فنون بصرية نعيم شريف - الجلالُ بثوبه الفيروزي...

لا تذكرُ الكاميرا اسم الوطن أو الشخص أو المقتول أو القاتل ، تمنحنا الكاميرا برود التخمين والتقدير ، لا تُخبرنا الكاميرا الديجتال الرقمية عن مقدار الفقد أو الحزن أو ألم الرضوض وكسرُ القدم أو الضلع أو القلب ، إنّها تُلقي علينا بحصادها وتترك لنا طريقة الاحتفال أو الصمت .



الكفان ، آه ، أرأيت الكفين ؟ للكفين لغةٌ بليغة ، تخيّل معي فيلسوفاً بقامة مارتن هايدغر ، حين سُئلَ ، بتأنيب ، عن شغفه بالنازية وأدولف هتلر ، أجابَ سائلهُ بحماس عاشقة مُدلّهة : " هل رأيت كفيه ؟ (يقصد هتلر ) هل رأيت كيف أنهما رائعتان !

فكيف بكفين مُتربتين تحضنان جسد طفلٍ قضى ؟
تترك لنا الكاميرا مساحة للتخيُّل ، فهي لا تستطيع ، فوتوغرافياً ،أن تصوّر لنا مقدار الألم الناجم عن الجلوس ،بانحناء الى الأمام على الركبتين ، أو ترصد لنا حجم الأذى الجسدي جراء الجلوس ،بهذه الوضعية على بقايا طابوق وأحجار وزجاج مكسور .

ولكن انظر للكف اليسرى المُمتلئة قليلاً تحيط ،بحنان يومي اعتادته ،رأس الرضيع ، ثم انظر لليد اليمنى تسندُ الجزء الأسفل من جسده .
تنجحُ الكاميرا في رصد النظرة المُلثمة ، حتى من وراء حجاب ،سترى الى فَقدٍ مذهولٍ لكنهُ بطولي ، بطولة ليست من طريق الهتاف والشعار ، لا لا ، بل هي فقط بطولة الأم : أمٌ تحتضن رضيعها بهذا الصمت الجليل والمُدين والصابر ، الصمت الرصين والراضي بقدرٍ غشومٍ لا رادَ له ، أنّها تحميه حتى بعد الموت ! ، فهذا القتيل الصغير في بجامة الفقراء الحمراء التي أُلبست له قبل سويعات أو لحظات ، كان سلوتها اليومية ، صوت مناغاته يجعل قلبها طائراً يضرب قفص الضلوع من البهجة ، بكائه من جوعٍ وتغضّن قصمات وجهه يضحكها ، في هذه اللقطة هي تحاول أن تستعيد هذه اللحظات ، إنّها تضمّها وهي تضم الجسد الصغير المُتوفى .
بهذا الثوب الفيروزي الفقير ،وهذا الحجاب الممزق وجثة طفلها بين ذراعيها ، تُعلن احتجاجها البليغ والصامت على طائرات شبحية ،وصواريخ ذكية وحرب ليست حربها : إنها تبني هذا العالم وهم يهدمونه .

ولكن هلّا أمعنت في هذا الجلال الحزين والمنكسر ، إنها مضيئةٌ بثوب الفيروز الرث ، يا إلهي كم هما عظيمتان تينك الكفين !،
ا وضعها هذا الذي صوّرتهُ الكاميرا : بطولة من دون جمهور : وجود انساني محدود عليه أن يواجه حزناً وفقداً لا محدودين .
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...