هكذا واجه رابح بيطاط و رفاقه الإستعمار الفرنسي بهويات مزيفة

في ملتقى يلقي الضوء و لأول مرة على مسيرته في الكفاح و النضال هذا السبت

يعتبر المجاهد رابح بيطاط أحد أبرز قادة الثورة الجزائرية و أول مسؤول لجبهة التحرير الوطني بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، عاش رابح بيطاط متنقلا من سجل لأخر و شن بها 15 إضرابا عن الطعام كسجين سياسي، كما حاول الانتحار مرتين ولم يطلق سراحه سوى في 20 مارس 1962 غداة إعلان وقف اطلاق النار، شغل منصب وزير للنقل ، ثم انتخابه رئيسا للمجلس الوطني، عند وفاة هواري بومدين تولى الرئاسة بالوكالة كما عرف رابح بيطاط بمعارضته سياسة رئيس الحكومة السابق مولود حمروش، و كان من بين الذين وضعوا تحت الإقامة الجبرة، بعد وفاة بومدين نجح رابح بيطاط في تسيير المرحلة الانتقالية إلي غاية انتخاب الشاذلي بن جديد رئيسا للجزائر ، حيث قاطع الحياة السياسية لكن بوتفليقة عينه مبعوث رسمي في العديد من المحافل انتهت بدخوله إلي المستشفى حيث توفي في أفريل 2000


ربما لأول مرة يسلط مجاهدون و باحثون الضوء عن مسيرة شخصية تاريخية في ملتقي تنظمه التنسيقية الوطنية للحفاظ على الذاكرة الوطنية و التراث بولاية البويرة هذا السبت 08 فيفري 2025 ، و هو المجاهد رابح بيطاط ابن مدينة قسنطينة، فهو من مواليد بمشتة كاف بني حمزة القرب من عين الكرمة و التي تعرف حاليا باسم مسعود بوجريو، انتقلت عائلته و هو في عامه الأول الى قسنطينة و استقرت بدار المصري بزنقة سيدي جليس جنوب قصبة المدينة و فيها نشأ و درس، تعلم على يد والد الروائي مالك حداد فضلا عن تتبعه لدروس الشيخ عبد الحميد باديس غير أن ظروف الحرب العالمية الثانية و انعكاساتها أجبرته على التوقف عن الدراسة و السير في طريق النضال الوطني ، حيث انضم الى حزب الشعب الجزائري، و كان أول اصطدام له مع الجيش الفرنسي عندما سمع واحدا من الجنون يردد عبارة "انتم وحوش" فرد عليه رابح بيطاط " الوحشي هو الذي اغتصب بلاد غيره".

شارك رابح بيطاط في العديد من المظاهرات لكنه فضل العمل السري ، حيث كان من العناصر التي وقع عليها الاختيار لتأسيس المنظمة الخاصة في مدينة قسنطينة بهدف الإعداد للثورة المسلحة، و الحقيقة أن الشاب صالح بيطاط و هو الاسم الحقيقي لرابح بيطاط كان مغرما بالحياة السرية و المغامرات و هو ما دفعه إلى الانخراط في المنظمة السرية، كما كان يعشق رياضة " جو- جيستو" و هي نوع من فنون القتال المعروفة، فتدرب عليها رابح بيطاط ليصبح مدربا لزملائه عليها ، و بعد اكتشاف الجيش الفرنسي للمنظمة، فر رابح بيطاط رفقة بعض من رفقائه الى ناحية باتنة، و بالأوراس استأنف الهاربون نشاطهم النضالي في إطار حركة الانتصار، و تلقوا دروسا خاصة حول كيفية مواجهة الاستنطاق بمراكز الشرطة و رجال الأمن عامة.

من رابح بيطاط الى إبراهيم بن هوده و سي علي



أدرك رابح بيطاط أنه في وضع لا يحسد عليه ، فمن جهة مطاردته من قبل الجيش الفرنسي، و من جهة أخرى صعوبة التأقلم مع زوجة أبيه التي كانت رافضة عودته الى البيت لكونه كان مطاردا و محكوما عليه بالسجن لمدة 05 سنوات و صدر في حقه أمر بالنفي خارج البلاد، فضل رابح بيطاط الفرار، و لحسن حظه التقى بيوسف بن خدة و الذي وجهه الى المناضل الخياط عيسى كشيدة و كان هذا الأخير مكلفا بإيواء المطاردين، كما التقى رابح بيطاط بمحمد بوضياف و مصطفى بن بولعيد، و قام هذا الأخير (بن بولعيد) بتزوير له بطاقة تعريف باسم إبراهيم بن هوده، و من هذا اليوم أصبح رابح بيطاط يعرف باسم إبراهيم بن هوده ، و لم يكتف بهذا الاسم ، بل كان يحضر اجتماعات عين تموشنت باسم سي علي رفقة بن مهيدي الذي كان هو الآخر يناضل بهوية مزيفة، و لكنه غادر المكان عندما بدأت مصالح الأمن الفرنسي تشتبه في أمره.

و خلال الأزمة التي وقعت بين مصالي الحاج و أمانته العامة بقيادة بن يوسف بن خدة، فضل رابح بيطاط و أربعة من الرفقاء و هم : ( بوضياف، ديدوش مراد، بن بوالعيد ، بن مهيدي) الحياد و سموا أنفسهم بالمحايدين و شكلوا هيئة تنسيق، و باقتراح من مسئول التنظيم بالحزب بشير دخلي، أسس الخمسة المحايدون اللجنة الثورية للوحدة و العمل، و أصدرت ستة أعداد لصحيفة سرية سمتها "لوباتريوت"، كما كان الخمسة المحايدون من الداعين لعقد اجتماع الـ: 22 و التي أسندت رئاسته إلى مصطفى بن بولعيد للتفكير في استمرارية الثورة أم توقفها، في هذا الاجتماع تقرر الاتصال بمسؤولي جرجرة لكسب منطقة القبائل، كانت المنطقة بقيادة كريم بلقاسم تسعى إلى إعادة الحزب الى خطه الثوري الأول، حيث عقدت لجنة الخمسة اجتماعا آخر مع كريم بلقاسم و أوعمران ، و تقرر انضمام كريم إلى لجنة الخمسة، بعدها عقد اجتماع بناحية ذراع بن خدة بقيادة بيطاط نفسه رفقة مناضلين آخرين من منطقة القبائل.

لقــــــاء الأحــــــرار

بعد فشل توحيد الأحزاب الجزائرية فكرت لجنة الستة في إنشاء جبهة و جيش التحرير الوطني و تحديد أهدافها وإعطائها هذا الاسم، ظهرت إلى الملأ بهذا الاسم، و يعتبر إنشاء جبهة التحرير الوطني في 23 أكتوبر 1954 بمثابة تجمع كل مناضلي القضية الوطنية ، و كان من المتفق أن يتم الإعلان عن الثورة يوم 20 أوت 1954 بطلب من مكتب المغرب العربي في القاهرة تزامنا مع العملية التي كان الثوار المغاربة يخططون لها و التي كانت تستهدف العميل محمد بن عرفة بمناسبة الذكرى الأولى لعزل و نفي السلطان محمد بن يوسف، لكن الجبهة اختارت أول نوفمبر 54 لانطلاق الكفاح المسلح لأنه يصادف يوم عيد القداس، و ما كان لأعضاء لجنة الستة إلا أن يعتذروا بحجة عدم الاستعداد الكافي لذلك.

لم يكن رابح بيطاط يعلم أن مؤامرة حيكت ضده و للإيقاع به ، فبينما كانت النواة القيادية لجبهة و جيش التحرير الوطني ترتب أمورها ظهر شخص اسمه سليمان لاجودان و كان هذا الأخير على اتفاق مع جاك سوستيل لتسليم له قادة المناطق الثلاثة كهدية، ثم ضرب لقاءً مع رابح بيطاط ، و يروي بيطاط ما حدث له مع لاجودان، عندما أخرج له خريطة بدعوة التفاهم حول نقطة إنزال الأسلحة، ليتفاجأ و هو يحاصره بالطاولة الى الحائط، و بمساعدة شخص آخر صوب نحوه مسدسا، و لم تمض ثوان حتى يجد رابح بيطاط نفسه محاطا بالشرطة الفرنسية، حيث تعرض إلى شتى أنواع التعذيب و الاستنطاق قبل أن يتم نقله الى سجن سركاجي.

جرت محاكمة رابح بيطاط بحضور محاميه محمد الصديق بن يحي، و حكم على بيطاط بـ: 20 سنة سجنا مع الأشغال الشاقة، تنقل رابح بيطاط بين جدران السجون الفرنسية ، و شن بها 15 إضرابا عن الطعام كسجين سياسي، كما حاول الانتحار مرتين، مرة بابتلاع السم و الثانية بقطع وريد يده بواسطة آلة لقص الورق، لكنه محاولته فشلت، بعد تأسيس الحكومة المؤقتة نزل الخمسة الشوفينيين على هيئة الأركان العامة بقيادة هواري بومدين، ثم انتقلوا الى مصر و منها الى تونس، و عين رابح بيطاط كوزير دولة في الحكومة المؤقتة رفقة خيضر و آيت أحمد، في هذه الفترة تزوج رابح بيطاط المجاهدة بزهرة ظريف في 17 ماي 1957 ، و حول الصراع بين قيادة الحكومة المؤقتة و هيئة الأركان العامة، فضل رابح بيطاط الحياد، غير ان ذلك لم يمنعه من المشاركة في وضع برنامج طرابلس، كما انه رغم حياده رفض قرار الحكومة المؤقتة الصادر في 30 جوان 1962 ، القاضي بعزل ( بومدين علي منجلي و قايد) الذين يشكلون ثلاثي قيادة الأركان العامة ، أي عشية استفتاء تقرير المصير و إعلان استقلال الجزائر.

ورقة علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...