هل يمكننا القول أن حركة ما بعد الحداثة التى نشأت فى النصف الثانى من القرن العشرين كرد فعل على إدعاءات المعرفة القديمة والمنتهية, قد غيرت من شكل الرواية فى العصر الحديث, حيث حدث ما يشبه الانقلاب على مجتمع التوفير والعفة والسلطة والنزعة القومية والتضحية والعدالة الاجتماعية وتحويله إلى مجتمع انجاز الذات والمتعة والدعاية والإعلان, كما أن تحول المزاج العام للفنتازى والساخر واللاذع, جعل من العفوية عبادة تحفز الاقتراب من الذات ثم إلى التحرر من أى دور ..
وفى ذلك السياق, قدمت تيارات " ما بعد الحداثة " رؤية مختلفة لقيم الحداثة عبر مفهوم التشظى والتعددية والثورة على المركزية, ورفض فكرة الحبكة والشخصية باعتبارهما مفهومات فنية غير مقبولة, جعل الاعتقاد بفهم العالم شئ من العبث , بل من العبث الاعتقاد بوجود عالم يمكن فهمه ويفضلون بدلا منه, الإحالة إلى الذات .. هل لهذا تغيرت رواية ما بعد الحداثة وجاءت متشظية ومتفككة على مستوى البناء الروائى, كما اتسمت شخصياتها بالعدمية وافتقاد الهوية الثابتة .
ورواية " النشيد الوطنى لجمهورية صاد " للكاتب أحمد عبد الحى, هى من الروايات التى تعيد بناء الذات عبر الكتابة .. رواية استطاع كاتبها أن يقفز بها قفزة هائلة برؤية وتجارب وخبرات حياتية مقدما عملا جميلا من جموح المخيلة مع تمثيل الواقع المعاش فى الوقت نفسه, ورغم صعوبة التوفيق بينهما إلا أنه استطاع بحرفية كبيرة أن يقدم لنا هذا العمل الجميل .. فالرواية الجيدة بصرف النظر عن انتماءها لفكر ما هى تلك الرواية التى تحتشد بالعاطفة واللغة البسيطة حيث التأثير العاطفى هو الأثر الباقى فى أى عمل فنى.. هى أيضا تلك التى تحتشد بمعارف نفسية وحياتية وثقافية وتاريخية , كما أنها تتمرد على القواعد الجاهزة لتقدم ملمح جديد ينتصر للفن والانسان .. ولكن قبل المضى قدما فى قراءة النص, لابد أن نؤكد على أن حداثة النص لا تكتسب من اعتناقنا فكرا حداثيا بقدر ما تكتسب من رؤيتنا الخاصة بالعالم ..
وكما جاءت رواية الحداثة لا تنفى الماضى ولا تحقره جاءت رواية النشيد الوطنى لجمهورية ( صاد ) , من سياق التجريب إلى ما بعد التجريب ومن سياق الحداثة إلى ما بعد الحداثة, تحمل رؤية مغايرة تنبثق من كل ما هو منفصل ومغاير عن خصائص رواية الحداثة وتجلياتها فى روايات تيار الوعى , إقرأ معى هذا المفتتح فى رواية أحمد عبد الحى " أنا أكتب كى أحمى نفسى من هؤلاء الذين يدفعوننى إلى الواقع .. وكى أفتح لآخرين مثلى بابا لحل غير منطقى "..
الآن ما الذى يدعونا لأن نرى رواية أحمد عبد الحى تنتمى إلى كتابات ما بعد الحداثة ..؟
أولا موضوع الرواية خليط من أحداث واقعية وأخرى غير واقعية ..
ثانيا هناك تشظى فى الزمان والمكان , كما أنه هناك تشظى الحدث نفسه .. كما جاءت العقدة مفككة .. معتمدا على تقنيات سردية جديدة مثل التجزوء والتناقض . وأهم من كل هذا الراوى غير الموثوق .. فالرواية تطرح بشكل غير مسبوق اشكالية العلاقة بين الراوى والروائى .
فحسب رولان بارت فإن الراوى يمثل عصب الرواية ولا توجد رواية دون راو , كما أن الخطاب الروائى لا يصل إلى المتلقى إلا عبر راو, وفى سبيل ذلك قدك بارت ثلاثة تصورات عم مانح السرد .
الأول : السرد الذى يصدر عن شخص حقيقى له اسم وهو الكاتب الذى يكتب رواية خارجة من أناه فقط ( كما فلا كتابة السيرة الذاتية )
الثانى : الراوى الذى يمثل وعيا داخليا بالنسبة لشخصياته , فهو الأوعى بما يجرى فى أعماق شخصياته .. وأيضا يمثل وعيا خارجيا عندما لا يتماهى مع شخصيات الرواية لكنه أشبه بالعالم بكل شئ .
الثالث : أن يتوقف الراوى فى سرده عند حدود معرفته بالشخصيات .
وفى رواية النشيد الوطنى لجمهورية ( صاد ) خلق أحمد عبد الحى شخصية كاتب الرواية داخل النص, وجعل من محاوراته مع الراوى الذى كان شخصية حقيقية أيضا داخل النص, مسارا لكتابة أحداث الرواية وأقدار شخوصها ..
بدأت الرواية بحوار تذكره الراوى, حدث بينه وبين الكاتب داخل الرواية قبل اسبوع, تذكره عندما استدعاه الكاتب وهو فى حضرة الموت اثر حادثة تعرض لها أمام فندق الفور سيزون .. وكان الراوى قد سأله متى ستنتهى الرواية ويجيب الكاتب بأنه لايدرى ويسأله عندما أكد له الراوى أن الأمور تسوء يوما بعد يوم" هل تظن أننى أستطيع إيقاف ذلك؟ فيرد الراوى وكيف لا وأنت الكاتب .
- وهل تعرف الأسباب التى تدفعهم لمثل هذه الأفعال ؟
- لا أفهم دوافعهم أحيانا .. أو ربما أفهمها للدرجة التى تجعلنى لا أستطيع شرحها.
الكاتب فى رواية ما بعد الحداثة يرفض فكرة التجانس بين الشخصيات, لكنه يقدم خليطا منها يستمد تجانسها من اللاتجانس ومنطقها من اللامنطق الذى يحكمها , فالرواية تتحدث عن مجموعة من الشخصيات , كل شخصية تمثل صفة انسانية تبدأ جميعها بحرف الصاد .
الكاتب داخل النص يدعى صلاح , وهذه الشخصيات ماهى إلا مراحل عمرية مختلفة للكاتب الذى يستخدم ضمير المتكلم عندما يتحدث عن شخصياته .. فهناك صلاح الصحفى , وصلاح الصوفى , وصلاح الصوابى السياسى , ثم صلاح الصبى , وصلاح الصريع , ثم صلاح الصايع .. كل شخصية لها زمنها الخاص وحدثها الخاص .. كل شخصية دلالة سردية والحوار مستمر بين الكاتب وبين شخوصه , لا أحد يعرف من يسيطر على من ومن يتحكم فى مصير من , كما أن هناك الخلاف الدائم بين الكاتب داخل الرواية وبين الراوى الذى يعى دوره جيدا الكاتب المادى .. وعودة لما طرحة بارت فإن الراوى والشخصيات الروائية ماهى إلا كائنات من ورق وهو ما يفضى إلى نتيجة منطقية لا يلتبس فيها الراوئى المادى مع راوى السرد .فالذى يتكلم " داخل السرد ", ليس هو من يتكلم "فى الحياة " .
ظل الألتباس فى الرواية مع استمرار العلاقة بين الكاتب داخل النص وبين الرواى ومحاولة اثبات أهمية دور كل منهم فى كتابة الراوية إلى أن حدث فى مفاجئة ضرورية استبعاد واقصاء الراوى ليتولى الكاتب ( الراوى الحقيقى ) تكملة الحكى بضمير الأنا.
تم اضاءة النص بدهشة ممتعة , فعلى طول الجزء الأول والثانى كان هناك اعتقاد أن هناك ستة أشخاص حقيقيون تبدأ اسمائهم بحرف ( الصاد ), يتحاورون فيما بينهم وبين الكاتب ثم يعود الكاتب إلى تناول كل شخصية على حده .
وكم كنت أتمنى أن لا يلجأ الراوى إلى التفسير فى الجزء الثالث من الرواية فى الفصل المعنون بالتحولات الجذرية .. كنت أتمنى ان لا نفقد الدهشة من جمال الفكرة عندما اكتشفت أن أبطال الرواية ما هم إلا مراحل عمرية فى حياة البطل على اختلافها وتطورها داخل الرواية .. وقع الكاتب أيضا فى الاستسهال ووصف بعض المشاهد باسهاب وكان من الممكن أن يحذف كثير من المشاهد غير الضرورية , فالحذف يساهم فى شد العبارات والجمل داخل النص ويجعلها أكثر قوة وتأثير دون أن يخل بالمعنى .. المحذوف هو جزء مشترك والاشتراك تماسك بالضرورة .كما أن الحذف سمة من كتابات ما بعد الحداثة .
فى النهاية لا استطيع إلا أن أقول أن أحمد عبد الحى أهدانا رواية ثقيلة ممتعة , تدعو للإشتباك معها من أول لحظة .. رواية احتشدت بخبرات نفسية وحياتية وثقافية أثرت العمل إلى أقصى حد .. و فى عبارة جميلة للدكتور رمضان بسطاويسى أستاذ علم الجمال" الكتابة إعادة بناء للحياة , ليست بديل لها ولكنها تعكس فهمنا لها " هكذا استعاد الراوى فى رواية أحمد عبد الحى ذاته ووجوده بهذه الكتابة, ذاته التى تبعثرت وتشظت فى عالم المتغيرات السريعة , فهو أراد أن يستعيدحياته التى تشظت وقسمت على مراحل مختلفة من عمره, فكان له أن يخرج إلى الشارع مع أبطاله .. الشارع الذى يعنى الانتماء للناس .. ربما أراد أن يموت لكن ليس قبل أن يجمع شتات عمره ويصرخ فى وجه العالم, صرخة من أعماق الذات التى كان قد افتقدها, وعندما عاد من الموت اثر حادثة تعرض لها أمام فندق الفور سيزون, استعاد هويته باستعادة عوالمه من خلال كتابة هذه الرواية التى كانت تجربة تجلى فيها الموت والحياة والألم .
يسرى أبو العينين
وفى ذلك السياق, قدمت تيارات " ما بعد الحداثة " رؤية مختلفة لقيم الحداثة عبر مفهوم التشظى والتعددية والثورة على المركزية, ورفض فكرة الحبكة والشخصية باعتبارهما مفهومات فنية غير مقبولة, جعل الاعتقاد بفهم العالم شئ من العبث , بل من العبث الاعتقاد بوجود عالم يمكن فهمه ويفضلون بدلا منه, الإحالة إلى الذات .. هل لهذا تغيرت رواية ما بعد الحداثة وجاءت متشظية ومتفككة على مستوى البناء الروائى, كما اتسمت شخصياتها بالعدمية وافتقاد الهوية الثابتة .
ورواية " النشيد الوطنى لجمهورية صاد " للكاتب أحمد عبد الحى, هى من الروايات التى تعيد بناء الذات عبر الكتابة .. رواية استطاع كاتبها أن يقفز بها قفزة هائلة برؤية وتجارب وخبرات حياتية مقدما عملا جميلا من جموح المخيلة مع تمثيل الواقع المعاش فى الوقت نفسه, ورغم صعوبة التوفيق بينهما إلا أنه استطاع بحرفية كبيرة أن يقدم لنا هذا العمل الجميل .. فالرواية الجيدة بصرف النظر عن انتماءها لفكر ما هى تلك الرواية التى تحتشد بالعاطفة واللغة البسيطة حيث التأثير العاطفى هو الأثر الباقى فى أى عمل فنى.. هى أيضا تلك التى تحتشد بمعارف نفسية وحياتية وثقافية وتاريخية , كما أنها تتمرد على القواعد الجاهزة لتقدم ملمح جديد ينتصر للفن والانسان .. ولكن قبل المضى قدما فى قراءة النص, لابد أن نؤكد على أن حداثة النص لا تكتسب من اعتناقنا فكرا حداثيا بقدر ما تكتسب من رؤيتنا الخاصة بالعالم ..
وكما جاءت رواية الحداثة لا تنفى الماضى ولا تحقره جاءت رواية النشيد الوطنى لجمهورية ( صاد ) , من سياق التجريب إلى ما بعد التجريب ومن سياق الحداثة إلى ما بعد الحداثة, تحمل رؤية مغايرة تنبثق من كل ما هو منفصل ومغاير عن خصائص رواية الحداثة وتجلياتها فى روايات تيار الوعى , إقرأ معى هذا المفتتح فى رواية أحمد عبد الحى " أنا أكتب كى أحمى نفسى من هؤلاء الذين يدفعوننى إلى الواقع .. وكى أفتح لآخرين مثلى بابا لحل غير منطقى "..
الآن ما الذى يدعونا لأن نرى رواية أحمد عبد الحى تنتمى إلى كتابات ما بعد الحداثة ..؟
أولا موضوع الرواية خليط من أحداث واقعية وأخرى غير واقعية ..
ثانيا هناك تشظى فى الزمان والمكان , كما أنه هناك تشظى الحدث نفسه .. كما جاءت العقدة مفككة .. معتمدا على تقنيات سردية جديدة مثل التجزوء والتناقض . وأهم من كل هذا الراوى غير الموثوق .. فالرواية تطرح بشكل غير مسبوق اشكالية العلاقة بين الراوى والروائى .
فحسب رولان بارت فإن الراوى يمثل عصب الرواية ولا توجد رواية دون راو , كما أن الخطاب الروائى لا يصل إلى المتلقى إلا عبر راو, وفى سبيل ذلك قدك بارت ثلاثة تصورات عم مانح السرد .
الأول : السرد الذى يصدر عن شخص حقيقى له اسم وهو الكاتب الذى يكتب رواية خارجة من أناه فقط ( كما فلا كتابة السيرة الذاتية )
الثانى : الراوى الذى يمثل وعيا داخليا بالنسبة لشخصياته , فهو الأوعى بما يجرى فى أعماق شخصياته .. وأيضا يمثل وعيا خارجيا عندما لا يتماهى مع شخصيات الرواية لكنه أشبه بالعالم بكل شئ .
الثالث : أن يتوقف الراوى فى سرده عند حدود معرفته بالشخصيات .
وفى رواية النشيد الوطنى لجمهورية ( صاد ) خلق أحمد عبد الحى شخصية كاتب الرواية داخل النص, وجعل من محاوراته مع الراوى الذى كان شخصية حقيقية أيضا داخل النص, مسارا لكتابة أحداث الرواية وأقدار شخوصها ..
بدأت الرواية بحوار تذكره الراوى, حدث بينه وبين الكاتب داخل الرواية قبل اسبوع, تذكره عندما استدعاه الكاتب وهو فى حضرة الموت اثر حادثة تعرض لها أمام فندق الفور سيزون .. وكان الراوى قد سأله متى ستنتهى الرواية ويجيب الكاتب بأنه لايدرى ويسأله عندما أكد له الراوى أن الأمور تسوء يوما بعد يوم" هل تظن أننى أستطيع إيقاف ذلك؟ فيرد الراوى وكيف لا وأنت الكاتب .
- وهل تعرف الأسباب التى تدفعهم لمثل هذه الأفعال ؟
- لا أفهم دوافعهم أحيانا .. أو ربما أفهمها للدرجة التى تجعلنى لا أستطيع شرحها.
الكاتب فى رواية ما بعد الحداثة يرفض فكرة التجانس بين الشخصيات, لكنه يقدم خليطا منها يستمد تجانسها من اللاتجانس ومنطقها من اللامنطق الذى يحكمها , فالرواية تتحدث عن مجموعة من الشخصيات , كل شخصية تمثل صفة انسانية تبدأ جميعها بحرف الصاد .
الكاتب داخل النص يدعى صلاح , وهذه الشخصيات ماهى إلا مراحل عمرية مختلفة للكاتب الذى يستخدم ضمير المتكلم عندما يتحدث عن شخصياته .. فهناك صلاح الصحفى , وصلاح الصوفى , وصلاح الصوابى السياسى , ثم صلاح الصبى , وصلاح الصريع , ثم صلاح الصايع .. كل شخصية لها زمنها الخاص وحدثها الخاص .. كل شخصية دلالة سردية والحوار مستمر بين الكاتب وبين شخوصه , لا أحد يعرف من يسيطر على من ومن يتحكم فى مصير من , كما أن هناك الخلاف الدائم بين الكاتب داخل الرواية وبين الراوى الذى يعى دوره جيدا الكاتب المادى .. وعودة لما طرحة بارت فإن الراوى والشخصيات الروائية ماهى إلا كائنات من ورق وهو ما يفضى إلى نتيجة منطقية لا يلتبس فيها الراوئى المادى مع راوى السرد .فالذى يتكلم " داخل السرد ", ليس هو من يتكلم "فى الحياة " .
ظل الألتباس فى الرواية مع استمرار العلاقة بين الكاتب داخل النص وبين الرواى ومحاولة اثبات أهمية دور كل منهم فى كتابة الراوية إلى أن حدث فى مفاجئة ضرورية استبعاد واقصاء الراوى ليتولى الكاتب ( الراوى الحقيقى ) تكملة الحكى بضمير الأنا.
تم اضاءة النص بدهشة ممتعة , فعلى طول الجزء الأول والثانى كان هناك اعتقاد أن هناك ستة أشخاص حقيقيون تبدأ اسمائهم بحرف ( الصاد ), يتحاورون فيما بينهم وبين الكاتب ثم يعود الكاتب إلى تناول كل شخصية على حده .
وكم كنت أتمنى أن لا يلجأ الراوى إلى التفسير فى الجزء الثالث من الرواية فى الفصل المعنون بالتحولات الجذرية .. كنت أتمنى ان لا نفقد الدهشة من جمال الفكرة عندما اكتشفت أن أبطال الرواية ما هم إلا مراحل عمرية فى حياة البطل على اختلافها وتطورها داخل الرواية .. وقع الكاتب أيضا فى الاستسهال ووصف بعض المشاهد باسهاب وكان من الممكن أن يحذف كثير من المشاهد غير الضرورية , فالحذف يساهم فى شد العبارات والجمل داخل النص ويجعلها أكثر قوة وتأثير دون أن يخل بالمعنى .. المحذوف هو جزء مشترك والاشتراك تماسك بالضرورة .كما أن الحذف سمة من كتابات ما بعد الحداثة .
فى النهاية لا استطيع إلا أن أقول أن أحمد عبد الحى أهدانا رواية ثقيلة ممتعة , تدعو للإشتباك معها من أول لحظة .. رواية احتشدت بخبرات نفسية وحياتية وثقافية أثرت العمل إلى أقصى حد .. و فى عبارة جميلة للدكتور رمضان بسطاويسى أستاذ علم الجمال" الكتابة إعادة بناء للحياة , ليست بديل لها ولكنها تعكس فهمنا لها " هكذا استعاد الراوى فى رواية أحمد عبد الحى ذاته ووجوده بهذه الكتابة, ذاته التى تبعثرت وتشظت فى عالم المتغيرات السريعة , فهو أراد أن يستعيدحياته التى تشظت وقسمت على مراحل مختلفة من عمره, فكان له أن يخرج إلى الشارع مع أبطاله .. الشارع الذى يعنى الانتماء للناس .. ربما أراد أن يموت لكن ليس قبل أن يجمع شتات عمره ويصرخ فى وجه العالم, صرخة من أعماق الذات التى كان قد افتقدها, وعندما عاد من الموت اثر حادثة تعرض لها أمام فندق الفور سيزون, استعاد هويته باستعادة عوالمه من خلال كتابة هذه الرواية التى كانت تجربة تجلى فيها الموت والحياة والألم .
يسرى أبو العينين