1 /2
عاش شاعر النيل حافظ إبراهيم في قترة كانت فيها مصر تحت السيطرة البريطانية، وكذلك فلسطين تحت ما يسمى الانتداب البريطاني، فقد ولد عام 1872م وتوفي عام 1932م. وأدرك بداية التعاون بين بريطانيا والحركة الصهيونية الذي تجلى في وعد بلفور عام 1917م، الذي فتح لليهود باب الهجرة إلى فلسطين، كما عاصر الاضطرابات التي حدثت بين اليهود والفلسطينيين عام 1929م حول السلطة على حائط البراق في القدس، التي قتل فيها الجيش البريطاني مئة وستة عشر فلسطينيًا وجرح مئتين واثنين وثلاثين. وفي النهاية استطاع اليهود عام 1848م، من خلال عمليات القتل والتدمير، طرد الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، وتأسيس كيان لهم مع انتهاء الانتداب البريطاني.
وقف حافظ إبراهيم في وجه الاحتلال البريطاني لمصر، وتغنى بماضيها الفرعوني، ومدح رجالها العظام، مثل مصطفى كامل وسعد زغلول. ومجد وحدتها مع السودان، ولهذا لقبه صديقه أحمد شوقي بشاعر النيل، وهاجم بريطانيا وسخر من مندوبها كرومر في حادثة دنشواي، التي نكل فيها الجيش البريطاني بفلاحي قرية دنشواي إثر اتهامهم بقتل ضابط مات بضربة شمس، ورأى بأن الحادثة كانت الشرارة الأولى لمقاومة الإنجليز.
قتيل الشمس أورثنا حياة وأيقظ هاجع القوم الرقود
فليت كرومر قد بات فينا يطوق بالسلاسل كل جيد
لننزع هذه الأكفان عنا ونبعث في العوالم من جديد
كما تجلى في شعر حافظ إبراهيم الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وتقدم المجتمع، وتعليم المرأة، والتعاطف مع الفقراء والمشردين، لأنه عانى في طفولته مرارة الحياة إذ توفي والده وهو في الرابعة من عمره، فكفله خاله ولكن ما لبث أن ضاق به فغادر بيته وهو يخاطبه:
ثَقُلَتْ عليكَ مؤونتي إني أراها واهيَهْ
فافرحْ، فإني ذاهبٌ متوجِّهٌ في داهيَهْ!
من اللافت أن هذه المواقف الوطنية والإنسانية التي تميز بها الشاعر، وتلك القصائد السياسية التي عبر فيها عن تلك الظروف التي مرت بها مصر وشهدها العالم خلت من ذكر فلسطين، فلم يرد ذكرها في شعره، بل لم يرد ذكر اسم مدينة أو قرية من مدنها وقراها، التي تعبق بالتاريخ العربي والإسلامي. كما لم يكن للشاعر موقف من الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولم يعبر عن مشاعره نحو ما حدث في هبة البراق، التي دافع فيها الفلسطينيون عن مقدسات المسلمين.
يدفعنا هذا الموقف إلى الشعور بالدهشة والغرابة. لماذا لم يذكر الشاعر فلسطين أو يتعاطف مع مأساتها في حين تعاطف مع إيطاليا عام 1908 عندما حدث زلزال مسينا، ودمر تلك المديمة التي تقع في جزيرة صقلية بالجنوب الإيطالي، وقال قصيدته المشهورة في تلك الكارثة:
نَبِّئاني إِن كُنتُما تَعلَمانِ ما دَهى الكَونَ أَيُّها الفَرقَدانِ
غَضِبَ اللَهُ أَم تَمَرَّدَتِ الأَر ضُ فَأَنحَت عَلى بَني الإِنسانِ
لَيسَ هَذا سُبحانَ رَبّي وَلا ذا كَ وَلَكِن طَبيعَةُ الأَكوانِ
كما أن الشاعر، لم يذكر في قصيدته الملحمية عن عمر بن الخطاب فتحه مدينة القدس والوثيقة العمرية، التي تسلم بموجبها من البطريك صفرونيوس مفاتيح بيت المقدس، في السنة الخامسة عشرة للهجرة. مع أنه لم يترك جانبًا من حياة عمر بن الخطاب إلا وتحدث عنه في قصيدته تحت عنوان محدد، مثل: مقتل عمر، وإسلام عمر، وعمر وبيعة أبي بكر، وعمر وعلي، وعمر وجبلة بن الأيهم، وعمر وأبو سفيان، عمر وخالد ..إلخ فكل ما جاء من أبيات عن تلك الحادثة المهمة في تاريخ عمر بن الخطاب وفي التاريخ الإسلامي كان تحت عنوان " من زهده":
يا مَن صَدَفتَ عَنِ الدُنيا وَزينَتِها فَلَم يَغُرَّكَ مِن دُنياكَ مُغريها
ماذا رَأَيتَ بِبابِ الشامِ حينَ رَأَوا أَن يُلبِسوكَ مِنَ الأَثوابِ زاهيها
وَيُركِبوكَ عَلى البِرذَونِ تَقدُمُهُ خَيلٌ مُطَهَّمَةٌ تَحلو مَرائيها
مَشى فَهَملَجَ مُختالاً بِراكِبِهِ وَفي البَراذينِ ما تُزهى بِعاليها
فَصِحتَ يا قَومُ كادَ الزَهوُ يَقتُلُني وَداخَلَتنِيَ حالٌ لَستُ أَدريها
وَكادَ يَصبو إِلى دُنياكُمُ عُمَرٌ وَيَرتَضي بَيعَ باقيهِ بِفانيها
رُدّوا رِكابي فَلا أَبغي بِهِ بَدَلاً رُدّوا ثِيابي فَحَسبي اليَومَ باليها
هكذا أشارت الأبيات إلى أن عمر استبدل البرذون الذي قدم له ليركبه ببعيره، وأن الحادثة وقعت في باب الشام دون أن يذكر القدس أو إيلياء بتسميتها القديمة. والقصة المعروفة أن عمر عندما عزم على المجيء إلى بيت المقدس على بعيره، قيل له أن يركب دابة غير دابته؛ لأنه قادم على قوم حديثي العهد بالكفر. فأُتي له ببرذون، وهو نوع من الخيل التركية، التي تتمايل وتتبختر في مشيتها. فركبه عمر، فتبختر به، فجعل عمر يضربه بطرف ردائه على وجهه، فزاد تبخترًا، فترجل عنه وقال: إيتوني بقعودي.
عاش شاعر النيل حافظ إبراهيم في قترة كانت فيها مصر تحت السيطرة البريطانية، وكذلك فلسطين تحت ما يسمى الانتداب البريطاني، فقد ولد عام 1872م وتوفي عام 1932م. وأدرك بداية التعاون بين بريطانيا والحركة الصهيونية الذي تجلى في وعد بلفور عام 1917م، الذي فتح لليهود باب الهجرة إلى فلسطين، كما عاصر الاضطرابات التي حدثت بين اليهود والفلسطينيين عام 1929م حول السلطة على حائط البراق في القدس، التي قتل فيها الجيش البريطاني مئة وستة عشر فلسطينيًا وجرح مئتين واثنين وثلاثين. وفي النهاية استطاع اليهود عام 1848م، من خلال عمليات القتل والتدمير، طرد الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، وتأسيس كيان لهم مع انتهاء الانتداب البريطاني.
وقف حافظ إبراهيم في وجه الاحتلال البريطاني لمصر، وتغنى بماضيها الفرعوني، ومدح رجالها العظام، مثل مصطفى كامل وسعد زغلول. ومجد وحدتها مع السودان، ولهذا لقبه صديقه أحمد شوقي بشاعر النيل، وهاجم بريطانيا وسخر من مندوبها كرومر في حادثة دنشواي، التي نكل فيها الجيش البريطاني بفلاحي قرية دنشواي إثر اتهامهم بقتل ضابط مات بضربة شمس، ورأى بأن الحادثة كانت الشرارة الأولى لمقاومة الإنجليز.
قتيل الشمس أورثنا حياة وأيقظ هاجع القوم الرقود
فليت كرومر قد بات فينا يطوق بالسلاسل كل جيد
لننزع هذه الأكفان عنا ونبعث في العوالم من جديد
كما تجلى في شعر حافظ إبراهيم الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وتقدم المجتمع، وتعليم المرأة، والتعاطف مع الفقراء والمشردين، لأنه عانى في طفولته مرارة الحياة إذ توفي والده وهو في الرابعة من عمره، فكفله خاله ولكن ما لبث أن ضاق به فغادر بيته وهو يخاطبه:
ثَقُلَتْ عليكَ مؤونتي إني أراها واهيَهْ
فافرحْ، فإني ذاهبٌ متوجِّهٌ في داهيَهْ!
من اللافت أن هذه المواقف الوطنية والإنسانية التي تميز بها الشاعر، وتلك القصائد السياسية التي عبر فيها عن تلك الظروف التي مرت بها مصر وشهدها العالم خلت من ذكر فلسطين، فلم يرد ذكرها في شعره، بل لم يرد ذكر اسم مدينة أو قرية من مدنها وقراها، التي تعبق بالتاريخ العربي والإسلامي. كما لم يكن للشاعر موقف من الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولم يعبر عن مشاعره نحو ما حدث في هبة البراق، التي دافع فيها الفلسطينيون عن مقدسات المسلمين.
يدفعنا هذا الموقف إلى الشعور بالدهشة والغرابة. لماذا لم يذكر الشاعر فلسطين أو يتعاطف مع مأساتها في حين تعاطف مع إيطاليا عام 1908 عندما حدث زلزال مسينا، ودمر تلك المديمة التي تقع في جزيرة صقلية بالجنوب الإيطالي، وقال قصيدته المشهورة في تلك الكارثة:
نَبِّئاني إِن كُنتُما تَعلَمانِ ما دَهى الكَونَ أَيُّها الفَرقَدانِ
غَضِبَ اللَهُ أَم تَمَرَّدَتِ الأَر ضُ فَأَنحَت عَلى بَني الإِنسانِ
لَيسَ هَذا سُبحانَ رَبّي وَلا ذا كَ وَلَكِن طَبيعَةُ الأَكوانِ
كما أن الشاعر، لم يذكر في قصيدته الملحمية عن عمر بن الخطاب فتحه مدينة القدس والوثيقة العمرية، التي تسلم بموجبها من البطريك صفرونيوس مفاتيح بيت المقدس، في السنة الخامسة عشرة للهجرة. مع أنه لم يترك جانبًا من حياة عمر بن الخطاب إلا وتحدث عنه في قصيدته تحت عنوان محدد، مثل: مقتل عمر، وإسلام عمر، وعمر وبيعة أبي بكر، وعمر وعلي، وعمر وجبلة بن الأيهم، وعمر وأبو سفيان، عمر وخالد ..إلخ فكل ما جاء من أبيات عن تلك الحادثة المهمة في تاريخ عمر بن الخطاب وفي التاريخ الإسلامي كان تحت عنوان " من زهده":
يا مَن صَدَفتَ عَنِ الدُنيا وَزينَتِها فَلَم يَغُرَّكَ مِن دُنياكَ مُغريها
ماذا رَأَيتَ بِبابِ الشامِ حينَ رَأَوا أَن يُلبِسوكَ مِنَ الأَثوابِ زاهيها
وَيُركِبوكَ عَلى البِرذَونِ تَقدُمُهُ خَيلٌ مُطَهَّمَةٌ تَحلو مَرائيها
مَشى فَهَملَجَ مُختالاً بِراكِبِهِ وَفي البَراذينِ ما تُزهى بِعاليها
فَصِحتَ يا قَومُ كادَ الزَهوُ يَقتُلُني وَداخَلَتنِيَ حالٌ لَستُ أَدريها
وَكادَ يَصبو إِلى دُنياكُمُ عُمَرٌ وَيَرتَضي بَيعَ باقيهِ بِفانيها
رُدّوا رِكابي فَلا أَبغي بِهِ بَدَلاً رُدّوا ثِيابي فَحَسبي اليَومَ باليها
هكذا أشارت الأبيات إلى أن عمر استبدل البرذون الذي قدم له ليركبه ببعيره، وأن الحادثة وقعت في باب الشام دون أن يذكر القدس أو إيلياء بتسميتها القديمة. والقصة المعروفة أن عمر عندما عزم على المجيء إلى بيت المقدس على بعيره، قيل له أن يركب دابة غير دابته؛ لأنه قادم على قوم حديثي العهد بالكفر. فأُتي له ببرذون، وهو نوع من الخيل التركية، التي تتمايل وتتبختر في مشيتها. فركبه عمر، فتبختر به، فجعل عمر يضربه بطرف ردائه على وجهه، فزاد تبخترًا، فترجل عنه وقال: إيتوني بقعودي.