أحمد كفافى - إسرائيل والحملات الصليبية

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب القدس عاصمة للدولة اليهودية وعزمه المؤكد على نقل سفارة الولايات المتحدة إليها، ينتفض العالمان الإسلامى والمسيحى فجأة رغم أن المشكلة كانت وماتزال قائمة منذ قيام الدولة اليهودية.

لكن هناك دلالة أكبر على ردة فعل العالم المسيحى على قضية يشار إليها بالبنان على إنها إسلامية بحتة، فالمسألة بالنسبة للعالم المسيحى لم تطرح نفسها فقط لحظة قيام دولة إسرائيل، إنما تعود
قرونا إلى الوراء..إلى زمن الحملات الصليبية، ذلك الزمن الذى شهد صراعا إسلاميا مسيحيا يهوديا حول بيت المقدس.

كان الصراع فى العصور الوسطى إسلاميا مسيحيا لعب فيه اليهود دورا هامشيا،لكنه تحول اليوم إلى مواجهة إسلامية يهودية بحملات صليبية ما تزال ترمى بظلال مخيفة عليها.

وتلك ليست مبالغة على الإطلاق فإسرائيل والحملات الصليبية موضوع يبرز فى عدد كبير من المحافل والدراسات التاريخية والسياسية المعاصرة، ما يدل على أن الغزو الصليبى ليس صفحة مطوية من الماضى، بل أن هناك أوجه تشابة كبيرة بين الإستيطان الصليبى ونظيره الصهيونى هى حق جديرة بالتحليل والدراسة.

فبسقوط الإمبراطورية العثمانية وصدور وعد بلفور عام 1917 دخل اللورد اللنبى (الحاكم البريطانى لمصر)ـــ دخل القدس ليعلن أنه بتأسيس وطن قومى لليهود فى فلسطين، فإن الغرب قد أتم الحملات الصليبية التى بدأتها أوروبا منذ أكثر من ألف سنة.

ويقول خبيرالمسألة اليهودية الصهيونية دكتور عبد الوهاب المسيرى فى هذا الصدد أن الدارس يلاحظ التشابه بين المشروع الفرنجي الصليبي والمشروع الصهيوني..لأن ل
لكليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلتين الحضارتين السائدتين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي انطلاق أوروبا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتهما على الخارج...

ويضيف المسيرى أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال الإمبريالية الأوروبية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم، ولهذا أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي...لقد نجحت الإمبريالية الغربية فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية… إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية المسيحية.

وأى زائر عربى أو مسلم لإسرائيل قد لا تلح عليه الفكرة بصورة مباشرة حتى يجوب المدينة وينتقل بين القدس الشرقية والغربية ليجد الشطر الشرقى يعج بالأسوار والمساجد والكنائس والبيوت القديمة داخل الحارات والزقاقات الضيقة، وبين الشطر الغربى الذى يشبه أى مدينة أوروبية حديثة. ولكن لا يسترعى الإنتباه فقط هذا التباين بين مدينة أوروبية وأخرى تاريخية من زمن العصور الوسطى، بل أيضا السكان فى كلتا المدينتن.

سكان الشرقية عرب شوام، أما الغربية فمزيج غريب من أجناس أوروبية..بولندية روسية مجرية فرنسية إنجليزية أمريكية، لا تشتم فيها حتى رائحة اليهودى الشرقى..ربما يوجد عدد منهم لكنهم (تفرنجوا) بفعل التأثير الغربى على شكل الإستيطان الإسرائيلى..صورة
ترسخ فى الذهن المقارنة بين إسرائيل والحملات الصليبية.

والحق أنه على المستويين السياسى والتاريخى فإن الدولة اليهودية ليست فى غفلة عن الأمر بدليل أن الجامعة العبرية هى صاحبة أكبر مركز لدراسة الغزوات الصليبية على المشرق العربى.

أما بؤرة تلك الدراسات فليست سوى ( بيت المقدس).

قامت الجامعة بجمع ما يربو على أكثر من مليونى كتاب بين قديم وحديث عن تاريخ تلك الحقبة واعتنت بدراسة تلك المصادر وفى خلدها سؤال واحد: لماذا سقطت الحملات الصليبية بعد أن استوطنت فى
المنطقة ما يربو على قرن ونصف قرن من الزمان؟؟

جمعية(دراسات الصليبيات والشرق اللاتينى) ومركزها بريطانيا يبلغ عدد أعضائها 237 من بينهم خمسة وعشرون عالما يهوديا مقابل سبعة علماء عرب!

ولا يعكس هذا الإهتمام القلق بالصليبيات إلا أن إسرائيل تجد نفسها فى موقف مشابه للفرنجة فى العصور الوسطى. ولذا نجدها منذ ظهورها تعنى بالدراسات الصليبية فأجرى الأكاديمون التاريخيون أبحاثا رائدة عن كيان الدولة الصليبية ومؤسساتها، وطبيعة الحكم فيها والأسس التشريعية لهذا الحكم، ونظامها العسكري، وتطور مفهومها الأمني، وتأثير العوامل الجغرافية كالصحراء على الاعتبارات الاستراتيجية، وطبيعة علاقة الصَّليبيين بالسكان المحليين والأقليات من مسيحيين شرقيين ويهود، وبدو، وإسماعيلية، وموارنة.

كما درسوا الحياة الفكرية والعقلية في تلك الفترة … وقد ركزوا أيضاً على الدراسات الإسلامية، إذ درسوا الوضع السياسي والاجتماعي المعاصر في المجتمع العربي – الإسلامي، والحياة العقلية والفكرية والأدب والأشعار والأمثال الدارجة في تلك الفترة، ثم بحثوا في فكرة الجهاد وفاعليتها في تحريض المسلمين على القتال ، كما درسوا طبيعة الحكم والعلاقات الطبقية والتجارية والزراعية ومدى انعكاس هذه العوامل على الدولة الصَّليبية.

وعلى أهميتها ليست تلك الدراسات سوى إجراء إحترازى قد يفيد على المدى القصير الذى لا يتعدى عقود، لكن التحولات السياسية تصبح أكبر قوة ضاغطة وهى التى تعجل بأسباب السقوط، فأى دراسة للحملات الصليبية لا تترك مجالا للشك أن الوحدة العربية بطبيعيها الدينية وليست العلمانية هى أكبر ما يخيف الدولة اليهودية.

ولذا فقد عجلت القوى الإمبريالية بتأجيج نيران الحروب فى دول الجوار كالعراق وسوريا ثم نزلت جنوبا إلى اليمن لهدم القوة العربية المتحكمة فى مداخل البحر الأحمر ثم صعدت شمالا لتثير الفوضى فى ليبيا وبهذا تضع مصر بين كفى الرحى...مصر محاصرة..فلا قوى تساندها من شرق أو غرب أو شمال أو جنوب.

أما عن القوى المعادية فليست سوى جماعات دينية لا نعرف لها أصلا ولا هوية كــ( داعش) و( الحوثية)، وفى ظنى أن وجودها مستلهم من طائفة الحشاشين الشيعية التى أعتمد عليها الأمراء الصليبيون فى سحق القوات العربية السنية.

الموقف إبان الحملات الصليبية لا يختلف عما نحن فيه اليوم: عداء بين العرب والفرس من ناحية والسنة والشيعة من ناحية أخرى، لكن التشابه الأكثر تطابقا هو تدفق عدد كبير من اللاجئين الشوام إلى مختلف البلاد العربية ما عجل بتحرك القوات العربية بقيادة صلاح الدين لإسترداد بيت المقدس...

وليس التدفق السكانى العراقى السورى اليوم والمتوقع أن يضاف إليه اليمنى فى القريب العاجل إلى سائر البلدان العربية سوى حافز كبير لوئد مصادر هذه الحروب.

لكن على المستوى العقائدى يرفض اليهود، بالذات المتدينون منهم، أن تكون الدولة اليهودية نابعة من دافع إمبريالى إستعمارى أجنبى ويحاجون أن الحملات الصليبية لا علاقة لها بالسياسات الصهيونية التى
دشنت الدولة العبرية، وتلك الحجة قائمة على أساس أن اليهود هم السكان الأصليين لفلسطين وهذا ما أعطاهم الحق فى العودة إليها، فهم ليسوا غزاة أو إمبريالين أو صليبين كما يدعى الفلسطنييون بغرض تصوير اليهود على أنهم محتلون أشرار.

كما أن الصهاينة يشددون على أن اليهود وقفوا جنبا إلى جنب مع المسلمين ضد الحملات الصليبية مع أنه ليس هناك أدلة دامغة على أن اليهود فى ذلك الوقت كان مسموحا لهم بحمل السلاح.

لكن لو كانت تلك قناعتهم، فلماذا يعكفون على دراسة الحملات الصليبية تلك الدراسة المتأنية!

ذلك لإنهم سياسيا يجدون أنفسهم فى نفس الموقف الذى واجهه الصليبيون: فهم دولة صغيرة محوطة بقوى أكبر لا يحميها إلا الكيانات الغربية التى تقع بعيدة عنها.

أما الفلسطنيون فإنه على الرغم أن كثيرا منهم يرى الحملات الصليبية على أنها صفحة من التاريخ إلا أنه يُنظر إليها من قبل جماعات كحماس مثلا على أنها مصدر إلهام ونموذجا للجهاد ومنها تُأخذ عظات وعبر، فلقد سبق الإستيطان اليهودى غارات من الغرب والشرق على السواء.

فالجهاد ضد الصليبين ليس صفحة مشرقة من التاريخ فحسب، إنما خريطة طريق للخلاص تبدأ بالجهاد والرجوع إلى الإسلام الحنيف.

ربما يتجنبون على حد قول بعض المحللين الغربيين ذكر الحملات الصليبية فى خطابهم الموجة باللغة الإنجليزية وذلك طمعا فى كسب بعض الدول الغربية المؤيدة لقيام الدولة الفلسطينية، لكنهم على وعى تام بالمخاوف التى تنتاب الدولة العبرية من كونها تواجه موقفا أشبه بذلك الذى سبق ظهور صلاح الدين.

لقد ظل الصراع بين الدولة العبرية والفلسطنيين فى شبه سبات عقب سلسلة من الإنتفاضات ضد الإحتلال اليهودى بدأت من منتصف التسعينيات لتشغل إنتباه الرأى العام الذى تحول عن تلك المواجهات بفعل أحداث جسام كغزو العراق وأفغانستان وثورات الربيع العربى ثم أخيرا الحروب فى ليبيا وسوريا واليمن.

لكن إعلان ترامب المفاجىء نقل العاصمة من تل أبيب إلى القدس يأجج موجات من الإنتقاد والغضب فى العالمين الإسلامى و المسيحى على السواء. دوافع العالم الإسلامى أكثر من مفهومة، أما العالم المسيحى الأوروبى فلا ينظر إلى القرار إلا بقليل من الإرتياح، فهو الذى دشن الحملات الصليبية ضد أعداء المسيحية: المسلمون واليهود..أغلبية منهم كاثوليك وأرثوذكس يؤمنون بدور اليهود فى قتل المسيح ولا يرتاحون لترك المقدسات المسيحية فى أيد يهودية.

الولايات المتحدة الأمريكية تدين بالمذهب البروتستانتى الذى خفف من العداء التقليدى للسامية وعفا اليهود من مسئولية قتل المسيح، لكن هناك إجماع مسيحى على ضرورة وجود إسرائيل حتى يعود المسيح إلى البشرية.

فى عهد الغزو الصليبى كانت القوتان العربية والصليبية متكافئتان، أما اليوم فالتفوق الغربى أكثر من ملموس، لكن الظروف تغيرت والمعادلة العالمية ليست كما كانت فى زمن الصليبين.

المعسكر الغربى لا يعادى القوى العربية فقط، بل إمتد نفوذه إلى جنوب آسيا، والشرق الأقصى وأوروبا الشرقية وأفريقيا السوداء..ما يجعل منطق القوة البالى الذى يستخدمه الغرب لفرض الأمر الواقع غير مقبول.

نعم تقدم الغرب ولكنه مازال يستخدم لغة العصور الوسطى فى الصراعات والمواجهات وهو منطق غير محمود العواقب فى عصر أصبح السلاح فيه مدمرا فتاكا، فلا مناص من التسوية السلمية العادلة وإلا...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...