إبراهيم محمود - المحيط غير الهادي... قراءة في : أنطولوجيا اليد، لمحمود هدايت




ما ليس بداية
كيف يمكن لليد أن تكون كتابة الجسد خارجاً، صداها ماضياً ورحاها حاضراً، ومداها مستقبلاً؟ ماالذي منح اليدَ تلك الأهمية التي تظهر للعيان وهي تتنامى استقطاباً لمن يعيشون حمّى الشعر، وحيوية الفكر، وزخم معطيات الحياة؟ هل باتت اليد اكتشاف الجسد بفكره، أم اكتشاف الجسد- على حقيقته- بمثال يده هنا؟

قطعاً لكل قطعية، تعلِمنا المستجدات أن هذه اليد التي نعرَف بها خارجاً، وفي ثنيات لغتنا اليومية، تشكل ما يصح تسميته بـ" قارة الجسد المفقودة " جرّاء استراتيجية موقعها متعدد الأدوار، و" عريها " المكشوف، وبروزها على جانبي الجسد، إلى جانب " مروحتها " الجانبية، كما لو أن الجسد يُترجِم داخلاً بها خارجاً!
ومن يقتفي أثر اليد، وما تكوُنه اليد وتكوّنه اليد كينونياً، أكثر من كونها عنصر عضوياً، أو " زائدة " لحمية وعظمية وغضروفية معلقة مفصلياً بكتف، وتتحرك بمقاييس معتبَرة جسمياً، واستناداً إلى الجاري قوله وضبطه لغة في الكتابة، وفي سياقات متنوعة، وفي حياتنا اليومية وتلك المسماة بـ: الثقافية العالمة ، لا بد أن يتنبه إلى ما ليده من " فضل " جمالي، حيوي، نفسي، وحياتي في سلوكياته المختلفة.
يدٌ تسمّي فكراً، شعراً، نثراً، فناً، فلسفة، أدباً، موقعاً رمزياً، تفسيراً وتأويلاً يتعنون بها. يد ترتد إلى ذاتها، مثلما تنطلق من ذاتها، كما لو أنها كيان قائم بذاته، كما لو أن اليد عنوان يتقدم الجسد، أكثر من الوجه نفسه، رغم أن الأخير مركّب، بتنوع مكوناته، سوى أن اليد مفهوم مركَّب بالتنوع اللافت لأدوارها وتمثيلاتها.
لهذا، فإن الحديث عن اليد، بعيداً عن السرديات التاريخية ذات البعد الواحد، يعزّز تلك المتعة غير المسماة وهي مرئية، وهي تشد العين إليها، كما تغذّي اللغة عينها بما يمنحها قوامها الجدير بالبقاء .
تُرى، هل كان كل ما تقدَّم، ولو بصيغ أخرى، في واعية متعدد المواهب، النشط بخياله، المتوثب بروحه خارجاً، كما هي شهادة اللغة التي تشير إليها بـ" يدها " مشدودة: محمود هدايت، وهو يودِع ما استجدت به فضيلة الجمع بين الشعري والنثري، مجموعته التي تلوّح بخاصيتها الشعرية " اليديّانية ": محمود هدايت: أنطولوجيا اليد " تداريبٌ طقوسية في مواجهة الكتابة،أو هي ملاسنات منتزعة من الزمن والأشياء معاً... ..؟ وفي العنوان الداخلي للكتاب " 1 ".
محمود هدايت، الاسم الذي ارتآه لنفسه( اسمه الحقيقي: محمود عوّاد ) ارتحال إلى كينونة تستجيب لرغبته في ألأ يكون ما يكونه كما يعرَف بهويته، بعنوانه، بصوته، وصورته. إنها سباحة في معترك الحياة، بعيداً عن بداية محكومة بإحداثية مغلقة، ونهاية مقرَّرة دون أي استئناف للحكم أو للطعن في حقيقتها.
من الأنطولوجيا الدالة على الوجود، فتح حساب عمْريّ من نوع آخر،التجاء إلى العماء نفسه، وقراءة ما يخصه وما يتعلّم باسمه، وهو في تكوينه المتصاعد، وليس كما أرّخ له حدودياً. اللاتحديد تأمين على عمر مؤجَّل، تحرراً من عمر معجَّل، إن جاز التعبير، ونفي لكل تأطير، وتعرية لكل حقيقة محروسة.
يا لليد الإمضاءة الجسدية القائمة باسمها ومسماها، يا لمغامرة الدالة المتمحورة حولها. تُرى ( كيف ليد أن تكون خطاباً، علامة دالة على رابط معين، أن تشغل موقعاً ذا قيمة، كما لو أنها كينونة حيوية متبصرة لهدفها تحديداً؟ ) " 2 " .
ثمة معايشة " يوليسيسية " في بنية الكتابة التي تحمل اسمه، وتنتسب إليه علامةً !
ذلك ما يمضي بنا إلى لاتناهي دال الاسم في الكتابة، وقدرته على إشغالنا بتاريخه الطويل والمتشعب. هل يمكن كتابة التاريخ من خلال اليد؟ اليد كمدخل، التاريخ كعتبة، التاريخ كرواق حيوي للجسد، التاريخ كحامل معرفي لكلية الجسد مذ وجد ، ربما قبل ظهور النياندرتالي إلى إنسان ما بعد حقبة الذكاء الصناعي، ومخياله الغرائبي، ومغزى الكتابة باليدين ذات الانتشار اللافت هنا وهناك؟
أليس الإنسان هبة اليد، بمعنى ما أو أكثر، في تجلّيها شاخصة، وتشخيصاً وتمثيل شخصية ؟
ربما محمود هدايت ينقّب في اليد تاريخياً وجغرافياً، ولو بضروب مجازات شهدتها انفجارات قرننا الحادي والعشرين التي حازت مساحات واسعة بأبعادها الثلاثية من الماورائيات، بقدّر ما زادتها عمقاً وسعة. ربما تقصّى تاريخاً في مسار مختلف، معتبراً على استبصارات اليد، ولو بصياغات شعرية، مهجّنة بما هو فكري.
تُرى، كيف كانت يده تتابعه وهو يعيش تخيلاته الخاصة، أو ما يفترَض أن يكون الوضع هكذا، ودونها لما كان من حضور يُذكَر لـ" أنطولوجيا اليد "أو وهو يتفاعل مع يده مع كل عبارة أو حالة تتنفس ما هو شعري وتتنبضه بالمقابل، وتحيله مشهد كتابة لا يخفي النظير الصوَري فنياً، وهما يتبادلان الأدوار هنا؟
ثمة سعي يعرَف بطابعه الكتابي بمؤثر اليد في بعض من مآثرها وتجاذباتها هنا وهناك.

هنا وهنا قبل هناك بحكْم وضع اليد
اليد ذاتية الوجود، وموجودها الذي يكونُه الكاتب/ الشاعر نفسه،يحيل الآخر إليه" إلى نفسه " لا يقلّب في بنيانها " غير المرصوص "،لأن الكتابة وليدة الخراب مُعمَّدتها " لنتذكر أربعاء الرماد ، ومحيط العبارة كارثياً!)، وأن تكون الكتابة ممهورة بالشعر، يسهل تبيّن نصابها واسع الطيف والصدى.والحديث عن الذات، مكاشفة لما هو هيروغليفي، أي لَما يستدعي وضع الروح عينها في حالة استنفار، بإعلان حالة الطوارئ، على قدر الامتلاء بالوجود" الدازاين " حيث الـ" هنا " إشعار بموجود يفيض بوجوده، ولهذا يكون للتناهي جانب الحضور الذي يشغل الزمن بكثافته، وفي اليد بـ" باعها الطويل " ما يستبقي اللمس وفيه من اليد فضيلةً، الكثير مما قيل ويقال أكثر. أكثر مما يمكن تخيله، والمضي إليه في جهاته الأربع و( "أرسطو يفضّل اللمس بين الحواس الخمس. بالنسبة للإنسان والحيوان، فهو لا ينفصل عن الحياة. الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يمتلك اليدين، مما يضع الطبيعة في متناول يده. ويبدو أن دريدا يوسع هذا الامتياز إلى أبعد من ذلك: فاللمس وحده، من بين الحواس، يؤثر في نفسه. حيث يلامس الـ "أنا" نفسه (كما يقول جان لوك نانسي)، على سبيل المثال في الفم، يحدث التباعد والاختلاف. وتتبع المشاعر الذاتية الأخرى (الأكل، وممارسة الجنس، والاستماع إلى النفس - الصوت والوقت) هذا النمط. من خلال تحديد نفسه، يمكن للملموس الملموس أن يبدأ في الوجود بطريقة محدودة، ومعه العالم. ") " 3 "
صورة تتصدر الكتاب ليد ذات عروق نافرة في ظاهرها، وهي لوحة فنية، منعطفة براحتها بزاوية منفرجة تقريباً، مع انفراج بين أصابع أربع " الإبهام غاطس في العتمة " وهي تلامس الأرض، وتظهر أظافر كل من الخنصر والوسطى والسبابة، بجلاء، كما لو أن الكلمة مصوَّرة، وأن الجاري تصويره، يحرّر الكلمة مما هو متفق عليه، بما أن حديثاً كهذا، اختزال مستبد للغة ومجازيتها. حال اليد شاهدة عيان تخفي ما لا يحاط به خفاءً.
إنه تفكيك التفكيك، أي استنطاق ما جرى تصميته، وإخراجه بفضائه الواسع، ومنْحه حق الكلام وفيض معانيه، أي ما يحكّم ما يستحق البقاء في الحياة بوصفه المأهول بقسمتها طبعاً.
ولعل مشهداً خرائطياً جسديَّ الاعتماد، يمثّل ما هو شجري، ما يخرج عن نطاق الجسد بوصفه تابعاً لمتبوع، أي باعتباره المستقل، وأكثر من الدال على مكانة اليد، ليس على أنها طرف جسمي، وإنما عنصر مكثف ومركَّب كمفهوم، دوره أكثر مما يعرَف بها خدمياً جهة مؤثراته، وما يلي هذا المشهد " اليديّاني " تالياً صور فنية لليد محمولة على المعصم :اصابعها البارزة براحتها والطيور واقفة عليها " ص111- وفي التالية بمسافات أخرى فاصلة بينها، مع بقاء طائرين( على الإبهام والوسطى ) ص 113- وتالياً صورة ص 115، واختلاف اللون بسواد مشوب بالبياض الرمادي، وأخيراً في ص 117، حيث تتوقف حدود الكتاب الموضوعة، ثمة يدان تكاد أصابعهما تتداخلان، بطريقة فنية، كما لو أنهما تتعانقان ولا تخفيان تاريخاً من المعاناة والانكسار والمكابدة..وما تبقى: ملاسنات في اليد، ص 119 وما بعد ..
اليد تواجه " إنسانها " ما يخصها وتختبره، إنها تنوّره قبل أن ينزلق إلى هاوية الجسد الجاري ابتذاله وحصره في المتوخى منه بحكم العادة، تراثاً لا يبلى، لا دخل للجسد في تكوينه، إلا بما سجّل باسمه خارجاً.
لعله من هذا المنطلق كان الإهداء " الكارثي " في تصفيته الرمزية لتاريخ كامل، تاريخ التعتيم على اليد، على اللمس الذي يقرّ بمكانتها، وفضلها على عموم الجسد، والفكر والخيال ضمناً.
لجاك دريدا فضيلة السبق في الحضور تمثيلاً لمثل هذا التتويج اليدياني، وما للعنف من إمضاءة تعبير:
إلى جاك دريدا( ملاكم عواصف الفكر بيد الشّعر، وفيلسوف مباهجه الكبرى في ورشه، منوم اليد، دمارها السيمرغي، في حين أن الفلسفة تفتيش عن يقظتها في مراسلات الضباب ). ص 7 .
لعبة الطبيعة وبها وعليها، سعي إلى إعادة تركيبها، أو تصحيح مسار تاريخي لها، كما تفصح مفردات: ملاكم، عواصف، السيمرغي" نظير الفينيكس، العنقاء، الرخ.." اليقظة..ذلك إشهار بتصفية حساب، إماطة النقاب عما هو تاريخي فعلي، وليس ما عهُدَّ تاريخاً وهو " سيمولاكر:ه" إن جاز التوصيف " أي نسخته المشوهة "، وفي الطبيعة، في حاضنتها ما يشكل الدليل الدامغ على مثل هذه المتوالية المحجَّبة:
( كان رجال ما قبل التاريخ يحفرون أيديهم على جدران الكهوف. يتم تطبيق الأيدي على جدران الكهوف باستخدام عدة تقنيات. الغالبية العظمى من الأيدي هي أيدي سلبية تظهر في منتصف هالة من اللون. كما نجد أياديًا إيجابية أقل عددًا، تذكرنا بالمطبوعات الملونة التي كان كل شخص قادرًا على صنعها خلال طفولته. أما التقنية الأخيرة المستخدمة، وهي الأندر، فهي تقنية النقش اليدوي على الصخر. اليد هي أداة.
اليد (من اللاتينية: manus، "جانب الجسم") هي عضو التأثير الإمساكي الموجود في نهاية الساعد ومتصل بالأخير عن طريق الرسغ. هو عضو قادر على الإمساك بالأشياء والتحكم بها. تعتبر اليد عند الإنسان عضوًا متطورًا ومهمًا للغاية، ولها نطاق واسع جدًا من الإجراءات. كما أنها تحتوي على معاني وقادرة على التواصل والتفكير بلغة الإشارة للأشخاص الذين يعانون من ضعف السمع.) " 4 "
المكان المتحرك، كما هي الأرض التي تدور، واليد تدور، ومعها الجسد، ومع الجسد اللغة، وفي اللغة يكون التعبير الفكري، والمتخيل الشعري...إلخ، تكون يدُ من أنار سماء بنار الأرض الفعلية، خلاف المأثور.
كما تفصح " يدا سيزان ":
جرح يتثاءب كهالة قمر حزين، هي ذي يد سيزان ذائبة في التفاحة الأسطورية، كطفل يركض في غابة قائمة، فيما الجنفاصُ كفنها المرئي. ص15.
الجنفاص هنا: نسيج قماشي، قنَّبي، خيشي ، سميك نسبياً ويتحمل الأثقال. ذلك شأن اليد التي تظهِر بعضاً من مآثرها في قبضها وفكها، ما يستدرج إليها النائي والداني: قمراً، تفاحة، طفلاً، جنفاصاً، وكفناً ..
أهو التلاعب بالكلمات، أم تنبيه الغافل إلى متعة الاستشعار عن بعد وعن قرب جهة النظر في الكلمات، وقد حرّرتْ متنَ حدودها: هامش نصها، أي ما لا يعود المتن متناً، كما هو الجسد المتبوع باليد زيفاً.
هناك ما يُقرأ في التاريخ، في الميثولوجيا" التفاحة " بالتوازي مع خاصية الاستدراج إلى نطاق التفاحة وتبعاتها الرمزية، والحلول في الإثم وتطويب هذه العلاقة، ما يشرعن لطريق دون طريق في انسداده.
إنه التقاط للحظة الأكثر دراماتيكية في التاريخ، ودفع بها إلى الأمام، وهذا " الأمام " موجود في الذي يمكن تبيّنه، في بنية العلاقات، أي ما يترسمل موتاً، أو في نطاقه.
هي لحظة لماحة بالموت وعلاماته، حِداده، مناخه الدال على ما لا يطاق، وفي اليد تنبثق الحكمة السوداء، بصيرورتها، وفيها من الألوان الكثير ، حيث ( اليد لا تلعب دورًا رمزيًا فحسب، بل إن التحليل الملموس للإيماءات يقدم أيضًا بيانات مؤسسة للتطور الوجودي ) " 5 "
أنوّه هنا إلى أن الشاعر مهما أخفى داخله من معرفة تاريخية، لا يتقدم بلسان المؤرخ، إنما بروح الشاعر الذي يُبقي على التاريخ، كما هو مقتضى الشّعر: أن يقول شيئاً دون تسميته، أن يومىء دون ضبطه .

مجنون النهار، حكيم الليل
أكثر من ذلك، فإن الشاعر يكون له عقْد أبدي مع الرموز التي تتجاوب مع آتيه الذي يُراهَن عليه، بناء على ماض وقد استحكم بحاضر لا يُراهَن عليه. والشاعر في محْكم خياله وليد المأساة وحليفها الموثَّق، فهو الخارج الأقصى وإن الداخل الأكثر ظهوراً، إنما بجسمه قناع روحه، وفي يده بوصلته، التفويض بحيازة الموجود إلى وجود يتنفسه بين جنبيه، إنه مجنون " يد " وحدها، في حالته الميؤوس منها : صعوده.
كما في " أسطورة الطلاسم المستحيلة "
في الهزيع الأخير من الليل، يخرج المجانين من أجسادهم ، بحثاً عن أثر للحواس العالق في ذكريات الهواء، فإذا هم منشغلون في إدارة مئتمر عن أسطورة اليد ومم تكوَّنت. ص 19 .
الليل حكْم زمني على جار ٍ زمنياً. حيث تمضي عوالم النهار في رقدتها، يمضي الليل، ليل الباحث عن سرديات النهار في وقْدته، وذلك هو الجنون في المعنى، والاحتكام إلى أمثولة المجاز ومدّخراته .
إن " أسطورة الطلاسم المستحيلة " محْكمة العقدة، حيث الأسطورة نفسها تملك فتنتها، وخروجها على المتداول، أو المألوف، بتلك اللغة التي تقلق اللغة عينها، فكيف الحال وهي المشدودة إلى الطلاسم المستحيلة، وما في بنية العبارة من بلبلة عبّارة؟ ما لا يمكن تبيّنه في الجاري تبيّنه. إنه اللعب بالنقائض، وعبْر إطلاق العنان لما لا ينظَر في " ساعته " وقد آن أوان تسمية ما يصدم في واقع ربما بات نفاد الصلاحية !
لا يخفي الشاعر سخطه، قنوطه، توتره الملموس، وعبر إيماءات اليد، تبعات كل حركة، أو نبض فيها، تجاه ما يعيشه على طريقته، وهو يستعين بـ " طروس " يده هذه، مباغتاً من يسبحون في اللامبالاة.
الاستعانة باليد، والاحتكام إلى اليد، ومحورة اليد، إيقاف الوجود الموجود ، في توالي مفارقاته.
تحت عنون هو قول لجاك دريدا، مقتبس من كتاب مترجم عن الفرنسية إلى العربية( يدهيدجر، أذن هيدغر )، أشرت إليه سابقاً، نقرأ:
تفكّر اليد قبل وجود التفكير، إنها تفكر،، إنها تفكير، إنها التفكير.
وما يتبع هذا القول بما يعوَّل عليه. إنه " عويل " روح ترى ما لا يراه المحيطين بشاعرها:
لا تقيم اليد في الجسد، هي هواء يطوف صفيحَ الموت باستدعاء الدفقة العربيدة من غيابها الديونيزي، فيا لنشوة المجنون، وهو ينثر يده في مدى موته السائل من أصابعه. ص 31 .
أن يُراهَن على اليد، وهي بالمواصفات آنفة الذكر، ذلك يعني توقيف التعامل مع اللغة التي تذكّر باللسان، واللسان باللغة، وهذه تعرّي وجود أولئك الذين فقدوا القدرة على الاتصال بالحياة الحياة. لا تعود اليد مجرد يد، إنها صانعة بصيرة، مأثرة مستقدمة، وموجَّه بها إلى حيث يمكن الشعور ببؤس المحصّل وجوداً.
حكْم قائم على وجود بالجرْم المشهود، جهة الذين فقدوا القدرة على التفاعل معه.
في الحالة هذه، لا بد من الخروج عما هو قطيعي، وحده " الضال " أي الخارج عما هو مألوف ومأخوذ به يكون رهان الآتي، جرس الفجر المنتظر، كما يقول لسان الفن الخاص، والشاعر فنان مغاير:
يداي، يداي المسكينتان، أكبر سناً، وأكثر شهرة مني. في بعض الأحيان يقول لي المصور: "ليس أنا الذي أريد تصويرك، بل يداك". "هكذا يتحدث كوكتو في نهاية حياته في مذكراته( التصنيف السابق III، 183 )
عبارة سهلة التحقق، نظراً لعدد الصور التي تظهر فيها يدي الشاعر، وتتعرض لها، وتبرز بطريقة أو بأخرى، وهي نقطة محورية حقيقية في تمثال كوكتو النصفي أو صوره الكاملة عندما لا تشكل صورته فقط " 6 ".
عكس الريح، هو الخيار الأمثل لمن يعيش صدمات مجتمعه، وواقعه، وبهذا المسار، يكون للمعنى أثر جلي.
في الفن، كما في الشعر توأم الفن الروحي في التمثيل الرمزي للعالم، مع فارق التعبير تلويناً هنا، تعبيراً كلامياً هناك، لكن الأس المشترك في رفع النقاب عن الفصل المصطنع بينهما، ليكون بين اللسان واليد ذلك التعاون الوثيق، والتأكيد على أن خطوط الاتصال المرئية واللامرئية نشطة بينهما وفي الاتجاهين .
وفي قرارة نفسه يكون الكاتب الشاعر هنا، الحريص على يده. كيف لا وهي تسيّر أموره الروحية، وعلى مستوى عال من التمثيل الدلالي للمرغوب فيه، خارج المعتاد؟ وهو يكابد غربة مركَّبة: زمانية ومكانية.
إنه اشبه ما يكون بـ " غريب الوجه واللسان " وهو بين بني جلدته، ويحفظ المكان عن ظهر قلب، يحمله في داخله. المكان الممتلىء أحاسيس ومشاعر، بكل متبقياته وهي ( تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد )، فلا يجد فكاكاً من الانتقال إلى المكاشفة على طريقته، كما قيل بلسان أحدهم ( سأحمل روحي على راحتي..)، والشاعر هنا ليس محارب جبهات، كما هو الممكن استنتاجه، إنه، عار بروحه، كريستالها، إن جاز التوصيف، لكنه بالذي يتقدم به، هو في الجهة الأقصى مما يعرَف به الآخرون وما أكثرهم حوله!
وهو ليس منفصلاً عن مجتمعه، عن تاريخه، عن المؤمّل فيه ومنه، لكنه مقرّر تمثيل مجتمع على أنقاض مجتمع، تاريخ على تاريخ، إنسان على آخر يمتلك القدرة على الحيالة، بحيله الشعرية:
لقد دفِنَ الموت
في وجوه الساحرات
مع تلك اليد المحتشمة ببراقع السبت
-أكانت تلك اليد
سرَّ ذلك الطفل الذي يُدعى مكبث
أم رقيماً بابلياً نادراً ؟. ص 56 .
العمر المُقام هنا خلاف المأثور عنه، إنه طوع لسان الشاعر " اليديّاتي " متنقل به إلى حيث يمكنه الدفع بقواه الخاصة، وهي تنبيهية في العمق، إلى الجهة التي يتردد صداها، كما هو الملموس هنا.
هكذا يكون الزخم في خريطة الجسد، في اليد ذات المناقبية العالية غير المدرَكة على حقيقتها:
اليد نافذة الخيال، أما الجسد فهو الباب، وإن انشغافنا في النوافذ متأت من كون دفقها الخيالي يفوق وجود الأبواب في حيواتنا. فيما تتأتى خيالات اليد من امتلاكها إيقاعاً تلصصياً إذ إن إمرار اليد في الأشياء إشارة إلى أن فعل الحركة منبثق من تدفق خياليّ وليس حركة فحسب، وإن هذه الحركة الشهوية الدافقة هي خلاصة استنفار حواسي. ص 72 .
هذا التنويع في التعابير، انتهاك باتائي " نسبة إلى جورج باتاي " لجملة القواعد الصارمة والمفروضة، وما فيها من كوارث تتفعل في الداخل، و" أهلها " كما لو أنهم جرّدوا من قابلية الرؤية للمستجد والمخيف، وحده المغاير، يظهر موسوماً بالعصيان، بالبللبة، وعلى قدْر المغايرة الموصوفة بعمقها وشدتها، يمكن قياس النبض البطيء للقلب الواهن في الجسد الواهن بالمقابل، إنها مقايضة من نوع آخر في تمثيل المختلف.
يمكن ، ومن خلال ما هو مسطور، أن نتقصى تاريخاً بكامله، بجملة الإشارات الوامضة، أن نلفت النظر إلى هذه اليد التي " نرى، نسمع، نتحسس، نتذوق، نتلمس، نشم بها بمعنى ما " أن تنيرنا من الداخل، أن تبصّرنا بالذي قيل فيها، وما أبلغه وأعمقه صِلات دلالات.
أشير هنا، كمثال حي إلى شيشرون (القرن الثاني إلى الأول قبل الميلاد).
( في كتابه الخطيب، زعم الفيلسوف الروماني، المحامي اللامع، أن الصوت دون إشارة يظل عاجزاً. كيف تقنع وأنت واقف منتصب كاللوح الخشبي ويداك ثابتتان؟ من المؤكد أن الفعل، أي حركة اليدين التي تصاحب الكلام، ضرورية للنطق. إن "بلاغة الجسد" هذه تؤكد كلماتنا أو تقويها أو تخففها. ومع ذلك، كن حذرا عند استخدامه بلباقة. إن الخطيب الحقيقي سوف يعرف كيف يتجنب الإيماءات المأساوية المفرطة: "لن يلوح بأصابعه"، لكنه "سيمد ذراعه إذا تحدث بقوة؛ سيعيدها إذا اتخذ نبرة أكثر نعومة. "إذا كان الكلام يوجه خطاب الجسد، فإن اليد غالبًا ما تعطي الكلمة الأخيرة.) " 7 "
أكان شيشرون شاعراً وهو يحيل ما نتفكره ونتدبره كثيراً إلى اليد ظاهراً وباطناً، أم أن النظر في اليد وثراء مكوناتها ومهامها أو تنوع أعمالها وقابليتها لتجسيد ما هو مستجد، هو الذي يرفع من سقف نصاب المعنى؟

صوب المحظور اللامحظور
تترجم العبارة الواحدة أحياناً عمراً استأنفه صاحبه أو شاعره هنا في التحري عما يجلو به منشوده الحياتي، عما يبقيه مختلفاً حقاً معتبَراً من حقوقه، وهو يتنقل بين الأزمنة، الأمكنة ومجتمعاتها وأفرادها دائبي النشاط في البحث عن ظلال هي صنيعة أرواحهم المعذّبة " فانونياً " أرواحهم القابضة على مصائرها، وتوحد في تنوع أجناسها وأعراقها مجتمعاً فوق المجتمعات " يوتوبيا " مؤهلة لأن تكون المجتمع المأمول:
في الاستمناء
يستحيل الجسد بكلّيته إلى يد هوائية
محلّقة بجناحي طائر يتشمس في الينابيع المقدسة
إنها اليد التي
ولِدَت من خفقة صقرية
بوجه المركيزدوساد
وهو يستمع
لغناء عظامه..ص 83 .
وحده المصدوم" دونه المستغرق في الغفلة المستدامة " يستشعر خطورة الدائر، حين يعاين هذا الذي يتردد صداه في أذنه، و" يبرغل " جلده المألوف بعمى مساماته كثيراً.
ما يُسمى في الشعر، يُسمّي ما هو معمول به، وهو في الدرك الأسفل من الحياة. وفي هذا اللاانتماء، يكون الانتماء، كما يتطلبه حس المغايرة، في إرادة الحياة المرسومة والجديرة بالتوقير .
أليس السؤال محكاً للحقيقة، إحراجاً للجواب المحفوظ والمتوارث في سديمية محتواه ؟
لمن كل هذا الهواء؟
لمن كل هذا الزمن الذي في الهواء؟
للموت أم
لليد الكتيمة؟
التي لا تهامس سوى الذي في الهواء..ص 100 .
لا يكون السؤال اختباراً شكلانياً للجواب، إنما مساءلة لحقيقته، وإيقاظاً وجودياً للموجود الموشَك على الانقراض واقعاً، جرّاء المتداعي في داخله قلباً وقالباً .
اللجوء إلى اليد، احتكام إلى البرّية التي تمتلك وحده شرعية البت بالحكم على الجاري في طبيعتها، وإقرار بحق الحياة على من يدّعي الانتماء إليها بالعين المجردة، وتعرية للمشكِل والجاري التعتيم عليه .
وربما هكذا تسمح لنا اليد عينها بقراءة ما يعنينا في تاريخنا الطويل عمراً والقصير فعلاً، حين نتحراها:
( اليد هي نتيجة للتطور البيولوجي. أولاً، علينا أن نفكر في مدى قدرة هذا العضو، المرتبط بالعمل، على تمكين علم الأحياء من تعديل معرفتنا بالعالم. ..إن اليد هي مجموعة من الأدوات في حد ذاتها لأنها تحتوي على كل الإمكانيات. وهكذا فإن استيلاءنا على العالم يمر عبر غلبة المعرفة على الفعل عند أرسطو، وهذا الفعل هو الذي سمح لنا بأن نكون الحيوان الأكثر ذكاءً.) " 8 "
إنما حين يكون في مقدور أي منا أن يقدّر حقيقة قواه، وما عليه فعْله وليس الاكتفاء بالقول. ما علينا وصْله وليس فصله حدودياً ومجتمعياً وحياتياً طبعاً.
أن يعرَف بالإنسان حيواناً عاقلاً، هو كونه القادر على أن يوجّه يده ويتوجه بها، بالطريقة التي يُقرُّ له أنه أهْل لأن يكون هكذا، أي ما يتعدى به نطاق الحيواني فيه، وليس أن يكون الأكثر همجية من الحيواني هذا، وما في ذلك من خراب ودمار، من قتل وتهديد للطبيعة نفسها ، للبيئة ذاتها، كما هو المعاش راهناً.
تبقى اليد أملاً واعداً رغم المخاوف، رغم الحساب باهظ التكاليف لكل حركة معتمدة، في واقع يستحيل تجاهل أوجه العنف فيه، بقدْر ما يستحيل رعب الملموس في بنية الإنسان وكيف أشكل على اسمه ومسماه أكثر من ذي قبل، رغم كل التقنيات الدقيقة التي يعيش في وسطها، وهو غافل عن مأساة " وسطه " .
تلعب الرموز دورها المنوط بها، قدرتها على عبور الحدود، وتجاوز الحواجز، وإشهار ما لم يعد يُحتمَل، بعيداً عن القطيعية، وقريباً من هذه المشهود لها بنفاذ صبرها، وسريان فعل الغضب فيها:
حركة يد المجنون
تلويحة لا مرئية لإله مجهول
يقيم في كرونوتوبلامرئي
الفراغُ الذي
تخلّفه الأشياء
غرزة بالغةُ التعدد..ص 109 .
في مقدور المأهول بالحياة، ببعض من بقايا الحياة الفعلية، وحده دون غيره، أن يتلمس نوعيىة المخاطر الوجودية، في البون الشاسع والواسع بين الموجود والوجود، بين العضوية التي قيّدت بخارجها، والحياة التي منحت العضوية ما يجعلها ممتلئة حياة.
وحده الممتلىء بطاقة الحياة بـ"الإيروسية " المثمرة، أن يمنح الأشياء من حوله الأسماء التي تتناسب ومقاماتها المختلفة، وأن ينفتح على تلك الفراغات من حولها، وهي بمعانيها الجمة، وما يترتب عليها من فيض مشاعر، وتدفق أفكار، وانبثاق رؤى... و....مأثرة حفريات اليد التي لا يخطئها الأثر نفسه.
في مفهمة يد محمود هدايت، ثمة المفهوم المختلف لذائقة متوجة بالحياة لمن يتفهم يده كما هي أنطولوجيتها!





















مصادر وإشارات:
1-محمود هدايت: أنطولوجيا اليد " تداريبٌ طقوسية في مواجهة الكتابة، أو هي ملاسنات منتزعةٌ من الزمن والأشياء معاً "، نوس هاوس، 2024 ، في " 150 ص، ما يخص إسهامه الشعري حتى ص 118 ".نسخة الكترونية، وما بعدها حتى ص 150 ، والصور فيها ضمناً، بعضٌ مما نشِر حول تجربته اليديانية في الكتابة.
2-ينظر تقديمي لترجمة كتاب جاك دريدا: يد هيدجر.. أذن هيدجر، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 2022، ص
3-Jacques Derrida - "Le Toucher, Jean-Luc Nancy", Ed : Galilée, 2000, p67
جاك دريدا: اللمس، جان لوك نانسي
-4La main dansl’art.Un petit article pour lire les lignes de la main !
اليد في الفن :مقالة قصيرة لقراءة خطوط اليد!
أشير هنا إلى أن هذا المقال تضمن لائحة مشاهد تخص اليد في وضعيات مختلفة منبّهة للحواس، وتكون معطوفة على اسمها، ومعبّرة عن القيمة الرمزية المهيبة فيها، حيث اليدان بأصابعهما، وحتى بالنسبة للرجلين ، أو للرجْل الواحدة عنفوان الحضور، كما في هذه النماذج، للنظر والعِبَر:


-5Claire Marin: L'Œil et la main : la « métaphysique du toucher » dans la philosophiefrançaise, de Ravaisson à Derrida
كلير ماران: العين واليد: "ميتافيزيقا اللمس" في الفلسفة الفرنسية، من رافيسون إلى دريدا
-6Les mains du poète
أيدي الشاعر
من ملف

-*Peter Frei: « Un récit ? » – de Bataille : la poétique du témoignageselonBlanchot, Derrida et Lévinas
Pierre Caizergues: Apollinaire &Cie"Anthologie critique "
بيير كايزرج: "أنطولوجيا نقدية" لأبولينير وشركاه
-7Emmanuel Levine: Pourquoiparlons-nous avec les mains ?
إيمانويل ليفين: لماذا نتحدث بأيدينا؟
-8CorentinViault:La main commeapproche du monde
كورينتان فيول: اليد كوسيلة للوصول إلى العالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...