صفحتين صغيرتين؟
أم أن هناك أفقًا آخر من التأمل والتدبر في انتظار الأدب الإرتري ليحقق إشراقته المقبلة؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...