د. أحمد الحطاب - هل فضيلةُ الاعتراف يُعملُ بها في المؤسسات العمومية؟

ما أقصده بكلمة "فضيلة" vertu، هو الصفة التي يتميَّز بها شخصٌ ما، وتجعل منه شخصا خلوقاً أو شخصاً يتمتَّع بأخلاق سامية. أما "الاعتراف"، فهو فضيلة أخلاقية أصبحت، في أيامنا هذه، عُملةً نادرة. فعندما نقول، مثلا، فلانٌ "اعترف بخطئه"، فالمقصود هو أن هذا الفلانَ أقرَّ بهذا الخطأ، أي أنه لامَ نفسَه عل ارتكابه هذا الخطأ، وخصوصا، لما يكون هذا الخطأ فيه أدى أو ضرر للغير. ولما نقول إن فلانا "اعترف بالجميل"، فالمقصود هو أن هذا الفلانَ أعرب عن امتنانِه وعن شكره لمَن قدَّم له هذا الجميل. وفي هذا النِّطاق، يدخل الاعتراف بما تٌحقِّقه المواطنات ويُحقِّقه المواطنون من إنجازات في مختلف المجالات.

وفي هذا الصدد، شاهدتُ يوم الإثنين 16 ديسمبر 2024، على شاشة التلفزيون المغربي، وبالضبط، على شاشة القناة الثالثة الرياضية، حفلَ تقديم الجوائز لمَن هم بارِعون ومُبدِعون، ومُتفَوِّقون رجالاً ونساءً، أفراداً وفِرقاً، في لعبة كرة القدم على المستوى القاري الإفريقي.

كان حفلاً رائعا من حيث التنظيم ومن حيث تَعدُّد وتنوُّع الجوائز. وأنا أشاهد هذا الحفلَ، كمواطنٍ يريد الخيرَ لبلاده، انتابني شيءٌ من الحزن جعلني أطرحُ على نفسي السؤالَ التالي : "لماذا، على غِرار ما تقوم به الكُنفدرالية الإفريقية لكرة القدم، لا يقوم المسئولون المدبِّرون للشأن العام بنفس المبادرة للاعتراف بما يحقِّقُه بعض المواطنات والمواطنين من إنجازات في شتى المجالات.

والإنجازات المُستحِقَّة للاعتراف موجودة بكثرة وتكاد تكون يوميةً. غير أن أغلبَها يعترف بها، فقط وحصريا، أصحابُها، وبالتالي، لا يعرفها إلا الصَّمت الرهيب. لماذا؟

لأن فضيلةَ الاعتراف la vertu de la gratitude ليست من الصفات الأخلاقية الحميدة للإدارة المغربية، أو بالضبط، ليست من تقاليد المؤسسات العمومية.

والدليل على ذلك أن هذه المؤسسات، عندما يقترب أحدُ موظَّفيها من سنَّ التقاعد، كيفما كانت مساهماتُه وعطاءُه أثناءَ سنوات عملِه، تكتفي ببَعث رسالة له تشكره، من خلالها، على الخدمات التي قدَّمها للإدارة المغربية. ومضمون هذه الرسالة ليس مُكيَّفاً مع عطاء وإنجازات الموظَّف. بل إن مضمونَ هذه الرسالة عام ومتعدِّد الاستنساخ polycopié لسببٍ بسيطٍ، كونها تُبعَثُ لجميع الموظفين عند اقترابهم من سنِّ التقاعد. بمعنى أن المؤسسات العمومية لا تكلِّف نفسَها عناءَ الاعتراف بما قدَّموه لها بعض موظَّفيها من عطاءٍ وإنجازات.

وأنا شخصيا لي تجربةٌ مُرة في هذا الصدد. لما كنتُ موظَّفاً مسئولاً بوزارة التَّعليم العالي، حصلتُ على دكتورة الدولة من جامعة لافال université Laval بكندا Canada، كيبيك Québec. ولا أحدُ من المسئولين الرسميين (أقصد الوزير والكاتب العام والمٌدراء المركزيين) les responsables officiels حرَّك ساكنا.

بل حصلتُ، وأنا موظَّفٌ بوزارة التَّعليم العالي على جائزتين deux prix في مجال التَّربية البيئية éducation environnementale، الأولى من مجلس الوزراء العرب، المكلَّفين بالبيئة، التابع للجامعة العربية. والجائزة الثانية من جامعة لافال بكندا، مُكافأةً لأحسن أطروحة دكتوراة thèse doctorale في مجال التَّربية البيئية. ولا أحد من المسئولين الرسميبن حرَّكَ ساكنا. وبالطبع، الحصول على جائزتين، في نفس السنة (1996) وفي نفس المجال، هو إنجازٌ يستحق التشجيع.

بل لما أصبحتُ مديرا للبحث العلمي، لم أتلقَّ ولو تهنئةً واحدةً من المسئولين الرسميين، بينما تلقَّيتُ كثيرا من التهاني من الأساتذة الجامعيين ومن موظَّفي الوزارة.

أما لما اقتربتُ من سنِّ التَّقاعد، تلقَّيتُ، كباقي الموظفين، الرسالة المُعمَّمة المعهودة. ولا أحد من المسئولين الرسميين التفتَ لي أو أمر بتنظيم خفلَ وداعٍ. بينما الموظَّفون الذين كانوا يعملون في مديرية البحث العلمي التي كنتُ مديراً عليها، نظَّموا على شرفي حفلَ وداعٍ، بل قدَّموا لي جوائز ثمينة مشكورين عليها. ونفس الشيء حظيتُ به من طرف بعض رؤساء الجامعات.

ونفس الشيء عاينتُه لما وصل، قبلي، بعض الزملاء collègues إلى سن التَّقاعد. لا أحدَ من المسئولين الرسميين التفتَ لهم. غادروا الوزارة حاملين، فقط وحصريا، الرسالة المُعمَّمة المعهودة.

فهل نحن في حاجةٍ أمام هذه الأحداث، للبرهنة على أن الاعترافَ، كفضيلة أخلاقية، une vertu morale، ليس من شِيَمِ الإدارة المغربية بصفة عامة. وإن حدث هذا الاعتراف، هنا وهناك، فهو، فقط، استثناء يزكِّي القاعدة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...