جمعي شايبي - شروط النهضة... مالك بن نبي

..لقد أمعن فيلسوف الحضارة وعبقريها الراحل مالك بن نبي النظر في مشكلات الحضارة فألم بتأمله العميق وذكائه الوقاد بأدق تفاصيل معضلاتها بعمق تأمله ودقة تحليلاته المذهلة بعيدا عن سطحية أنصاف الفلاسفة وأشطار المفكرين .. فجاد الله عليه من فضل الفهم وحسن التأويل ومكنه بنبوغه الفريد من سن القوانين والحلول الجديرة بالتخلص من مشكلات تخلفنا المزمنة .
مستمدا من الآية الكريمة : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) مفتاحا لبوابات ذواتنا الموصدة كشرط أولي للتقدم في مسيرتنا الحضارية .
وخطوتنا الأولى على الطريق الصحيح مجاراة لخطو ما سبقنا من العماليق من سائر الأمم المتطورة والحضارات الراقية المتقدمة .
شروط النهضة هو نقد دقيق وثيق وتحليل عميق ومنطق صارم يرتكز على ثالوث الإنسان والتراب والوقت كمكونات أساسية للحضارة التي يلزمها العنصر الديني لتركيبها وإعطائها شرارة الإنطلاق وفعل التخصيب .
يتطرق المفكر مالك بن نبي لكل مركب من هذه المكونات الثلاث على حدى فيعرض أعقد مشكلاتها ويقترح أمثل الحلول وأنجعها .
إذ أن توافر إنسان أمي وتراب بائر ووقت مهمل ضائع ما هو إلا توطن في الركود وغرق في الخمول والخمود والسكون والجمود وعزوف مقيت عن الحركة وتنكب عن السير في ركب التاريخ وانجراف ضد تياره حيث الضياع والتيه في سرابات خيالاتنا المريضة .
فبدأ في عرض مشكلة الإنسان وبين أن حلها يتكامل في ثلاثة عناصر أساسية هي : توجيه الثقافة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال .
حيث يمكن بهذا التوجيه القويم تحطيم عوامل الإنحطاط.وإعدام رواسبه المتراكمة وتبخيرها .
فبين أن الثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة وأنها فلسفة الإنسان الفرد والجماعة .
فحثنا على الإستثمار في الإنسان لتكوين مجتمع قادر على مواكبة سير الحضارة والتاريخ مدججا بمواهبه العظمى وأفكاره الكاملة المتكاملة وبأهدافه النبيلة الكبرى .
وعلمنا كيفما نجتث ماتغلغل في روحه من دواعي الإنحطاط.ونخلصه مما يحمل بين جوانحه من أثقال الفشل وأحمال البلادة والقنوط وننتزع منه روح الهزيمة وننفخ فيه روح المثابرة والعزيمة .
ونمحو قناعته ورضاه بالأنصاف : نصف فكرة ونصف حل ونصف هدف ونصف طريق فهذه الأنصاف في حقيقتها ما هي إلا نصف إنسان ممسوخ معدم الفكرة خامدا مثقلا بالكسل فارغ اليد معدم الحيلة .
وماهذه الأنصاف إلا علة جهل تسك عملة التعالم الزائفة غير القابلة للصرف في عوالم التقدم والمدنية .
إذ أن كل سياسة تجهل وسائلها سياسة فاشلة مرتجلة وكل ثقافة لا تعرف قيمها ومثلها ما هي إلا ثقافة معطوبة محنطة وعقم إجتماعي تام وشلل حضاري مستحكم وكساح عقلي مستفحل .
وحينما حدثنا عن توجيه العمل حثنا على لزوم تبجيل الأولوية للناحية التربوية فيه على الناحية الكسبية المجردة .
ووازى بين كفتي الواجبات والحقوق بمنطق عدل يضمن لكل جهد ما استحق من أجر .
أما عن توجيه رأس المال فقد ألهمنا مالك بن نبي فهم المعنى الديناميكي لهذا المصطلح العلمي إذ أن المفروض أن يكون رأس المال آلة إجتماعية تنهض بالتقدم المادي لا آلة سياسية كما عالجها كارل ماركس ووضعها في يد البورجوازية لإضطهاد طبقة البرولتاريا .
فتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة تستغل السواد الأعظم من الشعب وضمان مصلحة الفرد على حساب مصلحة الجماعة غطرسة وتخلف واستعباد وأنانية مفرطة لا علاقة لها بالتقدم الحضاري مطلقا .
ورغم ذلك فإن تكوين رأس المال ممكن حتى في البلدان الفقيرة وذلك منوط بتوحد جهود مجتمعاتها وتوجيهها نحو المصلحة العامة اللازمة .
كما أبدع مالك بن نبي في تنويرنا بفهم الفروق الكامنة بين الثروة ورأس المال بضرب أروع الأمثلة وأمتن البراهين وأحكم أساليب الإقناع والحجاج مبينا لنا أن درهما يخرج ويدخل ويتحرك وينتقل من بلاد إلى بلاد هو رأس مال وأن مليارا يقبع ساكنا في خزانة مالكه ثروة ترفل في محيطها الضيق .
إن الأمر يتعلق بالكيف لا بالكم وأن الفرق بين تكديس الثروة وتحريك رأس المال هو طبع المال بطابع الديمقراطية وبين طبعه بطابع الإقطاع .
لقد منح مالك بن نبي لمشكلة الإنسان وحلولها بتوجيهاته الحكيمة الثلاث الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من مؤلفه المبهر لأن الجهل كل الجهل عدم إدراك وفهم معنى توجيه الثقافة وتوجيه العمل ورأس المال والجهل بكيفية تكتل هذه الطاقات الجبارة الخارقة والمادة الخام .
فماذا تجدي ملايين العقول الفارغة وملايين السواعد العاطلة وملايين الأموال المهدرة وإن كثرت دون توجيه ؟.
لما انتقل مالك بن نبي إلى الحديث عن العنصر الثاني إلى مشكلة التراب ألهمنا فهم التراب كقيمة إجتماعية مستمدة من قيمة ساكنته و أهاليه وضرب لنا في ذلك مثل خطورة ظاهرة التصحر بعظيم تهديداتها وجسيم مضارها فأمتع وأبهر .
مبينا أن أكفان الرمال الزاحفة دون عمل نرد به غائلة الصحراء هو تصحر ذاتي تام .
أما حين تطرق لآخر المركبات الثلاث أي عنصر الوقت فقد أطلعنا على ضرورة فهم الوقت كقيمة تعزز البقاء والخلود لا كفرصة لتحصيل الفاني من النعم وتحقيق الثراء .
فعملة الوقت الذهبية هي ساعات العمل والوقت الذي لا يشغل بالعمل يفضي إلى العدم .
فبتجديد معنى فكرة الزمن يتجدد معنى التأثير والإنتاج .
وما أحوجنا إلى أن نخطو أوسع الخطوات لكي نعوض ونتدارك هول تأخرنا .
ولنا في ألمانيا من بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها خير مثال على أهمية وفعالية عنصر الوقت إذ انبعث شعبها من تحت الركام والرماد ومن الموت فاجترح واحدة من أكبر المعجزات في أوجز وقت ولنا أن نتأمل فكرة : الفرد من أجل المجتمع والمجتمع من أجل الفرد .
ختم مالك بن نبي رحمه الله تحفته الفكرية الخالصة بتطرقه للحديث عن مشكلة الإستعمار باعتباره من وجهة نظر تاريخية نكسة في التاريخ الإنساني في ظل غياب ضمير يردع أو قانون يمنع .
واعتباره من أكبر المعوقات الخارجية التي تسببت في تخلفنا وتقهقرنا الحضاري المؤلم .
كما تطرق بعدها إلى مشكلة القابلية للإستعمار باعتبارها من أكبر المعوقات الداخلية التي ساهمت في سقوطنا الحضاري المخزي .
وأن التخلص من هذه المتلازمة الثنائية العدائية القاتلة يكمن في مقولة مفادها :
أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم .
لأن اعتناءنا بحل المشاكل التي مهدت للإستعمار وسهلت تغلغله في البلاد منجاة من معاودة السقوط في أتون الغطرسة والعبودية والإستبداد .
علينا أن نوقن جميعنا بأن البعث الروحي والبعث الفكري هما عماد كل حضارة في سيرها الحثيث .
لأن الوثنية فعلا لا تغرس الأفكار بل تنصب أصناما
فحيثما تغرب الفكرة يبزغ الصنم .
وأنه لن يكون بمقدورنا تغيير التاريخ ونحن نتقاعس عن تغيير أنفسنا .
وأن نعلم بأن الإنحلال الفكري تفسخ حضاري شنيع .
لقد اطلع العبقري مالك بن نبي على السر الخفي لمأساة الحضارة فأرق ذلك ضميره الحي فنذر حياته لإطلاعنا على أنوار الحضارة وشموسها الساطعة وعلى ظلمات الإنحطاط والجهل ودياجيرهما الدامسة الحالكة .
لكن المؤسف حقا أن يغدو فكر مالك بن نبي جرأة فرد لا نهضة أمة وثورة شعب .
وكيف لا نأسف على أمة تزهد في خيرة علمائها ؟.
رحم الله العلامة الفهامة الجهبذ النحرير مالك بن نبي وطيب ثراه .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...