د. أحمد الحطاب - أنتَ أفضلُ من اليهود والنصارى لأنك مسلمٌ

هذا هو ما كنا نسمعه أثناءَ طفولتِنا، حينما كنا في طور تعلُّم الإسلام نقلاً عن آبائنا وأمهاتِنا. كان هؤلاء الآباء والأمهات يقولون لنا إن جميع اليهود والنصارى كفَّارٌ وسيذهبون إلى جهنَّمَ. خلافاً لنا نحن المسلمون الذين فضَّلنا عليهم وخصَّنا بالإسلام.

ما كنا نفهمه، ونحن صِغارا، هو أننا، بصفتنا مسلمين، أننا أفضل من اليهود والنصارى، الكفار. بل، أحيانا، كانوا يقولون لنا أننا أفضل من الآخرين، أي أفضل من جميع الناس، فقط لأننا مسلمون.

فلما كبُرنا، وجدنا أنفسَنا أمامَ احتمالين. الاحتمالُ الأول يفرض علينا تصديقَ ما قاله لنا آبائنا وأُمهاتُنا. والاحتمال الثاني يفرض علينا التَّأكُّدَ من ما قالوه لنا. ومَن سيُشغِّل عقلَه، لا مفرَّ له من الاحتمال الثاني.

ولهذا، فإذا تمعَّنا في هذه المقولة التي هي عنوانُ هذه المقالة، وحلَّلناها تحليلاً عقلانياً، مُتبصِّراً ومنطِقِيا واعتَمدنا في هذا التَّحليل على ما وَردَ في القرآن الكريم، فسنجد أنها بعيدة كل البُعد عن الحقيقة، بل ومُخالِفة لما نصَّ عليه هذا القرآن. واللهُ، سبحانه وتعالى يقول في الآية رقم 62 من سورة البقرة : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة، 62). في هذه الآية، "الَّذِينَ آمَنُوا" هم المسلمون، "وَالَّذِينَ هَادُوا" هم اليهود، "وَالنَّصَارَىٰ" هم المسيحيون، "وَالصَّابِئِينَ" هم مَن تركوا دينَهم واعتنقوا الإسلامَ. وهؤلاء، بما فيهم اليهود والنصارى، كلُّهم، إذا آمنوا بالله وبوحدانيته وآمنوا باليوم الآخر وقاموا بأعمالٍ صالحة في الدنيا، "…فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

وهذا يعني أن هذه المقولة لا أساسَ لها من الصحة. بل ليست إلا تنميط stéréotypie تناقله ويتناقله عامة الناس من جيلٍ إلى آخر بدون تفكير. بل إنها تكرارٌ مُتوارثٌ تتناقله الأجيال بدون تفكير.

وما يزيد في الطين بلَّةً، هو أن بعضَ علماء وفقهاء الدين يُروِّجون نفسَ الفكرة، مُعتمدين على ما جاءَ في الآية رقم 110 من سورة آل عمران التي نصُّها: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ".

فإذا تعلَّقَ الأمرُ بعامة الناس، قد نُبرِّر وجودَ مثل هذه المقولة بكون جل الأحاديث التي يتداولها الناس في حياتِهم اليومية، هي أقوالٌ يتناقلها الناسُ، كما سبق الذكرُ، بدون تفكير. وما يجعل هذه المقولة مجرَّدَ أقوالٍ متداولة بدون تفكيرٍ، هو أنه لا أحدَ يملك ولو دليلاً قطعِياً واحدا يُتبثُ صحتها أو عدم صحتها. فهي أحاديث تدخل في نطاق ما نُسمِّيه، نحن المغاربة "تْقَرْقِيبْ النَّابْ".

أما عندما يتعلَّق الأمرُ ببعض علماء وفقهاء الدين، فأنا، شخصيا، لا أدري من أين أتوا بهذا التفضيل. التَّفسيرُ الوحيدُ، هو أنهم تغافلوا، عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ، عن أن "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…" مشروطة ب"تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…"، أي أن خيرَ أمة أُخرِجت للناس هم المسلمون، لكن المسلمين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

كل هذه التَّوضيحات تُبيِّن لنا أن المقولةَ، التي هي عنوانُ هذه المقالة، تُفيد بأنه، بمجرَّد ما يكون الناسُ مسلمين، فهم من الأخيار. فما هو السببُ أو الأسباب التي جعلت بعضَ علماء وفقهاء الدين يُروِّجون هذه المقولة؟

قبل الجواب على هذا السؤال، ما يُثيرُ الانتباهَ، هو أن تحليلَ المقولة التي هي عنوانُ هذه المقالة، يدفعنا إلى الإدلاءِ بالملاحظة التالية : "إذا كان المسلمُ أفضلَ من الآخرين، فهذا معناه أن هناك أدياناً أخرى". وسأبيِّن، فيما بعد، أن الدينَ الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، لجميع الناس، هو دينٌ واحد لا ثانيَ له.

وجواباً على السؤال المُشار إليه أعلاه، أي : "فما هو السببُ أو الأسباب التي جعلت بعضَ علماء وفقهاء الدين يُروِّجون هذه المقولة؟

فإذا روَّجَ هؤلاء العلماء والفقهاء هذه المقولة عن غير قصدٍ، فهذا يعني أنهم لم يُشغِّلوا عقولِهم بما فيه الكفاية. وإذا روَّجوها عن قصدٍ، فهذا يعني أن لهم مصلحة في إغفالِ المعنى الحقيقي للآية رقم 110 من سورة آل عمران. فما هي هذه المصلحة؟

المصلحة الأساسية التي يعضُّ عليها علماءُ وفقهاءُ الدين بالنواجد، هي أن يبقوا مُسيطرين، داخلَ المجتمعات الإسلامية، على عقول الناس. بل منعُ هذه العقول من التَّفكير كي لا تصل إلى حقيقية الإسلام المنصوص عليه في القرآن. وكي لا تصلَ، كذلك، إلى ما يُخفيه هؤلاء العلماء والفقهاء عن الناس.

ولهذا، فاجتهادُهم، كلُّ اجتهادِهم يتمَركز حول تقديم الإسلام، كدينٍ، للناس بكيفية تخويفية وترهيبية وفيها وعيد وتوعُّد. علما أن إسلامَ علماء وفقهاء الدين مخالف لذلك الذي أتى به القرآن الكريم. إسلامُهم فيه قهرٌ وتضييقٌ وإجبارٌ وإكراهٌ وإخضاعٌ… بينما إسلام القرآن الكريم فيه يُسرٌ واختيارٌ وتسامحٌ وعدلٌ ولطفٌ ورحمةٌ…

وفي الختام، ما لا يجب إغفالُه، هو أن هذه المقولة التي هي عنوانُ هذه المقالة، توحي بأن المسلمين لهم دينٌ والنصارى لهم دينٌ واليهود لهم دين. بينما الدينُ الذي نصَّ عليه القرآن الكريم، دينٌ واحد، وهو الإسلام، منذ نوحٍ عليه السلام إلى آخِرِ الأنبياء والرسل، محمد (ص)، مصداقا لما جاء في الآيات الكريمة الموالية :

1."وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (البقرة، 132).

2."أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة، 133).

3."قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة، 136).

4."فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران، 52).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...