علجية عيش - متى تنتصر معارض الكِتاب للثقافة و المقروئية؟ (الجزائر نموذجا)

مطالب برفع التجميد عن المركز الوطني للكتاب و استرجاع مكانته

حول منافسة الكتاب الإلكتروني للكتاب الورقي يجمع معظم الناشرين أن الجمعيات و المؤسسات الثقافية لها دور كبير في استقطاب القارئ و تقريب له الكِتَاب عن طريق تنظيم لقاءات على مستوي المؤسسات الثقافية للتعريف بالكُتّاب و الباحثين و منتوجهم، دون محاباة أو جهوية من أجل النهوض بالكتاب الورقي ، باعتباره محركا أساسيا في عملية التغيير، من خلال وقوفنا على بعض المعارض كانت هناك دعوات لإعادة النظر في مشكلة تراجع المقروئية في الجزائر، و معرفة أسبابها الحقيقية كما كانت هناك مطالب من أجل استرجاع مكانة المركز الوطني للكتاب، فتجميد هذا المركز سمح بان يطغى الجانب التجاري في صناعة الكتاب فنحن نر
ى كتبا مكدسة في غياب القارئ، الأمر طبعا مختلف بالنسبة للدول التي تعيش الحروب و التي هي تنعم بالحرية و السؤال متى تنتصر معارض الكتاب للثقافة و المقروئية؟


تعيش الجزائر على غرار الدول العرببة على وقع تنظيم تظاهرات ثقافية عديدة و متنوعة لتحريك الساحة و رفع عنها الجمود منها التظاهرة المتمثلة في معرض الكتاب ، الذي أصبح سُنّة حميدة تحرص وزارة الثقافة على إحيائها ، هذه التظاهرة التي تشترك فيها فئة كبيرة من الناشرين و الكُتَّابِ، فقد ربطت بين الناشر و الكاتب علاقة تواصل حميمية، لاسيما و أن هذا التواصل له علاقة كبيرة بـ: "الماناجمنت" و التسويق يحتاج إلى وجود عنصر ثالث، ألا و هو "القارئ" الذي يعتبر زبون مفضل أو عزيز إن صحّ التعبير، و بدونه لا يمكن لدور النشر تسويق منتوجها، فالكِتَابُ ظل و لا يزال "الحبل الرّوحي" الذي يربط الكاتب بالناشر، فهو (أي الكِتاب) رأس مال الناشر و الكاتب معا، و لذا تحرص دور النشر في الجزائر على تسويق منتوجها عن طريق المشاركة في المعارض التي تكون عادة تحت رعاية وزارة الثقافة، لكن وزارة الثقافة و إن وفرت كل الشروط و الأجواء لتنظيم معرضا للكتاب سواء كان هذا المعرض دوليا أو وطنيا أو محليا ( أي على مستوى الولاية) فهي لا تضمن تسويق الكتاب ( أي بيعه) ، لأن التسويق مسؤولية الناشر، وقد يكون مسؤولية الكاتب أيضا ، فمهمته ترويج منتوجه عن طريق المشاركة في المعارض أيضا و بيع بالتوقيع، لكن قليل فقط من الكتاب الذين يحظون بهذه الفرصة لأسباب عديدة منها المحاباة و الجهوية.

فمن جهته، يختار الكاتب الموضوع الذي يتناسب مع قضايا الساعة و يلبي رغبة فئة من القراء الذين يبحثون عادة عن الكتب الفكرية، فغالبا ما تبحث هذه الفئة و التي يطلقون عليها اسم " النخبة" عن المراجع الفكرية لإنجاز أطروحاتهم و لهذا نجد بعض دور النشر تحرص على طبع الدراسات الأكاديمية و البحوث الجامعية و التي تكون في مستوى الرقي الفكري مهما كان المجال الذي يعمل عليه الباحث، مثلما نراه في شركة الأصالة للنشر الجزائر التي تحظي بالتميز و كذلك دار العثمانية و الوطن اليوم و دار بهاء و حتى المكتبات كـ: "مكتبة الإحسان" و "مكتبتي" و غيرها، كلٌّ من موقعها الخاص، فيما تنوع بعض دور النشر في منتوجها الإبداعي، فمكتبة الإحسان بولاية باتنة و التي ارتقت إلى دار نشر، على سبيل المثال، تحرص هي الأخرى على تقديم خدمات للقارئ ، من خلال تنويع كتبها ، فكرية كانت أو ثقافية، كما تركز على الجانب التربوي ، و ذلك بعرض الكتب المدرسية، و قصص و مجلات موجهة للأطفال ، من أجل استقطابهم ، هدفها بناء " القارئ المتمدرس" و تحبيبه في القراءة و المطالعة خارج أوقات الدراسة، كما تتعامل مكتبة الإحسان مع عديد من دور النشر، و قد عرفت هذه المكتبة مؤخرا بمشاركتها القوية لمعارض الكتاب ، فمن معرض الكتاب بباتنة الذي احتضنته قاعة أسحار، ثم معرض الكتاب الذي احتضنته ولاية وادي سوف جنوب الجزائر، حسب انطباعات الجمهور فقد حقق هذا المعرض نجاحا كبيرا و على كل المستويات، بالإضافة إلى مشاركتها في معرض الكتاب ببلدية نقاوس بباتنة شرق الجزائر .

فالناشرون في الجزائر و بدون استثناء و كذلك أصحاب المكتبات ، يحرص أصحابها على تحقيق "التميّز" بحيث نقف على كتب بعناوين و أحجام مختلفة ، بعض الكتب بلغت مستوى راق جدا من حيث الإخراج و التغليف (مجلد) ، ثم أن اهتمامات الناشرين تختلف من ناشر لأخر، فمنهم من يرتكز اهتمامه على طبع الكتب الدينية و المصاحف كما نراه في شركة العواصم، و أخرون على فكر مالك بن نبي من بينهم الأصالة للنشر و دار الوعي ، في حين تركز بعض دور النشر على التراث و منها جمعية التراث الكائنة بمنطقة الزاب ( غرداية )، طبعا لا يختلف إثنان أن الهدف الأساسي من تنظيم المعارض هو ترويج القراءة و ربط القارئ بالكتاب، كون القراءة تعتبر من أهم وسائل كسب المعرفة، لكن ما يلاحظ أن المعارض الوطنية و المحلية التي تنظم تحت رعاية وزارة الثقافة تختلف عن المعرض الدولي ( سيلا) الذي تنظمه ذات الوزارة كل سنة ، فهذا الأخير له طابع مميز، و يلقى إقبالا كبيرا لدى الزوّار من داخل و خارج الجزائر، لأن دور النشر العربية و الغربية التي تشارك فيه بلغت مستوى عالٍ جدا من الاحترافية في صناعة الكتاب، بحيث يلاحظ على منتوجهم ، أن له قابلية للبقاء مدة أطول، ناهيك طريقة الإخراج، عكس ما نلاحظه في بعض دور النشر الجزائرية ( المبتدئة) أين نجد أوراق الكتاب تتمزق بسرعة، وهذا طبعا راجع لأسباب عديدة.

فأغلب الناشرين يشتكون من ندرة المادة الأولية ( الورق) و ارتفاع أسعاره، خاصة و أن هذا الأخير يستورد من الخارج -علي حد قولهم- ، ثم أن بعض دور النشر لا تملك مطبعة، و لا أليات الطبع و أدواته ، ففيما تلجأ بعض دور النشر المحترفة إلى خياطة أوراق الكتاب، هناك من يعتمد على طرق أخرى بسيطة كاستعمال الغراء، ومع الوقت تتعرض صفحات الكتاب إلى التلف، و لذلك يرى ناشرون أن صناعة الكتاب تحتاج إلي مختصين ، ما يمكن قوله هو أن الأزمة ليست أزمة تسويق، و لا أزمة ورق ، فنحن نقف على ألاف الكتب المطبوعة معروضة في المعارض، و هذا ما يؤكد أن الأزمة هي أزمة مقروئية و هذه لها دوافعها التي دفعت القارئ الجزائري إلى متابعة المنتوج الأجنبي و قراءة أفكار كُتّاب أجانب عن طريق "الواب" ، خاصة و أن مواقع عربية أصبحت تروج للكتاب كموقع (بوك نور)، فالتكنولوجيا الحديثة و ظهور الكتاب الإلكتروني كان وراء تراجع المقروئية ليس في الجزائر فحسب بل في الوطن العربي بل تنعدم تماما، لأن ارتفاع أسعار الكتاب في سوق الكتاب مرتفعة جدا بين 800 دج و 1500 و 2000 دج فما فوق ، وبالتالي ليس بمقدور القارئ اقتناؤه لضعف مدخوله، خاصة و أن تنظيم معرض الكتاب في الجزائر عادة ما يتزامن مع الدخول الإجتماعي ( المدرسي)، أين يتعذر على ربّ الأسرة التوفيق بين تلبية حاجيات أبنائه المتمدرسين خلال الدخول المدرسي و أن يغذي عقله هو بشراء كتاب ( تثقيفي) يطالعه، و لذا تشهد معارض الكتاب أحيانا عزوفا للزوار، لأن النشر الإلكتروني، أصبح يزاحم الكتاب الورقي، و خلق ما يسمى بالقارئ الإلكتروني، بعدما أصبحت الإنترنت في متناول الجميع.

من خلال زيارتنا لبعض معارض الكتاب ، وقفنا على أن بعض الطلبة الجامعيين لا يؤمنون بما يسمى بالمطالعة أو التثقيف، و كان رد العديد منهم أنهم يبحثون عن الكتب التي تخدم مذكرات تخرجهم ، أما الباقي فهو خارج اهتمامهم، كانت لنا دردشة مع الأستاذ محمد بن عبد الله خلال مشاركته في إحدي المعارض الوطنية و في رده علي سؤالنا حول غياب المقروئية في الجزائر قال أن المسؤولية تشترك فيه مختلف القطاعات و المؤسسات الثقافية و الجمعيات و دور النشر و الإعلام كذلك، و بالأخص المنظومة التربوية، التي هي المسؤول الأول عن أزمة القراءة و المقروئية ، لأنها لم تصنع القارئ، موضحا أن الطفل يمرّ بكل مراحل التعليم، إلى أن يصل إلى الجامعة و لكنه لم يقرأ و لا كتابا واحدا في حياته، وهي بالتالي ( أي المنظومة التربوية) تتحمل المسؤولية، لأنها فشلت في صياغة القارئ ، وقال أن المنظومة التربوية لم تضم في برنامجها و مقرراتها مسألة التعريف بالكتاب و الشخصيات التاريخية، كما أن معظم مذكرات التخرج من الجامعة الجزائرية يضيف محدثنا لا تتطرق إلى أعلام الجزائر و مبدعيها و تعتمد على شخصيات عربية من خارج بلدها .
ورقة علجية عيش الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...