قد يتساءل قارئُ هذه المقالة عن المُعطيات أو الأسباب أو البواعث أو الحُجَج أو الدوافع… التي جعلتني أعطي لهذه المقالة هذا العنوان، أي "حسب القرآن الكريم، الإنسان قيمةٌ سامية". والسُّموُّ الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للإنسان وارِدٌ، بكل وضوحٍ، في القرآن الكريم على شكل تقديرٍ وتشريفٍٍ… ولهذا، فالأسبابُ التي جعلتني أعطي لهذه المقالة هذا العنوانَ كثيرة بكثرة الآيات التي ورَدَا فيها هذا التَّقدير وهذا التَّشريف. لكن قبل أن أَخوضَ في سرد هذه الأسباب، من الضروري أن أبدأَ مقالتي بالآية التالية :
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة، 30).
قد يتساءل القارئُ لماذا البدءُ بهذه الآية. لأن فيها كلمتين لا بدَّ من إلقاء الضوءِ علبهما، وهما "خَلِيفَةً" و"جَاعِلٌ".
وكلمة "خَلِيفَةً"، في هذه الآية قد تعني "خليفةُ اللهِ في الأرض". وقد تعني، كذلك، أن "بني آدمَ سيخلف بعضُهم البعضَ الآخر" فوق الأرض. وفي كلتي الحالتين، اختيارُ بني آدمَ لهذا الغرض أو ذاك، تقدير وتشريفٌ إلهيان للإنسان.
أما فيما يخص كلمةَ "جَاعِلٌ"، فالله، سبحانه وتعالى، لم يقُل إني خالقٌ. بل قال "إِنِّي جَاعِلٌ". وفعلُ "جَعَلَ" يدلُّ على أن الشيءَ المجعولَ كان موجودا حين أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلِ منه شيئاً آخر.
ولهذا، لما أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من آدمَ وذرِّيته خلفاء في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فآدم كان موجودا، لكن على شكل بشرٍ غير عاقلٍ.
والدليل على أن الشيءَ المجعول كان موجودا قبل أن يحوِّلَه، سبحانه وتعالى، إلى شيءٍ آخر، قولُه، عزَّ وجلَّ، في آياتٍ من القرآن الكريم، أذكرُ من بينها :
1.الآية رقم 124 من سورة البقرة، والتي نصُّها: "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ".
في هذه الآية الكريمة، عندما أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من النبي إبراهيم، (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، إماما للناس، كان إبراهيمُ موجوداً.
2.وفي آية أخرى، يقول، سبحانه وتعالى : "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (الأنعام، 97).
في هذه الآية الكريمة، عندما أراد، سبحانه وتعالى، أن يهتديَ الناسُ بالنُّجوم، فالنُّجوم كانت موجودة، إذ لا يُعقَلُ أن يهتديَ الناسُ بشيءٍ غير موجودٍ.
وقبل أن أرجعَ إلى عنوان هذه المقالة، أي : "حسب القرآن الكريم، الإنسان قيمةٌ سامية"، أريد أن أثيرَ انتباهَ القارئ إلى أن أحسنَ وأرقى واجملَ وأسمى تقديرٍ وتشريفٍ خص بهما اللهُ، سبحانه وتعالى، الإنسانَ، هو تخصيصُه القرآنَ الكريمَ بأكمله وكُتُبا أخرى من قبله لهذا الإنسان. وخصَّصَ له هذا القرآنَ لإسعاده في الدنيا قبل الآخِرة.
ورجُوعاً إلى موضوع هذه المقالة، فالآيات التي وَرَدَ فيها تقدير وتشريف الإنسان، كثيرةٌ. من بين هذه الآيات، أخصُّ بالذكر ما يلي :
1."فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر، 29).
2."وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء، 70).
3."أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ" (لقمان، 20).
4."...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ …: (البقرة، 185).
فأين يوجدُ التَّقدير والتَّشريف في هذه الآيات الكريمة الأربعة؟
في الآية الأولى رقم 29 من سورة الحِجر، يوجد التقدير والتشريف على ثلاثة مستويات. يوجد في التَّسوية، في النفخ وفي التفضيل. التسوية تعني إتقان صورة الإنسان. والإنسان لا شبيهَ له من حيث الصورة والشكل في عالم الحيوانات. أما النفخُ، فهو انتقال جزءٍ من الروح الإلهية إلى الإنسان. والنفخ هو الذي جعل ويجعل الإنسانَ حيوانا له عقلٌ، وبفضل هذا العقل، فهو يَعِي، أي يُدرك كلَّ ما يجري حوله من أحداثٍ وظواهر.
غير أن النفخَ، ككثيرٍ من الأشياء المذكورة في القرآن الكريم، لا تفسيرَ له في هذا القرآن. لكن عدمَ وجود تفسيرٍ للنفخ لا يمنعنا، كبشرٍ وَهَبَنا اللهُ، سبحانه وتعالى، عقولاً نفكِّر بها، من محاولة إيجاد تفسيرٍ له.
قد نقول إن النفخَ، بالنسبة لنا، نحن البشرٍ، هو انتقال جزءٍ من القدرة أو القوة الإلهيتين، أو لنقولَ من العزيمة الإلهية، من الله، سبحانه وتعالى، إلى مَن اختارهم من بين بني آدم ليكونوا موضوعَ هذا النفخ. أقول وأُكرِّرُ وأُعيد جزء من الروح الإلهية وليس كل الروح. ودعونا نقول إن النَّفخَ مُعجِزةٌ من المُعجِزات الإلهية. وإذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدمَ بنفخِ جزءٍ من روحه فيهم، فقد استمرَّ هذا النَّفخ بالنسبة لمريم بنت عمران، العذراء، وبالنسبة لابنها عيسى بن مريم الذي ولدته أمُّهُ بدون أبٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى:
1."وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء، 91).
2."...وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا…"(المائدة، 110).
أما التَّفضيل، فيتمثَّل في سجود الملائكة للمخلوق الجديد. والله، سبحانه وتعالى، فضَّل الأنسانَ، ليس فقط، على جميع الكائنات الحية الأخرى، بل فضَّله كذلك على الملائكة التي قالت، في الآية رقم 30 من سورة البفرة : "...وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لك…".
في الآية الثانية رقم 70 من سورة الإسراء، يوجد التقدير والتشريف على أربع مستويات وهي التَّكريم والتنقُّل والعطاء والتَّفضيل. والتَّكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…) هو التَّعظيم والتَّشريف والتَّمييز والتَّرحيب… أما التنقُّل، فهو الانتقال من مكان إلى آخر ، سواءً في البر، أي اليابسة، أو في البحر. وما يُثير الانتباهَ في هذه الآية، هو أنه، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد وسيلةَ التَّنقُّل لا في البر ولا في البحر، بل قال "وَحَمَلْنَاهُمْ"، أي مكَّنايم من امتِطاء مختلف وسائل النقل التي تمكَّن ويتمكَّن وسيتمكَّن العقلُ البشري من اختراعِها. أما العطاء (...وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ…)، أي وفَّرنا للإنسان كلَّ ما هو رزقٌ حلالٌ. أما التفضيل، فقد تحدَّثُّ عنه أعلاه.
في الآية الثالثة رقم 20 من سورة لقمان، يوجد التَّقدير والتَّشريف على ثلاثة مستويات وهي التَّسخير والعطاء البيِّن للعيان والعطاء غير البِّيِّن للعِيان. التَّسخيرُ هو إخضاع وإذلالُ جميع مُكوِّنات الكون لإرادة الإنسان تسهيلاً لحياتِه فوف سطح الأرض (...سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ…). والتَّسخِيرُ يتطلب من الإنسان أن يُشغِّلَ عقلَه ليستفيدَ من ما سخره له اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرات الكون. والإنسانُ، فعلا، شغَّل عقلَه، وبعدما وصل إلى كثيرٍ من الإنجازات العلمية والتكنولوجية فوق سطح الأرض، بدأ يشغِّل عقلَه للتَّعرُّف على ما سخره له اللهُ، سبحانه وتعالى، في السماوات. أما فيما يخصُّ العطاءَ البيِّن للعِيان والعطاءَ غير البيِّ للعِيان، فالأمر يتعلَّق بما تراه العين المجرَّدة وما لا تراه العين المجردة. وفي هذا الصدد، الإنجازات البشرية كثيرة، وخصوصا، لما اخترع الإنسان الآليات التي مكَّنته من التَّوغُّل في الأجسام الحية وغير الحية. ولهذا، قلتُ في إحدى مقالاتي "الله يُسخِّر والإنسان يفكِّر"
أما الآية الرابعة رقم 185 من سورة البقرة، فهي آيةٌ يُخبرنا من خلالها، سبحانه وتعالى، أنه يسَّر حياةَ الإنسان، أي جعلها سهلةً. وقد عزَّزَ، سبحانه وتعالى، هذا اليُسرَ بلطفه ورأفته في آياتٍ كثيرةٍ، أذكر من بينها :
1."اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ" (الشورى، 19).
2."هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحديد، 9).
وفي الختام، كلَّ ما سبق ذكرُه يُبيِّن، بوضوح، أن الإنسان يحظى بالتَّقدير وبالتَّشريف الإلهيين. ولو لم يَحْظَ الإنسانُ بهذين التَّقدير والتَّشريف، ما كان، سبحانه وتعالى، ليقولَ في حق هذا الأنسان :
1."...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (البقرة، 195).، أي الناس الذين يُحسنون القولَ والفعلَ.
2."...فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (آل عمران، 76). والتَّقوى أعلى درجاتٍ من الإيمان.
3."...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة، 8)، أي الناس الذين يُعاملون الآخرين بالعدل.
4."...وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران، 146). والصبر من شِيم المؤمنين.
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة، 30).
قد يتساءل القارئُ لماذا البدءُ بهذه الآية. لأن فيها كلمتين لا بدَّ من إلقاء الضوءِ علبهما، وهما "خَلِيفَةً" و"جَاعِلٌ".
وكلمة "خَلِيفَةً"، في هذه الآية قد تعني "خليفةُ اللهِ في الأرض". وقد تعني، كذلك، أن "بني آدمَ سيخلف بعضُهم البعضَ الآخر" فوق الأرض. وفي كلتي الحالتين، اختيارُ بني آدمَ لهذا الغرض أو ذاك، تقدير وتشريفٌ إلهيان للإنسان.
أما فيما يخص كلمةَ "جَاعِلٌ"، فالله، سبحانه وتعالى، لم يقُل إني خالقٌ. بل قال "إِنِّي جَاعِلٌ". وفعلُ "جَعَلَ" يدلُّ على أن الشيءَ المجعولَ كان موجودا حين أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلِ منه شيئاً آخر.
ولهذا، لما أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من آدمَ وذرِّيته خلفاء في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فآدم كان موجودا، لكن على شكل بشرٍ غير عاقلٍ.
والدليل على أن الشيءَ المجعول كان موجودا قبل أن يحوِّلَه، سبحانه وتعالى، إلى شيءٍ آخر، قولُه، عزَّ وجلَّ، في آياتٍ من القرآن الكريم، أذكرُ من بينها :
1.الآية رقم 124 من سورة البقرة، والتي نصُّها: "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ".
في هذه الآية الكريمة، عندما أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من النبي إبراهيم، (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، إماما للناس، كان إبراهيمُ موجوداً.
2.وفي آية أخرى، يقول، سبحانه وتعالى : "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (الأنعام، 97).
في هذه الآية الكريمة، عندما أراد، سبحانه وتعالى، أن يهتديَ الناسُ بالنُّجوم، فالنُّجوم كانت موجودة، إذ لا يُعقَلُ أن يهتديَ الناسُ بشيءٍ غير موجودٍ.
وقبل أن أرجعَ إلى عنوان هذه المقالة، أي : "حسب القرآن الكريم، الإنسان قيمةٌ سامية"، أريد أن أثيرَ انتباهَ القارئ إلى أن أحسنَ وأرقى واجملَ وأسمى تقديرٍ وتشريفٍ خص بهما اللهُ، سبحانه وتعالى، الإنسانَ، هو تخصيصُه القرآنَ الكريمَ بأكمله وكُتُبا أخرى من قبله لهذا الإنسان. وخصَّصَ له هذا القرآنَ لإسعاده في الدنيا قبل الآخِرة.
ورجُوعاً إلى موضوع هذه المقالة، فالآيات التي وَرَدَ فيها تقدير وتشريف الإنسان، كثيرةٌ. من بين هذه الآيات، أخصُّ بالذكر ما يلي :
1."فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر، 29).
2."وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء، 70).
3."أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ" (لقمان، 20).
4."...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ …: (البقرة، 185).
فأين يوجدُ التَّقدير والتَّشريف في هذه الآيات الكريمة الأربعة؟
في الآية الأولى رقم 29 من سورة الحِجر، يوجد التقدير والتشريف على ثلاثة مستويات. يوجد في التَّسوية، في النفخ وفي التفضيل. التسوية تعني إتقان صورة الإنسان. والإنسان لا شبيهَ له من حيث الصورة والشكل في عالم الحيوانات. أما النفخُ، فهو انتقال جزءٍ من الروح الإلهية إلى الإنسان. والنفخ هو الذي جعل ويجعل الإنسانَ حيوانا له عقلٌ، وبفضل هذا العقل، فهو يَعِي، أي يُدرك كلَّ ما يجري حوله من أحداثٍ وظواهر.
غير أن النفخَ، ككثيرٍ من الأشياء المذكورة في القرآن الكريم، لا تفسيرَ له في هذا القرآن. لكن عدمَ وجود تفسيرٍ للنفخ لا يمنعنا، كبشرٍ وَهَبَنا اللهُ، سبحانه وتعالى، عقولاً نفكِّر بها، من محاولة إيجاد تفسيرٍ له.
قد نقول إن النفخَ، بالنسبة لنا، نحن البشرٍ، هو انتقال جزءٍ من القدرة أو القوة الإلهيتين، أو لنقولَ من العزيمة الإلهية، من الله، سبحانه وتعالى، إلى مَن اختارهم من بين بني آدم ليكونوا موضوعَ هذا النفخ. أقول وأُكرِّرُ وأُعيد جزء من الروح الإلهية وليس كل الروح. ودعونا نقول إن النَّفخَ مُعجِزةٌ من المُعجِزات الإلهية. وإذا كرَّم اللهُ، سبحانه وتعالى، بني آدمَ بنفخِ جزءٍ من روحه فيهم، فقد استمرَّ هذا النَّفخ بالنسبة لمريم بنت عمران، العذراء، وبالنسبة لابنها عيسى بن مريم الذي ولدته أمُّهُ بدون أبٍ، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى:
1."وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الأنبياء، 91).
2."...وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا…"(المائدة، 110).
أما التَّفضيل، فيتمثَّل في سجود الملائكة للمخلوق الجديد. والله، سبحانه وتعالى، فضَّل الأنسانَ، ليس فقط، على جميع الكائنات الحية الأخرى، بل فضَّله كذلك على الملائكة التي قالت، في الآية رقم 30 من سورة البفرة : "...وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لك…".
في الآية الثانية رقم 70 من سورة الإسراء، يوجد التقدير والتشريف على أربع مستويات وهي التَّكريم والتنقُّل والعطاء والتَّفضيل. والتَّكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…) هو التَّعظيم والتَّشريف والتَّمييز والتَّرحيب… أما التنقُّل، فهو الانتقال من مكان إلى آخر ، سواءً في البر، أي اليابسة، أو في البحر. وما يُثير الانتباهَ في هذه الآية، هو أنه، سبحانه وتعالى، لم يحدِّد وسيلةَ التَّنقُّل لا في البر ولا في البحر، بل قال "وَحَمَلْنَاهُمْ"، أي مكَّنايم من امتِطاء مختلف وسائل النقل التي تمكَّن ويتمكَّن وسيتمكَّن العقلُ البشري من اختراعِها. أما العطاء (...وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ…)، أي وفَّرنا للإنسان كلَّ ما هو رزقٌ حلالٌ. أما التفضيل، فقد تحدَّثُّ عنه أعلاه.
في الآية الثالثة رقم 20 من سورة لقمان، يوجد التَّقدير والتَّشريف على ثلاثة مستويات وهي التَّسخير والعطاء البيِّن للعيان والعطاء غير البِّيِّن للعِيان. التَّسخيرُ هو إخضاع وإذلالُ جميع مُكوِّنات الكون لإرادة الإنسان تسهيلاً لحياتِه فوف سطح الأرض (...سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ…). والتَّسخِيرُ يتطلب من الإنسان أن يُشغِّلَ عقلَه ليستفيدَ من ما سخره له اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرات الكون. والإنسانُ، فعلا، شغَّل عقلَه، وبعدما وصل إلى كثيرٍ من الإنجازات العلمية والتكنولوجية فوق سطح الأرض، بدأ يشغِّل عقلَه للتَّعرُّف على ما سخره له اللهُ، سبحانه وتعالى، في السماوات. أما فيما يخصُّ العطاءَ البيِّن للعِيان والعطاءَ غير البيِّ للعِيان، فالأمر يتعلَّق بما تراه العين المجرَّدة وما لا تراه العين المجردة. وفي هذا الصدد، الإنجازات البشرية كثيرة، وخصوصا، لما اخترع الإنسان الآليات التي مكَّنته من التَّوغُّل في الأجسام الحية وغير الحية. ولهذا، قلتُ في إحدى مقالاتي "الله يُسخِّر والإنسان يفكِّر"
أما الآية الرابعة رقم 185 من سورة البقرة، فهي آيةٌ يُخبرنا من خلالها، سبحانه وتعالى، أنه يسَّر حياةَ الإنسان، أي جعلها سهلةً. وقد عزَّزَ، سبحانه وتعالى، هذا اليُسرَ بلطفه ورأفته في آياتٍ كثيرةٍ، أذكر من بينها :
1."اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ" (الشورى، 19).
2."هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحديد، 9).
وفي الختام، كلَّ ما سبق ذكرُه يُبيِّن، بوضوح، أن الإنسان يحظى بالتَّقدير وبالتَّشريف الإلهيين. ولو لم يَحْظَ الإنسانُ بهذين التَّقدير والتَّشريف، ما كان، سبحانه وتعالى، ليقولَ في حق هذا الأنسان :
1."...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (البقرة، 195).، أي الناس الذين يُحسنون القولَ والفعلَ.
2."...فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (آل عمران، 76). والتَّقوى أعلى درجاتٍ من الإيمان.
3."...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة، 8)، أي الناس الذين يُعاملون الآخرين بالعدل.
4."...وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران، 146). والصبر من شِيم المؤمنين.