د. محمد عباس محمد عرابي - من ملامح وصف المكان في قصص الأديب خالد همام(3)

عرض /محمد عباس محمد عرابي


تتطلب شعرية المكان في القصة القصيرة إبصار وتحليل هذا المكان من خلال الرؤية التي تتخذها الشخصية القصصية، ويُعاش المكان في ضوء الفضاء القصصي الذي تتم وتحدث فيه الأحداث، وتتحرك فيه الشخصيات.

ويعد الوصف نوعًا من التصوير، ووصف المكان يعتبر شكل إنشائي يتناول وصف الأشياء الواقعية في مظهرها الحسي، وانطلاقًا من ذلك اهتم الأديب خالد همام في قصصه بشعرية المكان من خلال أسلوبه المتميز، وبيانًا لذلك كان هذا المقال (المقال الثالث): ملامح شعرية المكان في قصص الأديب خالد همام:

من الأماكن التي تناولها الأديب خالد همام في قصصه: البيت وغرفه الصغيرة، المطبخ، المخبز، السوق، وفيما يلي بيان ما قاله في ذلك:

*المنزل وإدارته في بعض الدول:

تحدث الأديب خالد همام في قصة "باتعة في حياة المعيز ..."عن المنزل وإدارته في بعض الدول حيث تقوم مديرة المنزل (العاملة المنزلية) بتدبير شؤون المنزل حيث يقول من خلال حوار شيق بين شخصيات القصة:

"خير يا باتعة ...
قولي وليكي الأمان.
تبسمت باتعة وسرحت أصابعها على صلعة مسعود وقالت:
أنا سمعت إني فيه أسر محترمة في الخليج بتطلب مديرة للمنزل تراعي شئون البيت وتاخد بالها من العيال وكده يعني وبفكر أعمل جواز سفر وأشوف إعلان زي كده وأسافر علشان ابعتلك عملة صعبة تعينك وتخلي حياتك سهلة ..."

* البيت وغرفه الصغيرة:

تحدث الأديب القاص خالد همام في قصصه عن البيت وغرفه الصغيرة،ومنور البيت فها هو مسعود يعزل نفسه في منزله حينما ظهرت عليه أعراض متحور الكورونا الجديد يقول أديبنا خالد همام في قصة "

مسعود في العزل المنزلي ... "

وصلت الأنباء لمسعود بأنَ بعض زملاء المصلحة ظهرت عليهم أعراض متحور الكورونا الجديد فقرر أن يعزل نفسه ذاتيا خوفا على أسرته.

اتخذ مسعود من غرفة صغيرة على سطح بيته مقرا جديدا ليعزل نفسه فيها واتفق مع زوجته على قواعد هامة منها:

عدم صعود أي فرد من الأسرة للسطح والتعامل معه من خلال سبت يتدلَى من منور البيت ويوضع فيه الطعام والشراب بعناية وحرص.

مضى الأسبوع الأول من العزل ومسعود مرابط على سطحه كالصقر يراقب حركة الطيور ويتأمل في كون الله الفسيح ويستمد من نور القمر المجاني طاقة هادئة وناعمة تشحن عقله الباطني ومشاعره الحزينة ليبدأ بها مرحلة التعايش الآمن من كورونا الغادر القاتل."

فقد تفاعلت شخصيات القصة من خلال الحوار المعبر في بيان أدق تفصيل البيت وغرفه، وتوظيف هذا البيت والغرف في توجيه السرد القصصي.



المطبخ :

بين الأديب خالد همام في قصة "مسعود في المطبخ العربي ..."أن المطبخ في عيد الأضحى مصدر من مصادر البهجة حيث يقول:" هل خميس الثاني من أيام التشريق للحج الأعظم من عام ١٤٤٤ لهجرة الحبيب ( محمد ) الذي أضاء الدنيا بنور الحق والإنسانية ...

وصلت اللحمة لكل بيوت الحارة..... عبق المرق والسلق والتحمير والشواء لف بيوت البسطاء قبل الأغنياء .

هدايا أصحاب الأضاحي دقت على قلوب الصغار والكبار.

ها هي باتعة في مطبخها تترنم بأغاني العيد وهي تجهز لطبق الفتة المزين باللحم والثريد ومسعودها يقف أمام مرآة الحمام يعدل من وضعية شاربه المبعثر تحت نظارته المقعرة.

كل المؤشرات تدل على ليلة هانئة تضمن شبع القلوب بعد البطون وربما تبعث في العقل لمحة من تاريخ عظمة وقوة حضارة المسلمين في عهد هارون الرشيد."

وتحدث الأديب / خالد همام أيضًا عن تدبير المرأة المصرية في مطبخ بيتها لتوفير واجبات الطعام البسيط حيث يقول في قصة "باتعة في المعاش المبكر ... حيث يقول: "هبت رياح خميس جديد من خمسان ديسمبر البارد العريض لعام ٢٠٢٤ من ميلاد السيد المسيح _ عليه السلام _

باتعة في مطبخها تفكر وتخطط وتدبر في كيفية إعداد وجبة الخميس لأفراد أسرتها بحارة الفقراء."



السوق : تحدث الأديب خالد همام في قصته "باتعة في خريف الحارة ... "عن السوق وما يتم فيه شد وجذب في عملية البيع خاصة مع البسطاء حيث يقول :"

كعادتها باتعة استيقظت قبل شروق شمس الخميس متوجهة إلى السوق تدبر منه على قدر ما معها من جنيهات ضعيفة المقاومة احتياجات الأسرة من خضار وزفر .

بعد شد وجذب ...

وفصال وصداع ...

وحرمان وأمل ..."

*وتحدث عن أحوال الأسواق في ظل غلاء الأسعار وذلك في قصة "باتعة في إسعاد الحبيب ... " حيث يقول

نسجت شمس الخميس خيوطها الذهبية على حارة العيش والملح بقاهرة المعز مع نسمات من الهواء البارد لتعلن أنه الخميس الأخير في عمر شهر أكتوبر العظيم من عام ٢٠٢٤ م .

جالت باتعة في السوق لتبتاع ما تستطيع شرائه بالمائة جنيه المحشورة بين صدرها وملابسها الداخلية.

لم تجد مفرا إلا التنازل عن اللحم المستورد فقد فاق سعر نصف الكيلو منه إمكانيات ورقتها المئوية بل وزادت مساحة التنازل فطرحت عن بالها فكرة شراء أي من مكونات الدجاج الحي أو المجمد."

والسوق هنا بطله الشخصية الرئيسة في القصة "باتعة" من خلال تصرفاتها وسلوكياتها الحكيمة القائمة على شراء السلع وفق إمكانياتها المادية المتاحة .

عيادة الطبيب:

تحدث الأديب خالد همام في قصة " باتعة في تشخيص أبو تابلت ..."

تابعة في تشخيص أبو تابلت ... حيث :" في خميس حار سقطت باتعة في المطبخ!

وكيف لا تسقط وكل ما حولها ساخن بداية بنار البوتجاز المسطح ومرورا بنار أسعار الطماطم والبطاطس ونهاية وليس لها نهاية بسعر أسطوانة البوتجاز .

حمل مسعود باتعة على كتفه وعقله متوقف تماما عن التصرف الأمثل في مثل هذه الحالة.

صرخت جارته (عيشة) في أذنه العريضة قائلة:

في الشارع الكبير اللي فاتح على الميدان هتلاقي عيادة دكتور الغلابة ... الناس كلها عارفاها ... ادخل بيها العبادة وأنا هروح أجيب الدكتور من بيته... أنا عارفة البيت كويس .

نفذ مسعود توصيات الست عيشة ووضع باتعة في قلب العيادة وبها ممرض عجوز.

طال الانتظار وباتعة في إغمائها!

حاول الممرض العجوز تقديم الإسعافات الأولية ولكن مسعود طلب منه انتظار الطبيب.

بعد ساعة ونصف وصلت الست عيشة تجر في يدها شاب صغير يحمل تابلت ."

فقد استعراض الأديب خالد همام ما يتم في حالة وجود مريض بالمنزل والحارة من عرض آراء تساعد في سرعة إسعاف المريض، واستعرض ما يتم في بعض العيادات

*المخبز:

أشار الأديب خالد همام "باتعة في قمة الامتنان ... "عن مكان يتردد عليه الجميع ألا وهو مخبر الخبز، وتحدث عن الأوضاع والتحسينات التي يلمسها الناس في حالة زيارة مسؤول للمخبز يقول "شمس خميس جديد تشرق على باتعة وهي في طريقها للمخبز البلدي لتحصل على حصة أسرتها من الخبز المدعم .

قبل الوصول للمخبز لم تسمع باتعة الضجيج المعتاد ولم تلمح الطابور الطويل المزدحم بالبشر من كل الأعمار حتى ظنت أن المخبز معطل هذا اليوم أو مغلق بأمر المحافظ الجديد فبدأت تشعر بالقلق.

أخيرا حطت أقدام الباتعة أمام المخبز العتيق فوجدت صاحب المخبز على رأس الإنتاج والعمل وهو مشرق الوجه ...رائع البسمة ... وجهه يقطر نورا وحبا لزبائنه البسطاء.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد لمحت باتعة بنظرها الثاقب أرغفة الخبز المستديرة الطازجة وهي تتلألأ على السير الجرار وكأنها أقمار في ليلة تشبه ليلة القدر"

فببراعة فائقة استطاع الأديب خالد همام رصد الواقع الذي يحياه ويعيشه الناس عند زيارة مسؤول وخاصة إذا كان الأمر بزيارة حاكم الأقليم .

*الخلاصة:

ويخلص الباحث من ذلك إلى براعة القاص الأديب خالد همام في بيان أدق التفاصيل المتعلقة بالأماكن المختلفة التي أوردها في قصصه من خلال وصف دقيق محكم واضح يتفاعل معه القارئ والمتلقي بمشاعره وأحاسيسه ؛حيث تحدث عن المنزل وإدارته من قبل مديرة المنزل في بعض الدول مبينا مواصفات هذه المديرة والمهام الموكلة بها، كما تحدث عن المنزل في حالة العزل المنزلي لأحد أفراد الأسرة به، مصورا طبيعة المنزل خلال ذلك ،كما برع في حسن إدارة المرأة المصرية لشؤون المنزل والمطبخ من طهي الأطعمة المفيدة وغير المكلفة ،جاء ذلك بأسلوب بسيط وفكرة واضحة وحوار ممتع شيق .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...