د. أحمد الحطاب - السياسة بين تصريحات الحكومة و واقع عيش المواطنين

منذ أن تولَّى الائتلاف الحزبي الثلاثي زمامَ تدبير الشأن العام والغموض السياسي مُهيمِنٌ على العلاقة القائمة بين جماهير الشعب المغربي والحكومة. العلاقة التي كان من المفروض أن يكونَ خيطُها الناظمُ هو الشفافية وقول الحق مهما كان مُزعجاً.

فكم من مرة خرخ لنا رئيسُ الحكومة، بمناسبة إجابتِه عن أسئلة البرلمانيين، في الغرفتين، وشنَّف مسامعَنا بحصيلةٍ bilan أقل ما يُقال عنها أنها تتناقض مع الواقع المعيشي لجماهير الشعب المغربي. بمعنى أن خطابَ discours رئيس الحكومة في وادٍ و واقعُ عيش المغاربة في وادٍ آخرَ كلُّه معاناة وشِدَّة وضيق.

صحيحٌ أن هناك إنجازات من حق أحزاب الحكومة أن تفتخِرَ بها. لكن هذه الإنجازات لم تُغيِّر، ولو بقيد أنملة، في واقع عيش المواطنين. غلاء المعيشة مستمرٌّ والبطالة (وخصوصا، بطالة الشباب وخريج الجامعات) في ازدياد. ناهيك عن الفساد الذي أصبح أخطبوطاً مفروضا على الناس.

وهذا يعني أن الحكومة الحالية، عوض أن تتصدَّى لجذور المشاكل التي يعاني منها المواطنون في حياتِهم اليومية، فإنها تكتفي بالكلام الفارغ الذي لا يُسمِن ولا يغني من جوع. لدرجة أن مَن يسمع خطابَ وزراء الحكومة الحالية في البرلمان وفي الندوة الصحفية التي تأتي بعد كل مجلسٍ حكومي، يظن أن المغاربة يعيشون في رخاء.

والمشاكل التي يُعاني منها المواطنون في حياتهم اليومية كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :

1.لا تزال الفوارق الاجتماعية les inégalités sociales والمجالية spatiales قائمة بين المواطنين وبين الجهات، إن لم نقل بين مدينة وأخرى أو بين جماعة محلية وأخرى. وهذه الفوارق الاجتماعية تبدو صارخةً ومُزمِنة بين العالم القروي والعالم الحضري. صحيحٌ أن بلادَنا حقَّقت، فيما يخصُّ البنيات التحتية les infrastructures تقدُّما هائلاً. لكن انعكاس هذه البنيات على جودة عيش المواطنين غير واضح، إن لم نقل غائب. وبالطبع، كل ما ينتظره المواطنون من هذا التَّقدُّم الذي لا يُنكِره إلا الجاحدون، هو أن ينعكسَ بالإيجاب على تحسين ظروف عيشهم.

2. البطالةُ chômage والتَّضخُّم inflation بلغا في عهد الحكومة الحالية مستوياتٍ لم يسبق أن سجَّلها تاريخ الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام. وكلنا نعرف أن البطالةَ هي تعبيرٌ عن عدم التَّوازن بين عالم الإنتاج أو عالم المقاولات وبين ما تُنتِجه الجامعات المغربية من حاملي الشهادات. بل قد نقول إن عدمَ التَّوازن هذا يُوحِي لنا بأن هذا العالم لا يُنتِج الثروة. وإن أنتجها، فما هو مآلُها؟ وكلُّنا نعرف أن التَّضخُّم ينعكس سلباً على القدرة الشرائية le pouvoir d'achat للمواطنين. فكلما زاد التَّضخُّمُ حجماً، كلما ارتفعت أسعار البضائع الضرورية للعيش اليومي للمواطنين. وكأن أحزابَ الائتلاف الحكومي تعيش في عالمٍ غير الذي يُعاني فيه المواطنون غلاءَ العيش من جراء التَّضخُّم.

3.التربية والتَّعليم، الركنان الأساسيان في بناء الإنسان المغربي، لم يظهر عليهما أيُّ تحسُّنٍ منذ انطلاق آخر إصلاح سنة 2015. مرَّت ما يناهز عشر سنوات، ونحن مُطلون على سنة 2030، ولا أحدَ يعرف نتائج هذا الإصلاح. بل عوَّدتنا الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام، على صياغة إصلاحات المنظومة التَّربوية وإنزالها على أرض الواقع وتركها على حالها. وكأن الإصلاحَ يملك عصا سحرية بإمكانها التأثير على المنظومة التربوية عوض البشر. العبرة ليست في تحويل الإصلاح إلى قانون ملزم. بل العبرة تكمن في تتبُّع هذا الإصلاح خطوة بخطوة لمعرفة هل، فعلاً، له انعكاسات على تجويد الخدمات التعليمية والتَّربوية داخلَ الأقسام وخارجَها.

4.الصحة، على ما يبدو، غير خالية من المشاكل هي الأخرى. وأهم هذه المشاكل الفرق الصارخ بين البنيات التحتية (المستشفيات)، أحيانا رفيعة التَّجهيز، وبين الخصاص الهائل من حيث الأطباء وطاقم الممرِّضين والمساعدين الطِّبيين. ناهيك عن الانقطاع الذي تعرفه بعض الأدوية، وخصوصا، تلك التي تُعتبر مصيرية بالنسبة للمرضى. وناهيك، كذلك، عن الثقل المالي الذي تعاني منه الأسر عند شرائها من الصيدليات.

أكتفي بهذه المشاكل التي لها علاقة بالعيش الكريم للمواطنين، علما أن هذه المشاكل كثيرة، وأحيانا، معقَّدة. ولهذا، فالحكومة مُطالبةٌ بإيجاد حلول مستدامة لها وليس حلولا ترقيعية سرعان ما يختفي أثرُها على جودة عيش المواطنين.

بل الحكومة، عوض أن تُزكِّي نفسها بالتَّباهي بإنجازاتٍ لا انعكاسَ لها على تحسين واقع عيش المواطنين، ما هو مطلوبٌ منها، هو أن تدرس هذا الواقع لتجدَ له حلولاً مطابقة لتطلُّعات المواطنين. ولا داعيَ للقول أن الواقع يفرض نفسَه، ليس فقط على المواطنين، بل كذلك، على الحكومة التي، من واجبها، أن تتصدَّى لمشاكلِه.

قد يقول قائل إن الأزمةَ الاقتصادية عامة وتُعاني منها كل بلدان العالم، بما فيها الدُّول القوية اقتصاديا. لكن المواطنين لا يهمُّهم أن تكون الأزمة عالمية. ما يهمُّهم، هو أنهم اختاروا، عبر الانتخابات، أحزاباً سياسية معيَّنة دون أخرى. واختيارُهم هذا ليس لسواد أعين الأحزاب السياسية التي اختاروها، لكن لتستجيبَ لتطلُّعاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

والحقيقة كل الحقيقة أن أيَّة حكومة، كيفما كانت توجُّهاتُها السياسية، يمينية، يسارية، وسطية، ليبرالية، اشتراكية…، إن لم تُحارب أخطرَ آفةٍ fléau ابتُلِيَ بها مشهدُنا السياسي والمُتمثِّلة في الفساد، فإنها تساعد على انتشار هذا الفساد وتوغُّله في مختلف دواليب الدولة والمجتمع.

والفساد، كما هو متعارفٌ عليه، عائقٌ من عوائق التنمية وإنتاج الثروة. وإن لم تُفعِّل الحكومةُ مبدأَ "ربط المسئولية بالمُحاسبة"، فإنها تغض الطَّرفَ عن الفساد وعن المصائب التي يجرُّها وراءه. فلا غرابةَ إذن أن يستمرَّ اختلاس المال العام وأن تنتشِرً المحسوبية والزبونية والغش والتَّهرُّب الضريبي والرشوة، إلى غير ذلك من أوجه الفساد.

ورغم هذه اللوحة السوداء التي توحي بالتشاؤم، فإن هذه اللوحة نفسها فيها جانب يوحي بالتَّفاؤل وبالنجاحات المُترتِّبة عن التَّقدم الذي تُحقِّقه بلادُنا في مجال تشييد البنيات التَّحتية وفي المجال الدبلوماسي.

في مجال تشييد البنيات التَّحتية، ما هو آت بعد سنوات، أحسن بكثيرٍ مما تحقَّق في السنوات الأخيرة. أنبوب الغاز نيجريا-المغرب ومينائي الناظور والداخلة وإنتاج الهيدروجين الأخضر وتوسيع نطاق إنتاج الطاقات المُتجدِّدة، مشاريع ضخمة ستستفيد منها بلادُنا، كما ستستفيد منها بلدان افريقية كثيرة.

أما في المجال الدبلوماسي، أكبر النجاحات التي حقَّقتها الدبلوماسية المغربية، هي انتصارُ الحق على الباطل فيما يخص وحدتنا الترابية notre intégrité territoriale. هذا النجاح الدبلوماسي الذي جعل كثيرا من الدول تعترف بالحكم الذاتي الذي تقدَّم به المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007. بل إن عدد الدول التي قطعت علاقاتها أو علَّقتها مع الكيان الوهمي المتمثِّل في الجمهورية الصحراوية المزعومة، في تزايدٍ مستمرٍّ. وآخِر هذه الدول، غانا Le Ghana التي أخبرت الخارجية المغربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة بتعليق علاقاتِها مع الكِيان الوهمي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...