د. محمد الشرقاوي - الرئيس ترمب والملك عبد الله... مصارعة الخطاب قبل معركة السياسة!

تحدث الرئيس ترمب لحوالى 15 دقيقة من أصل 19 دقيقة في مؤتمر صحفي كان مدبّرا بطريقة فرض الأمر الواقع. وقد لا يكون الملك عبد الله يترقب هذا الترتيب وسط جولتي محادثات مع الرئيس ترمب. بدا المشهد وكأنه محاولة وضع الملك الأردني في "خانة اليك"، وترمب "يعيد" في حضرته القول إن اتفاق ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة في حدود 99 بالمئة، في أكثر من إشارة إلى ما يعتبره "قبولا مصريا".

لكن الملك عبد الله حاول عدم الانزلاق إلى حيث يدفع ترمب. فذكّر مرة بتنسيق مصري سعودي، ومرة أخرى أن الدول الأوروبية لها موقف أيضا مما يروج له ترمب. وكلما ضغط ترمب على البنزين باتجاه اكتمال "الصفقة"، إلا وسعى الملك عبد الله وضع الرجل على كافة الكوابح أو "الفرامل" من قريب أو بعيد. وحتى عبارته عن 2000 طفل فلسطيني يعانون السرطان، أخذه منه ترمب ووظفها على أنها "عمل رائع" وأنها بداية "القبول" الأردني بتهجير الفلسطينيين.
كما قلت في أكثر من مقابلة، سيلوّح ترمب بورقة إيقاف المساعدات الأمريكية عن الأردن ومصر للضغط عليهما بقبول نازحي غزة. وفي حضرة الملك عبد الله، لم يتردّد في التذكير بها علنا بصيغة ناعمة. لكنها فحواها البراغماتي هو موافقة عمّان والقاهرة أو حرمانهما من دفعات الدولار الأمريكي.
خلال حديث ترمب بما يملأ ست صفحات على الأقل، تحدث عن موت الفلسطينيين وأن غزة منطقة خطيرة دون ذكر إسرائيل أو ما فعله نتنياهو مرة واحدة. بدا ترمب مجرد سمسار عقارات يبيع للفلسلطييين والعرب "مشروع" الاستقرار في الشرق الأوسط، وينسيهم مغزى الجغرافيا السياسية والتاريخ والهوية وارتباطها بالأرض.
يغادر الملك عبد الله البيت الأبيض ليزوره عبد الفتاح السيسي لاحقا. وقد يأتي بعد محمد بن سلمان. ويزداد الاستفهام بفعل مرارة المشهد الميلودرامي الحالي بأن يكون ترمب هو رجل المسرح الشكسبيري، يسعى لكي ينسي العرب حقيقة الواقع ويلهمهم بخيال الصفقة وبناء الفنادق ومشروع "ريفييرا الشرق الأوسط الجديد". وهنا يمكن أحد مكامن الضعف العربي بعدم بلورة خطاب استباقي متماسك يستحضر حقائق الصراع دون مواربة أو تفادٍ ناعم لتصاعد خطابية ترمب ومن خلفه استراتيجية نتنياهو.
إلى حد الساعة، أنتظر أن تبلور العواصم العربية خطابا له عمود فقري متماسك في وجه الابتزاز من قبل ترمب ونتنياهو. ويعلم القادم العرب أن "الإشارة التي يفهمها اللبيب" ليست في أدبيات ترمب ولا في أسلوب العراك الذي يعتمده في نسف طاقة من يجلس على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات إلى أن يحصل على ما يريد.
هل بين العرب حكيم يعرف كيف يوقف جموح ترمب؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...