د. أحمد الحطاب - توليد الأفكار

ما أقصده ب"توليد الأفكار" production des idées من طرف العقل البشري، هو إنتاجها من طرَف هذا العقل. وإنتاج الأفكار يتمُّ عن طريق التفكير المحض la réflexion pure. وهذا هو دور من أدوار الفلسفة التي تُنتِج الأفكارَ حول ماهية وكيفية الأشياء le comment et le pourquoi des choses كالواقع la réalité والحياة la vie والوجود l'existence والإنسان l'Homme والدين والعلوم… باختصار، كل ما هو موجود existant في الدنيا، يمكن أن يكونَ موضوعَ تفكير محض يقود، في نهاية المطاف، إلى إنتاج أفكارٍ مختلفةٍ من موجودٍ إلى آخر.

وإنتاج الأفكار يمكن، كذلك، أن يتمَّ عن طريق التجربة l'expérience والتَّجريب l'expérimentation. والتَّجربة هي الخبرة التي يكتسبها الناسُ من أمور الحياة أو من الأمور الدنيوية أو من الواقع. أما التَّجريب، فهو مجموعة المناولات les manipulations التي يقوم بها الباحثون داخلَ أو خارجَ المختبرات.

وإنتاج الافكار يمكن أن يتمَّ على المستوى الشخصي أو على المستوى الجماعي. ومن الأحسن أن يتمَّ إنتاج الأفكار على المستوى الجماعي. وسواءً تم الأنتاجُ على المستوى الفردي أو الجماعي، فالأفكار لا تُمطرها السماء. بمعنى أن شخصاً ما، قابعا في مكانٍ ما، وفجأةً، ينزل عليه الوحيُ ثم يبدأ في إنتاج الأفكار. لا، أبدا! الأمرُ لا يتِمُّ هكذا. كيف يتِمُّ إذن؟

كل مَن أراد أن يُنتِجَ الأفكارَ، عليه أولاً أن يحدِّد المجال الذي يريد أن ينتِج فيه الأفكار. ثم يُحدّد موضوعَ التَّفكير، دون أن يغفلَ أن، ربما، ناسا سبق لهم أن انتجوا الأفكارَ في نفس المجال وفي نفي الموضوع. في هذه الحالة، ما على المُنتِجِ إلا أن يطَّلعَ على ما أنتجه الآخرون ليأتيَ بأفكارٍ جديدة.

وكل فرد له عقلٌ سليم، سواءً كان مثقَّفا أو غير مثقف، قادرٌ على إنتاج الأفكار. لماذا؟ لأن أيَّ فرد هو، في الحقيقة، "ابن بيئته"، كما قال عالِم الاجتماع المرموق ابن خلدون. وبالتالي، هذا الفرد بجرُّ وراءه تجربةً علمية أو تجربة اجتماعية اكتسبها، من خلال عيشه وتعايُشِه في المجتمع. فإذا كان مثقَّفاً، فمن المفروض أن يكونَ رصيدُه المعرفي متنوِّعاً. وإذا كان غير مثقَّف، فرصِيده المعرفي قد يكون محدودا.

وهنا، لا بدَّ أن أوضِّحَ ماذا أعني ب"المثقَّف" و"غير المثقَّف". بالنسبة لي، المُثقَّفُ هو الشخص الذي يجرُّ وراءه رصيداً هائلاً من المعرفة في شتى مجالاتها. وسواءً انتجها هو أو غيرُه، فعليه أن يعرفَ من أين وكيف أتت وما الغاية منها وما علاقتُها بالواقع بمختلف تجلياته. أما غير المثقَّف، قأفقُه محدود من حيث رصيده المعرفي. فلا يمكن أن يعرفَ إلا ما تُتيحه له تجربتُه المجتمعية.

وعليه، فإنتاج الأفكار مُتاحٌ للجميع. فإذا كان الفردُ غير مثقف، فهو، على الأقل، قادرٌ على إنتاج أفكارٍ تتلاءم مع تجربته المُجتمعِية بجميع أشكالها. والأمثلة، في هذا الصدد، كثيرةٌ، أذكر من بينها، على الخصوص، تجربة الصُّنَّاع التَّقليديين. فمنهم مَن استفاد من تجربته لإنتاج أفكارٍ جديدةٍ مكَّنتهم من تطوير حرفتِهم والرفع من مستواها من حيث الإتقان والجودة.

وإذا كان مثقَّفا، فإنتاجُه للأفكار قد بكون غزيراً في مجالٍ من مجالات المعرفة. ومجالات المعرفة واسعة وعريضة، أي تشمل كل ما له علاقة بحياة الناس. وحياة الناس فيها ما هو مادي matériel وفيها ما هو روحي spirituel. والجانب الروحي قد يتدخَّل فيه الدين. والدينُ، كمجالٍ لإنتاج الأفكار، هو من اختصاص علماء وفقهاء الدين.

غير أن علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المعاصرين منهم، بادِّعادهم أنهم أوصياء على الناس في المجال الديني، اختاروا أن يضعوا حدًّا لتوليد الأفكار. وهذا يعني أنهم وضعوا حدًّا للبحث والاجتهاد في مختلف مجالات الدين. وهذا يعني، كذلك، أن ما أنتجه الأولون، أي علماء وفقهاء الدين القدامى، كافي وقابل للتطبيق في كل زمان ومكان. وهذا يعني، أيضاً، أن علماءَ وفقهاءَ الدين الحاليين يعيشون على النقل والتقليد، ولا يبدلون أدنى جُهد لتغيير وتطوير ما أنتجه القدامى.

فإذا سُئِلَ أحد علماء وفقهاء الدين الحاليين عن أمرٍ أو قضيةٍ لهما علاقة بالدين، فإنه لا يقول للسائل"طِبقا لنتائج البحث الذي أجريتُه أنا شخصيا أو طِبقا للبحث الذي أجراه الفُلانُ الفلاني". بل يقول للسائل "قال فلانٌ عن فلان عن فلان عن فلان… إلى أن يصلَ إلى صحابي عايش الرسول (ص).

والغريب في الأمر، فإن العالِمَ أو الفقيهَ يُغرق السائلَ في العنعنة، علما أنه، بديهياً، لا يعرف أحدا من الرواة وليس له أي دليلٍ يُبيِّن أن ما يروونه صحيحاً. فعوض أن يستدلَّ في جوابه بنتائج ما قام به العلماء والفقهاء من أبحاث ميدانية، فإنه يضع ثقةً عمياءَ في أمانة واستقامة وعدول الرواة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...