وإذا لم يشغِّل مَن يريد أن يكونَ عالما عقلَه، فسيبقى هذا العقلُ جامداً وغير قادرٍ على إنتاج المعرفة الجديدة. بل سيبقى مُكتفِياً بما لديه من معرفة أو مُكتفِياً بما أنتجه الآخرون، وفي نفس الآن، سيضيع منه، مع مرور الوقت، لقبُ "عالم". بمعنى أنه أصبح غير مُستحِقٍّ لهذا اللقب. والسبب هو أنه جمَّد عقلَه ومنعَه من التَّفكير.
إذن، العالم هو الشخص الذي يشغِّل عقله ليُنتِج معرفةً جديدة٠ أو بعبارة أخرى، ليُغنيَ رصيدَه المعرفي son propre patrimoine de connaissances، وفي نفس الوقت، يُغني الرصيد المعرفي البشري le patrimoine humain de connaissances. هذا هو العالِم. وأضعف الإيمان، أنه يُحسِّن ويُرقِّي المعرفةَ التي أنتجها علماءٌ آخرون.
وبالتدقيق، كلمة "عالِم" هي، في نفس الوقت، نعتٌ adjectif واسمٌ nom. نعتٌ، عندما نقول، مثلاً، هذا "شخصٌ عالم" un individu scientifique، فالمقصود هو أنه تتوفَّر فيه صفات "عالِم" مُنتِجٍ للمعارف الجديدة. اسم، عندما نقول، مثلاً، "العالِم الفلان الفلاني" يعني شخصٌ تتوفر فيه نفسُ الصفات.
وفضلا عن هذه الصفات، فالعالِم، حقًّا وحقيقةً، لا يستيقظ، ذاتَ صباح، وينزل عليه الوحي ويبدأ في إنتاج المعرفة. لا، أبدأ! هذا ليس عالما وإنما مُنَجِّماً voyant. العالِم له أسلوبٌ une démarche يعتمد عليه لإنتاج المعرفة الجديدة. أو بعبارة أخرى، له منهجِية une méthodologie يستعين بها لإنتاج المعرفة الجديدة. واتِّباع منهجيةٍ معيَّنة تجعل العالِمَ يتوخى الدِّقةَ la précision والموضوعية l'objectivité في إنتاج المعرفة الجديدة. وهذا يعني أن العالِمَ يجب أن يكونَ، في نفس الوقت، باحثا un chercheur. والباحث يشغِّل عقلَه داخلَ مُختَبَر من المختبرات أو خارجَه.
والعالِمُ الباحثُ يمكن أن يكون متعدِّدَ التَّخصصات multidisciplinaire أو متخصِّصاً spécialiste في علمٍ من العلوم الدنيوية. والعالِمُ الباحثُ المُتخصِّصُ يمكن أن يكونَ متخصِّصا في مجال من مختلف مجالات العلوم الإنسانية les sciences humaines أو في مجال من مجالات العلوم الدقيقة les sciences exactes.
والعلوم الإنسانية تدرس وتبحث في جميع القضايا والمشكلات التي لها علاقة بحياة الإنسان وبعيشِه وتعايُشِه داخل المجتمعات المُنظَّمة. وقد يُطلَق على جزءٍ كبيرٍ من العلوم الإنسانية تسمية "العلوم الاجتماعية". وكأمثلة للعلوم الإنسانية، أذكرُ، مثلاً، التاريخ l'histoire، الجغرافيا la géographie، علم الإناسة anthropologie، علم الاجتماع sociologie، علم النفس الاجتماعي psychologie sociale، الاقتصاد économie، الفلسفة philosophie…
بينما العلوم الدقيقة، هي العلوم التي تعتمد في بحثها على الدقة أو على الاقتراب من هذه الدقة. وتضم العلوم الدقيقة علومَ الأرض les sciences de la terre كالجيولوجيا la géologie وعلم البحار océanographie وعلم الأُحفوريات paléontologie وعلم المناخ climatologie… كما تضم العلوم الدقيقة علوم الحياة كالبيولوجيا biologie علم النبات botanique وعلم الحيوان zoologie وعلم البيئة écologie والكيمياء الحيوية biochimie… وتضم العلوم الدقيقة، كذلك، العلوم الرياضية كالهندسة géométrie والجَبر algèbre والإحصائيات statistiques والرياضيات التطبيقية كاملعلوميات informatique… وتضمُّ أيضا العلوم الطبية والفيزيائية كاالفيزياء la physique والكيمياء la chimie والكيمياء العضوية chimie organique وكيمياء وفيزياء المواد science des matériaux علم الفلك astronomie والفيزياء الفلكية astrophysique…
القاسم المشترك بين هذه العلوم، سواءً كانت إنسانية أو دقيقة، فهي تتجدَّد باستمرار. ولهذا، فمثلا، علوم الحضارات القديمة (الصينية، الفارسية، اليونانية، البيزنطية، الرومانية، الإسلامية، الغربية، الشرقية…) ليست، على الإطلاق، هي علوم العصر الحاضر. كل العلوم تغيَّرت، رأساً عل عقبٍ. لماذا؟
لأن العقلَ البشري لم يتوقَّف ولن يتوقَّفَ عن التَّفكير إلى أن يَرِثَ اللهُ، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن عليها. والتفكير وراءَه البحث. والبحث، نفسُه، تطوَّر بتطوُّر أساليبه ومنهجياته. وكلما تطوَّرَ البحث، كلما تطوَّر معه العقلُ البشري الذي يُصبح مُلما بأمورٍ كثيرة لم تكن في الحسبان. وتطوُّر العقل البشري يقود، حتماً، إلى تطوير وسائل ومنهجيات البحث نفسِها والمؤدية إلى إنتاج معارف جديدة، بل، أحياناً إلى انتاج علوم جديدة. ولماذا العقل البشري لن يتوقَّفَ عن التفكير؟
الجواب على هذا السؤال يقتضي بصيصاً من المنطق. فهل اللهُ، سبحانه وتعالى، يخلق الأشياءَ عبثاً، أي بدون غاية من الغايات؟ لا، أبداً! كل شيءٍ خلقه ويخلقُه الله، عزَّ وجلَّ، إلا وجعل له غايةً أو غاياتٍ. والله، سبحانه وتعالى، عندما خلق الإنسانَ (آدمَ)، ميَّزه عن الملائكة وعن جميع المخلوقات الحية، بالعقل والنُّطق.
ولهذا، عندما قال، سبحانه وتعالى للملائكة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…" (البقرة، 30)، أجابته الملائكة و "...قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ… (نفس الآية)، فأجابهم، عزَّ وجلَّ : "...قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (نفس الآية). فحين قال، سبحانه وتعالى، "...إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، فهذا دليلٌ على أنه، سبحانه وتعالى، لم يخلق آدمَ عبثاً أو صُدفةً، كان ولا يزال يعلم لماذا خلقه. ومن بين الأشياء التي كان يعلمها، سبحانه وتعالى، هي أن الإنسانَ مُطالبٌ بتشغيل عقله الذي هو هِبةٌ من الله، لكن تشغيلُه في إنتاج كل ما بنفع البلادَ والعباد.
ومن بين ما هو قادر على إنتاجه العقلُ البشري، إنتاج المعرفة la production des connaissances، من خلال البحث الذي تدور أطوارُه داخلَ وخارجَ المختبرات. والبحث الذي يُدارُ داخلَ أو خارجَ المختبرات، هو الذي مكَّن البشريةَ من رَكْمِ قدرٍ كبيرٍ وهائل، بل لامحدود، من المعارف المرتبطة بجميع المجالات المعرفية.
وللتذكير، لقد قلتُ أعلاه إن القاسم المشترك بين جميع العلوم الدنيوية، سواءً كانت إنسانية أو دقيقة، هو أنها تتغيَّر باستمرار عبر الزمان والمكان. أي أنها تتغيَّر مع الواقع وتُغيِّره بانتظام. ليس هناك ولو علمٌ واحد أنتجه العقل البشري، بقي على حالِه، أي كما أنتجه الأولون. وهذا يعني أن أي مجالٍ من مجالات المعرفة التي أنتجها العقل البشري، إن لم يتغيَّر، فمآلُه النسيان أو الانقراض.
وكمثال على ذلك، أستشهد بالنظرية التي كانت تعتبر الأرضَ هي مركز الكون théorie géocentrique التي اختفت وحلَّ محلها نظرية مركزية الشمس théorie héliocentrique. انقرضت النظرية الأولى وبقيت النظرية الثانية قائمةًإلى يومنا هذا.
كل علمٍ دنيوي، كيفما كان، لا يمكن أن يبقى جامدا. وإن بقي جامدا، فهذا يعني أن الباحثين فيه، إما توقفوا عن تشغيل عقولهم وإما علمُهم هذا أصبح متحاوزاً، فتركوه وانشغلوا بإنتاج علمٍ جديدٍ.
إلا العلوم الدينية لم يطرأ عليها أيُّ تغيير، منذ ما يزيد عن ألف سنة، أي منذ ما يزيد عن 10 قرون. علماً أنها إنتاج بشري، أي كان، من المفروض، أن تتغيَّرَ مع تغيُّر الزمان والمكان. والسبب الرئيسي، هو أن علماء وفقهاء الدين يظنون ولا يزالوا يظنون أن ما أنتجه الأولون، من فقهٍ وأحكام، صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ. حينها، وضعوا حدّاً لتشغيل عقولِهم.
بل، من بين علماء وفقهاء الدين، مَن يقول ويجزم أن "النَّصَّ يُقَدَّمُ على العقل". بمعنى أن العقلَ يجب أن يتوقَّفَ عن التفكير أمامَ النص. لكن ما نسِيه أو تناساه علماء وفقهاء الدين أن النصَّ إنتاجٌ أفرزه العقل البشري. وكل ما أنتجه العقل البشري من معارف قد يكون صوابا وقد يكون خطأً، وبالتالي، فهو قابل للنقاش. أليست كتّبُ المذاهب الأربعة، إنتاج معرفي بشري؟ أليست تفاسير القرآن الكريم للطبري وابن كثير والقرطبي والبغوي والسعدي… إنتاج معرفي بشري؟
إنها، فعلا، إنتاج فكري معرفي بشري. لكن علماء وفقهاء الدين يعتبرون نصوصَ جلِّ هذه الكُتُب، نصوصا قطعيةً لا يجب تغييرُها أو مساسُها، وبالتالي، فهي صالحةٌ لكل زمان ومكان. فعن أي علمٍ أو علومٍ يتحدَّث هؤلاء العلماء والفقهاء؟
ما لم ينتبه له هؤلاء العلماء والفقهاء هو أنهم غير مُطَّلعين على ما أنتجته وتُنتِجه العلوم الإنسانية من معارف مفيدة لهم كعلم الاجتماع sociologie وعلم الإناسة anthropologie والتاريخ، وخصوصا، تاريخ العلوم histoire des sciences. هذا الأخير بيَّن ويُبيِّن أنه لا يوجد، على الإطلاق، علمٌ بقي على حاله كما أنتجه الأولون.
إذن، العالم هو الشخص الذي يشغِّل عقله ليُنتِج معرفةً جديدة٠ أو بعبارة أخرى، ليُغنيَ رصيدَه المعرفي son propre patrimoine de connaissances، وفي نفس الوقت، يُغني الرصيد المعرفي البشري le patrimoine humain de connaissances. هذا هو العالِم. وأضعف الإيمان، أنه يُحسِّن ويُرقِّي المعرفةَ التي أنتجها علماءٌ آخرون.
وبالتدقيق، كلمة "عالِم" هي، في نفس الوقت، نعتٌ adjectif واسمٌ nom. نعتٌ، عندما نقول، مثلاً، هذا "شخصٌ عالم" un individu scientifique، فالمقصود هو أنه تتوفَّر فيه صفات "عالِم" مُنتِجٍ للمعارف الجديدة. اسم، عندما نقول، مثلاً، "العالِم الفلان الفلاني" يعني شخصٌ تتوفر فيه نفسُ الصفات.
وفضلا عن هذه الصفات، فالعالِم، حقًّا وحقيقةً، لا يستيقظ، ذاتَ صباح، وينزل عليه الوحي ويبدأ في إنتاج المعرفة. لا، أبدأ! هذا ليس عالما وإنما مُنَجِّماً voyant. العالِم له أسلوبٌ une démarche يعتمد عليه لإنتاج المعرفة الجديدة. أو بعبارة أخرى، له منهجِية une méthodologie يستعين بها لإنتاج المعرفة الجديدة. واتِّباع منهجيةٍ معيَّنة تجعل العالِمَ يتوخى الدِّقةَ la précision والموضوعية l'objectivité في إنتاج المعرفة الجديدة. وهذا يعني أن العالِمَ يجب أن يكونَ، في نفس الوقت، باحثا un chercheur. والباحث يشغِّل عقلَه داخلَ مُختَبَر من المختبرات أو خارجَه.
والعالِمُ الباحثُ يمكن أن يكون متعدِّدَ التَّخصصات multidisciplinaire أو متخصِّصاً spécialiste في علمٍ من العلوم الدنيوية. والعالِمُ الباحثُ المُتخصِّصُ يمكن أن يكونَ متخصِّصا في مجال من مختلف مجالات العلوم الإنسانية les sciences humaines أو في مجال من مجالات العلوم الدقيقة les sciences exactes.
والعلوم الإنسانية تدرس وتبحث في جميع القضايا والمشكلات التي لها علاقة بحياة الإنسان وبعيشِه وتعايُشِه داخل المجتمعات المُنظَّمة. وقد يُطلَق على جزءٍ كبيرٍ من العلوم الإنسانية تسمية "العلوم الاجتماعية". وكأمثلة للعلوم الإنسانية، أذكرُ، مثلاً، التاريخ l'histoire، الجغرافيا la géographie، علم الإناسة anthropologie، علم الاجتماع sociologie، علم النفس الاجتماعي psychologie sociale، الاقتصاد économie، الفلسفة philosophie…
بينما العلوم الدقيقة، هي العلوم التي تعتمد في بحثها على الدقة أو على الاقتراب من هذه الدقة. وتضم العلوم الدقيقة علومَ الأرض les sciences de la terre كالجيولوجيا la géologie وعلم البحار océanographie وعلم الأُحفوريات paléontologie وعلم المناخ climatologie… كما تضم العلوم الدقيقة علوم الحياة كالبيولوجيا biologie علم النبات botanique وعلم الحيوان zoologie وعلم البيئة écologie والكيمياء الحيوية biochimie… وتضم العلوم الدقيقة، كذلك، العلوم الرياضية كالهندسة géométrie والجَبر algèbre والإحصائيات statistiques والرياضيات التطبيقية كاملعلوميات informatique… وتضمُّ أيضا العلوم الطبية والفيزيائية كاالفيزياء la physique والكيمياء la chimie والكيمياء العضوية chimie organique وكيمياء وفيزياء المواد science des matériaux علم الفلك astronomie والفيزياء الفلكية astrophysique…
القاسم المشترك بين هذه العلوم، سواءً كانت إنسانية أو دقيقة، فهي تتجدَّد باستمرار. ولهذا، فمثلا، علوم الحضارات القديمة (الصينية، الفارسية، اليونانية، البيزنطية، الرومانية، الإسلامية، الغربية، الشرقية…) ليست، على الإطلاق، هي علوم العصر الحاضر. كل العلوم تغيَّرت، رأساً عل عقبٍ. لماذا؟
لأن العقلَ البشري لم يتوقَّف ولن يتوقَّفَ عن التَّفكير إلى أن يَرِثَ اللهُ، سبحانه وتعالى، الأرضَ ومَن عليها. والتفكير وراءَه البحث. والبحث، نفسُه، تطوَّر بتطوُّر أساليبه ومنهجياته. وكلما تطوَّرَ البحث، كلما تطوَّر معه العقلُ البشري الذي يُصبح مُلما بأمورٍ كثيرة لم تكن في الحسبان. وتطوُّر العقل البشري يقود، حتماً، إلى تطوير وسائل ومنهجيات البحث نفسِها والمؤدية إلى إنتاج معارف جديدة، بل، أحياناً إلى انتاج علوم جديدة. ولماذا العقل البشري لن يتوقَّفَ عن التفكير؟
الجواب على هذا السؤال يقتضي بصيصاً من المنطق. فهل اللهُ، سبحانه وتعالى، يخلق الأشياءَ عبثاً، أي بدون غاية من الغايات؟ لا، أبداً! كل شيءٍ خلقه ويخلقُه الله، عزَّ وجلَّ، إلا وجعل له غايةً أو غاياتٍ. والله، سبحانه وتعالى، عندما خلق الإنسانَ (آدمَ)، ميَّزه عن الملائكة وعن جميع المخلوقات الحية، بالعقل والنُّطق.
ولهذا، عندما قال، سبحانه وتعالى للملائكة : "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…" (البقرة، 30)، أجابته الملائكة و "...قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ… (نفس الآية)، فأجابهم، عزَّ وجلَّ : "...قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (نفس الآية). فحين قال، سبحانه وتعالى، "...إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، فهذا دليلٌ على أنه، سبحانه وتعالى، لم يخلق آدمَ عبثاً أو صُدفةً، كان ولا يزال يعلم لماذا خلقه. ومن بين الأشياء التي كان يعلمها، سبحانه وتعالى، هي أن الإنسانَ مُطالبٌ بتشغيل عقله الذي هو هِبةٌ من الله، لكن تشغيلُه في إنتاج كل ما بنفع البلادَ والعباد.
ومن بين ما هو قادر على إنتاجه العقلُ البشري، إنتاج المعرفة la production des connaissances، من خلال البحث الذي تدور أطوارُه داخلَ وخارجَ المختبرات. والبحث الذي يُدارُ داخلَ أو خارجَ المختبرات، هو الذي مكَّن البشريةَ من رَكْمِ قدرٍ كبيرٍ وهائل، بل لامحدود، من المعارف المرتبطة بجميع المجالات المعرفية.
وللتذكير، لقد قلتُ أعلاه إن القاسم المشترك بين جميع العلوم الدنيوية، سواءً كانت إنسانية أو دقيقة، هو أنها تتغيَّر باستمرار عبر الزمان والمكان. أي أنها تتغيَّر مع الواقع وتُغيِّره بانتظام. ليس هناك ولو علمٌ واحد أنتجه العقل البشري، بقي على حالِه، أي كما أنتجه الأولون. وهذا يعني أن أي مجالٍ من مجالات المعرفة التي أنتجها العقل البشري، إن لم يتغيَّر، فمآلُه النسيان أو الانقراض.
وكمثال على ذلك، أستشهد بالنظرية التي كانت تعتبر الأرضَ هي مركز الكون théorie géocentrique التي اختفت وحلَّ محلها نظرية مركزية الشمس théorie héliocentrique. انقرضت النظرية الأولى وبقيت النظرية الثانية قائمةًإلى يومنا هذا.
كل علمٍ دنيوي، كيفما كان، لا يمكن أن يبقى جامدا. وإن بقي جامدا، فهذا يعني أن الباحثين فيه، إما توقفوا عن تشغيل عقولهم وإما علمُهم هذا أصبح متحاوزاً، فتركوه وانشغلوا بإنتاج علمٍ جديدٍ.
إلا العلوم الدينية لم يطرأ عليها أيُّ تغيير، منذ ما يزيد عن ألف سنة، أي منذ ما يزيد عن 10 قرون. علماً أنها إنتاج بشري، أي كان، من المفروض، أن تتغيَّرَ مع تغيُّر الزمان والمكان. والسبب الرئيسي، هو أن علماء وفقهاء الدين يظنون ولا يزالوا يظنون أن ما أنتجه الأولون، من فقهٍ وأحكام، صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ. حينها، وضعوا حدّاً لتشغيل عقولِهم.
بل، من بين علماء وفقهاء الدين، مَن يقول ويجزم أن "النَّصَّ يُقَدَّمُ على العقل". بمعنى أن العقلَ يجب أن يتوقَّفَ عن التفكير أمامَ النص. لكن ما نسِيه أو تناساه علماء وفقهاء الدين أن النصَّ إنتاجٌ أفرزه العقل البشري. وكل ما أنتجه العقل البشري من معارف قد يكون صوابا وقد يكون خطأً، وبالتالي، فهو قابل للنقاش. أليست كتّبُ المذاهب الأربعة، إنتاج معرفي بشري؟ أليست تفاسير القرآن الكريم للطبري وابن كثير والقرطبي والبغوي والسعدي… إنتاج معرفي بشري؟
إنها، فعلا، إنتاج فكري معرفي بشري. لكن علماء وفقهاء الدين يعتبرون نصوصَ جلِّ هذه الكُتُب، نصوصا قطعيةً لا يجب تغييرُها أو مساسُها، وبالتالي، فهي صالحةٌ لكل زمان ومكان. فعن أي علمٍ أو علومٍ يتحدَّث هؤلاء العلماء والفقهاء؟
ما لم ينتبه له هؤلاء العلماء والفقهاء هو أنهم غير مُطَّلعين على ما أنتجته وتُنتِجه العلوم الإنسانية من معارف مفيدة لهم كعلم الاجتماع sociologie وعلم الإناسة anthropologie والتاريخ، وخصوصا، تاريخ العلوم histoire des sciences. هذا الأخير بيَّن ويُبيِّن أنه لا يوجد، على الإطلاق، علمٌ بقي على حاله كما أنتجه الأولون.