خالد جهاد - الجماهير

لطالما كان المبدعون الحقيقي وأصحاب الموهبة يبحثون عن أفضل الظروف التي تخدم أعمالهم ونتاجهم ليظهر بأفضل صورة ممكنة، ولطالما كان رأي الجمهور أو المتلقي له (فضلاً عن النقاد أو أصحاب الإختصاص) يشكل هاجساً بل ومصدر قلق بالنسبة إليهم.. استناداً للعديد من (وجهات النظر) التي تعتقد بأن إقبال الناس على شيءٍ ما أو حديثهم المستمر عنه بشكلٍ عام هو دليل نجاح أو تفوق يضفي قيمةً عليه ويعطيه شرعيته.. وكانت هذه المعايير شبه ثابتة لدى (الكثيرين) حتى بدأت تدريجياً بالتغير تبعاً للمتغيرات السياسية والإقتصادية والتي كان لها بالغ الأثر على البنية الإجتماعية والحياة الثقافية والفنية والأدبية والعلمية، فخلقت واقعاً مغايراً كان ولا زال محل جدل وإن كان بنسبٍ متفاوتة تختلف باختلاف الطبقة والثقافة والقيم التي تتبناها كل فئة، فتكون من خلالها نظرتها وتبني حكمها على الأشياء بغض النظر عن صوابها من عدمه..

وقد قيل الكثير عن الظروف التي أدت إلى ما نعيشه من متغيرات سواءاً كان من قبل الكتاب أو النقاد أو المختصين في علم النفس وعلم الإجتماع أو ممولي الأعمال الفنية والثقافية وأصحاب دور النشر، لكن الإشارة إلى (الجمهور) كسبب رئيسي وعامل أساسي أدى إلى ما نعيشه من تدني وانحدار ظلت خجولة، متوارية، وغير مباشرة كونه (الزبون) الذي يجب مداراته واحتوائه وتدليله وعدم انتقاده ليقبل على (استهلاك) وابتياع ما نقدمه من (السلع) وهو ما يجعله بالتالي دائماً على حق، وهو مبدأ وجد طريقه إلى كافة نواحي الحياة من حولنا وحول معه كل شيء إلى سلعة، وهو ما يناسب قدرات الكثيرين ممن يستفيدون من هذا الوضع لتحقيق أهدافهم..

فمن يقارن بين الأوضاع التي نعيشها اليوم وبين الظروف التي عاشتها مجتمعاتنا منذ خمسين عاماً على سبيل المثال سيجد اختلافاً كبيراً في تعاطي رجل الشارع وتعاطي الناس عموماً مع مختلف القضايا من أكبرها إلى أصغرها، سواءاً كنا نتحدث عن اسمٍ معين أو عن كتاب أو برنامج أو فيلم أو أغنية أو حتى عن حدثٍ ما أو حرب تضرب المنطقة وتؤثر عليها كما عشنا ولا زلنا نعيشها في فلسطين أو السودان و سوريا وغيرها..

فقد غيرت العولمة وكثرة المغريات من حولنا منظومة القيم ونمط التفكير لدى مختلف الطبقات وأعادت ترتيب أولوياتها لتواكب هذه المتغيرات سواءاً كانت تناسبها أم لا وحتى وإن كانت ضد المبادىء التي تعتنقها، حيث بات الضوء والمال بما يملكانه من سطوةٍ وقوة هما المحركان الأساسيان اللذان يقودان انسان اليوم نحو الحب واللذة والراحة والسعادة (كما يرى) بإستمرار من حوله، فألغت شعوره بذاته وبقيمته وهويته ومنعته من التفكير المنطقي والعقلاني وكأنه منوم أمام كل ما يرى من بريق، كما كسرت الحدود بينه وبين الخيال والممكن وجعلت كل شيء أمامه (نسبياً) كنوع من التبرير لسلوكياته، وبات ينظر إلى كل من يظهر على هاتفه النقال أو شاشة التلفاز كغريم (لا ينقص عنه في شيء) كما اعتاد الكثيرون أن يرددوا..

هذا الجمهور الذي يبدو لمن يراه بلا تمعن عادياً أو (بسيطاً) هو من (يحلم) بلقاء العظماء ثم يركض ليلتقط صورة مع إحدى مغنيات الإثارة اذا صادفها في مكانٍ عام، هو من يخبرها كم يحبها لكنه لا يسمح لأبنائه بمشاهدتها أو تقليدها ويصفها بأبشع الصفات، هو من يتغنى بالثقافة والفن الهادف ولا يتابع من الأعمال سوى التجارية والهابطة، هو من يرفض (الإسفاف) في الأعمال العربية ويقبل عليها بشراهة في (كل) ما عداها، هو من يهاجم اليوم بعض الأسماء ليعود إلى متابعتها أو القراءة لها أو تداول أخبارها غداً، هو من ينتقد غيره وينظر لنفسه دوماً كاستثناء خارج دائرة النقد، هو الذي لا موقف ثابت له وله دوماً مبرراته، هو الذي لديه بإستمرار تناقض بين (هنا) و (هناك)، هو من لديه (قراءته) الخاصة وحساباته الخاصة حتى في ما يخص الأديان.. لذا إن كنا لا نزال نعتقد وخاصةً في هذه المرحلة أن سلوكيات (الجماهير) المتناقضة ليست جزءًا أصيلاً من المشكلة فلا داعي للبحث عن حلول لأن التغير نحو الأفضل سيكون شبه مستحيل..

#خالد_جهاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...