د. أحمد الحطاب - الأنانية القاتلة

الأنانية هي الصفة التي، من خلالها، يولي شخصٌ ما اهتماماً مُبَالغاً فيه لنفسه ويريد، أولا وقبل كل شيءٍ، تحقيقَ مصالحه الشخصية، ولو أدى هذا التحقيقُ إلى إلحاق أضرارٍ بمصالح الآخرين. الشخص الأناني لا يهمُّه وجودُ الآخرين. لهذا، نراه يتصرَّف وكأن هؤلاء الآخرين غير موجودين في المجتمع.

والأنانية قد تكون فردية وقد تكون جماعية. وقد تتحوَّل الأنانية الجماعية إلى أنانية دولة بأكملها.وكلهم قد يشكِّلون خطرا على الأفراد والجماعات. وقد تتحوَّل الأنانية égoïsme إلى مركزية الذات égocentrisme. حينها، يظن الشخصُ الأناني أنه مركز العالم وقد يفقد كل تعاطف empathie مع الآخرين. وهذا هو ما اشتهرت به الدكتاتوريات العسكرية واشتهر به الكتاتوريون عبر التاريخ من أمثال هتلر Hitler وبينوشي Pinochet وفرامكو Franco والأسد وصدام…

وحين تلتقي الأنانية بمركزية الذات عند الشخص الواحد، فإن هذا الشخصَ يرى أن أفكاره هي الصائبة وقد يكون له ميولٌ لفرضِها على الآخرين. وهذا هو ما نلاحظه، منذ ظهور الإنسان على وجه الأرض إلى يومنا هذا. والتاريخ مليءٌ بالأحداث التي تبيِّن بأن الأنانيةَ، إذا امتزجت بمركزية الذات قد تؤدي بأصحابِها إلى الهلاك. بل قد تؤدي إلى دمار وخراب بلدانٍ بأكملها. فما هي هذه الأحداث؟

بالنسبة لهذه المقالة، سأكتفي بمثالين. الأول له علاقة بالقرآن الكريم ولا علاقةَ له بالتاريخ. والثاني قد تكون له علاقة بالتاريخ مستقبلاً. المثال الأول يتعلَّق بما جاء في القرآن الكريم حول قصة فرعونَ وأتباعه. والمثال الثاني يتعلَّق بتغيير المناخ الذي جاء نتيجةً لتصرُّف الإنسان إزاءَ الطبيعية حين دخل ما سُمِّي، آنذاك، أي ابتداءً من القرن الثامن عشر، بالثورة الصناعية la révolution industrielle.

المثالان ناتجان عن أنانية الإنسان. المثال الأول أدى بأصحابه، فرعون وأتباعه، إلى الهلاك. المثال الثاني بدأت تأثيراتُه على البشرية تظهر منذ القرن العشرين. والله وحده يعلم ماذا ينتظر هذه البشرية مستقبلاً.

فيما يخص المثالَ الأول، أي فرعون وقومه، الله، سبحانه وتعالى، رغم طُغيان فرعون وادِّعاءُه الألوهية، طلب من الرسول موسى، عليه السلام، ومن أخيه هارون أن يتعاملا مع هذا الطاغية بليونة ورفق، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ" (طه، 43 و 44).

لكن فرعون ازداد طغياناً وأنانيةً، كما زاد ادِّعاءُه الألوهيةَ. وأنانيتُه هذه جعلته يطلب من وزيره، هامان، أن يبنيَ له صرحا، أي بناءً عاليا أو بُرجا ليرى ألهَ موسى الذي يظنه (أي الإله) من الكاذبين، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" (القصص، 38).

والأنانية هي التي جعلت فرعونَ يعتز بنفسه ويجعلها فوق الذات الإلهية. والأنانية هي التي قادت فرعون وأتباعَه إلى الهلاك، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ" (الأنفال، 54).

أما المثال الثاني الذي، كما سبق الذكرُ، له علاقة بتصرُّف الإنسان في الطبيعة. والطبيعة هي الأرض بمجموع نباتاتها وحيواناتها وكل الكائنات غير الحية، لكن قبل ظهور الإنسان، الكائن العاقل. وتصرف الإنسان داخل الطبيعة، هدفُه الأساسي والوحيد، هو إعمار الأرض، سكناً وبناءً، داخل المجتمعات.

وإعمار الأرض يتمثَّل في جميع الأنشطة التي يمارسها الإنسان على سطح الأرض. وعلى رأس هذه الأنشطة، تأتي مختلف الصناعات les différentes sortes d'industries. وكل هذه الصناعات لها تأثير واضح على التوازنات الطبيعية، وخصوصا، الصناعات الكيميائية التي كانت تفرز مواد على شكل غازات إما سامة أو مُخلَّة بالتوازن القائم بين مُكوِّنات الجو من حيث تركيبته الطبيعية sa composition naturelle.

وقد زاد الضغط البشري على الطبيعة من جراء عاملين أساسيين، هما اكتشاف الفحم والنَّفط (البترول) وازديار عدد السكان. حيث أصبح الضغط البشري على الطبيعة صناعياً وديموغرافياً. وقد زاد هذا الضغط حدةً لما اخترع الإنسان مختلفَ وسائل النقل التي تعتمد في تنقلها على حرق مشتقات النفط وعلى الفحم.

والضغط الذي مارسه ولا يزال يمارسه الإنسانُ على الطبيعة، من خلال مختلف صناعاته و وسائل نقله، هو الذي تسبَّب في تغيير المناخ الذي تعاني منه، اليوم، البشرية جمعاء. كيف ذلك؟

كل الصناعات و وسائل النقل التي تعتمد في اشتغالها على الطاقات الأحفورية les énergies fossiles، أي الفحم والنفط ومشتقاته، تُفرِز، في نهاية المطاف، ثاني أكسيد الكربون gaz carbonique. وثاني أكسيد الكربون، عادةً، تمتصه النباتات الخضراء، البرية والمائية، لتصنع، بواسطة ضوء الشمس، المادة العضوية التي هي ضرورية لبقاء جميع الكائنات الحية على قيد الحياة. ولما أصبحت النباتات الخضراء غير كافية لامتصاص الحجم الهائل لثاني أكسيد الكربون، يتجمَّع الفائض من هذا الغاز في الجو l'atmosphère و يُشكِّل طوقاً un encerclement أو حازجا obstacle أو درعاً un bouclier حول سطح الأرض تتجمّع بينه وبين هذا السطح الحرارة ويحول دون تسرُّبها أو تشتتها في/إلى أعالي الأجواء.

حينها تُشكِّل الارضُ برمَّتِها وحاجز ثاني أكسيد الكربون، المحيط بسطحِها، دفيئةً ضخمة une gigantesque serre تحتفظ بالحرارة بداخلها مانعةً إياها من الصعود إلى أعالي الأجواء. وهذا الاحتفاظ بالحرارة فوق سطح الأرض هو السبب في تغيير المناخ. فما السبب الرئيسي الذي أدى إلى تغيير المناخ؟

بدون أدنى تردُّدٍ، السبب الرئيسي هو أنانية الإنسان. كيف ذلك؟ إلى درجة أن مُكافحةَ تغيير المناخ أصبح عبارة عم صراعٍ بين الدول المصنَّعة les états industrialisés أو الدول الغنية les états riches وبين الدول الضعيفة التصنيع أو الفقيرة. لأن حصةَ الأسد في إفراز ثاني أكسيد الكربون تعود للدول المصنعة، بينما حصة الدول الأخرى ضعيفة. لماذا؟

لأن الدولَ المصنعة لا ترى في تغيير المناخ قضيةً إنسانية تهمُّ البشريةَ جمعاء. بل تراها بمنظار تحقيق مصالحها الخاصة، وخصوصا، الاقتصادية منها. وإذا رأت الدول المُصنَّعة في تغييرَ المناخ قضيةً تخدم مصالحَها، فلأنها لا تريد أن تفقدَ هيمنتَها الاقتصاديةَ son hégémonie économique على باقي دول العالم.

وما زاد ويزيد في الطين بلَّةً، هو أن قضيةَ تغيير المناخ، عوض أن تعتبرَها الدولُ المُصنَّعة قضيةً أخلاقية، أصبحت قضيةً سياسةً تتصارع، في إطارها، الولايات المُتَّحِدة الأمريكية والصين اللتان هما قوَّتان اقتصاديتان ولهما أكبر نصيب في إفراز ثاني أكسيد الكربون والغازات المُؤدِّية إلى الاحتباس الحراري.

والملاحظ أن الدول القوية اقتصاديا، وصناعيا، تكنولوجياً، عسكرياً… هي التي تكون، في أغلب الأحيان، أنانية. ولهذا، فكل الشعارات التي بنت عليها الأمم المتحدة أو المؤسسات المنبثقة عنها كاليونسكو ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي…، من قبيل التفاهم والتعاون والسلم والكرامة والتعليم للجميع ومحاربة الفقر والنهوض بحقوق الإنسان… ليست إلا خُدعات لذرِّ الرماد على العيون ومخالِفة للواقع الذي تعيش فيه الدول الفقيرة أو غير المُصنُّعة. وهذا الواقع يقول : "الكلمة للأقوى".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...