د. أحمد الحطاب - عندما يبلغ اللامعقول أوجَه

الأَوجُ، لُغوياً، هو القِمَّة أو الذروة أو العلوُّ أو الارتفاع. فحينما نقول، مثلاً، "بلغ الفرحُ أوجه"، فالمقصود هو أن هذا الفرحَ بلغ أعلى مستوى ممكنٍ، أي بلغ ذروتَه أو قمَّتَه أو كان مستواه مرتفعاً.

أما ال"لامعقول"، فهو في آن واحدٍ، اسمٌ ونعتٌ. فحينما نقول "لامعقول" أو "كلامٌ لامعقولٌ"، المقصود، في الحالتين، هو كل ما هو منسوبٌ ل"اللامعقولية" irrationalité، أي كل ما هو مُضادٌّ للعقل أو لا يقبله العقلُ.

فحينما نقول "يبلغ اللامعقول أوجَه" المقصود هو أن "كلَّ ما هو مُضاد للعقل أو ما لايقبله العقلُ" بلغ أعلى مستوى أو بلغ الذروةَ أو القمَّةَ أو بلغ أعلى مستوى. وكلُّ ما هو "لامعقول" irrationnel يُتيحُ الفرصة للجوء إلى النفاق والكذب وتزييف الحقيقة والغش… وكل ما هو غير أخلاقي. واللجوءُ إلى "اللامعقول" يمكن أن يتمَّ على مستوى الأفراد أو الجماعات أو حتى على مستوى الدول.

ولعلَّ أبرعَ أو أمهرَ أو أحذقَ حُكَّامِ دولةٍ يلجأون ل"اللامعقول"، هم حكَّامُ الجزائر الحاليون الذين لا مثيلَ لهم في هذا المجال. والسببُ الأساسي من لجوء هؤلاء الحكَّام ل"اللامعقول" هو ضعفُهم أو تعمُّدُهم الضُّعفَ في تدبير شؤون بلادِِهم، وبالأخص، بحثهم عن النجاح وعن التَّألُّق الدبلوماسي ولو كانا مؤقَّتين temporaires أو عابرين éphémères. فما هو "اللامعقول" الذي كان وراءه حُكَّام الجزائر في الأيام الأخيرة؟

في 15 و 16 فبراير 2025، جرت بمقر الاتحاد الإفريقي l'Union Africaine، بأديس أبابا، الانتخابات من أجل اختيار أعضاء رئاسة مُفوَّضية commission الاتحاد. ويتعلَّق الأمر برئيس المفوَّضية le commisaire ونائبه، علما أن الصراعَ كان قائماً بين كيينيا Le Kenya، دجيبوتي Djibouti، المغرب والجزائر. في نهاية المطاف، آلت رئاسة المُفوَّضية إلى دجيبوتي و نيابة الرئاسة إلى الجزائر في شخص السيدة سلمى حدَّادي، سفيرة الجزائر في مصر. مرشح المغرب كانت هي السيدة لطيفة أخرباش، الرئيسة الحالية للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري Haute Autorité de la Communication Audiovisuelle HACA.

مباشرةً بعد إعلان نتائج التَّصويت le vote، بدأ اللامعقول في قلب مقرِّ الاتحاد. كلُّ الجزائريين الذين كانوا موجودين بالقاعة حين إعلان نتائج التَّصويت، عبَّروا عن فوزهم بنيابة الرئاسة بهيستيريا hystérie فائقة وبالصُّراخ والزغاريد… وكأن الجزائر انتصرت في حرب أو حقَّقت إنجازاً خارقا للعادة. فعِوض أن يكتفيَ الحاضرون الجزائريون بالتَّصفيق، كما جرت العادة، فإنهم ضخَّموا انتصارَهم.

والحقيقة أن تضخيمَ فرحتهم هو نكايةٌ بالمغرب، أي أن تضخيمَهم هذا لفوزهم أرادوا، من خلاله، بعثَ رسالة مُشفَّرة للمغرب مفادُها أن دبلوماسيتَهم تفوَّقت على دبلوماسية المغرب. والحقيقة، كذلك، أننا تعوَّدنا على هذا التّضخيم الذي أصبح وسيلةً من وسائل الدعاية la propagande الجزائرية المبنِية على ما يعتقدون أنه نجاح دبلوماسي، بينما ليس إلا وَهْماً أو سرايا سرعان ما يختفي ويترك وراءه خيبةَ الأمل التي، إلى يومنا هذا، لم تكن درسا لحُكام الجزائر للعودة إلى الصواب والحِكمة وحسن الجوار.

ألم يضخِّم حكام الجزائر وحلفاءُهم leurs acolytes انتخابَ بلادهم، كعضوٍ غير دائمٍ، في مجلس الأمن؟ علما أن جميع أعضاء الأمم المتحدة لهم الحق، بعد انتخابهم، في أن يكونوا أعضاء غير دائمين في مجلس الأمن. إن حكَّام الجزائر جعلوا من هذه العضوية حُظوةً prestige، بل نجاحاً خارقاً للعادة، علما أن كثيراً من الدول حظِيت بهذه العُضوية، بما فيها المغرب، ولم تجعل منها وسيلةً للدعاية، كما فعل حُكام الجزائر.

والحقيقة كل الحقيقة، هو أن حكام الجزائر يريدون، بتضخيمهم هذا للأحداث، أن يسترجعوا ما ضاع منهم من هيمنة دبلوماسية على مستوى القارة الإفريقية وما ضاع منهم من تواجد على الساحة السياسية الإقليمية العربية والجيوسياسية العالمية.

وكل ما ضاع من هيمنة وتواجد في الساحة السياسية الإقليمية والجيوسياسية لحكام الجزائر، سببُه موقفهم العدائي للمغرب ونُكرانهم لسيادته على صحرائه المغربية. فكلما نجحت الدبلوماسية المغربية في استقطاب كثيرٍ من الدول لصالح وحدتنا التُّرابية، وعلى رأسهم عضوان دائمان في مجلس الأمن، كلما زاد عداءُ حكام الجزائر لبلادنا. والدليل على ذلك، تدهور العلاقات الحالية بين هؤلاء الحكام وفرنسا.

لكن، ما نسيه أو تناساه حكام الجزائر، هو أن فوزهم بنيابة رئاسة مفوَّضية الاتحاد الإفريقي، إن كانت لها استراتيجية رمزية une stratégie symbolique، فهي إداريا محدودة الصلاحيات les prérogatives من حيث اتخاذ القرارات. ما يهمُّهم، في هذه الانتخابات، أنهم انتصروا على المغرب.

وما هو معروفٌ عن حكام الجزائر، هو أنهم مستعدون، ضدّاً في المغرب ونِكايةً لملكه وحكومتِه وشعبه، أن يُضحُّوا بلُقمة عيش الشعب الجزائري وكرامته، ليبقى عداءُهم لبلادنا ولوحدتِها التُّرابية، عاليَ المستوى وعائقا لنجاح دبلوماسيتِه. بل إنهم مستعدون لشراء ذمم مَن بيدهم القرار السياسي في الدول الإفريقية، وذلك بواسطة إبرَام عقودٍ مشبوهة أو بواسطة المِحفظات المليئة بآلاف الدولارات الأمريكية، إن لم نقل بملايين الدولارات. وغير مستبعدٍ أن هذه المحفظات تم تحريكُها قبل الانتخابات الأخيرة بمقر الاتحاد الإفريقي.

وهذا يعني أن حكام الجزائر لا تهمُّهم تنمية بلادهم والرفع من مستوى عيش مُواطِنيها وتقديم أجود الخدمات لهم. ما يَهمُّهم هو تنمية مستوى العداء للمغرب ولوحدتِه التُّرابية. وقد نقول إن أهمَّ قضيةٍ في السياسة الخارجية الجزائرية، هي عرقلةُ الجهود الدبلوماسية التي يقوم بها المغرب، بنجاحٍ كبيرٍ، لاستكمال وحدتِه التُّرابية. فأينما حلَّ السياسيون أو الدبلوماسيون الجزائريون، فإنهم يحملون معهم هذا العداءَ والمحفظات، ويُحاولون توظيفَهما في المحافل الدولية، كانت ملائمة لهذا التوظيف أو غير ملائمة.

وهذا يعني، كذلك، أن حكام الجزائر يشترون بأموال شعبِِهم تأثيرا une influence وهميا fictif ومزيفا mensonger، سرعان ما يختفي باختفاءِ المحفظات. ولولا تعليق عضوية الدول الستة الأفريقية (النِّيجر، مالي، بوركينافاسو، السودان، الغابون وغينيا) بسبب وقوع انقلابات بها، والتي لم تشارك في التصويت، والتي، عادةً، تصطفُ إلى جانب المغرب، لكانت النتيجة لصالح المغرب. وهي الثغرة التي استغلها حكام الجزائر بذكاءٍ بواسطة المحفظات.

وما لم ينتبه له الدبلوماسيون الجزائريون أثناء احتفالهم بنجاح مرشَّحتهم لنيل منصب نيابة رئاسة مفوَّضية الاتحاد الإفريقي، هو أن ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد، الذين كانوا حاضرين بالقاعة، لم يُعيروا أي اهتمام لهذا الاحتفال، علماً منهم أن هذا الانتصار لا يستحق كل هذه الهيستيريا المبالغ فيها.

فإن دلَّ عدمُ الاهتمام هذا، على شيءٍ، إنما يدلُّ على أن حكامَ الجزائر لم يعد لهم تلك المصداقية وذلك النفوذ السياسي اللذان كانوا يحظون بهما لدى الدول الإفريقية مباشرةً بعد حصول البلاد على الاستقلال سنةَ 1962.

وهذه المصداقية مفقودة، حتى بين الحُكام وشعبهم، إذ الحكام يعتبرون الشعبَ، أفراداً وجماعاتٍ، مُتَّهمين إلى أن يتبثَ العكس. والشعب يعتبر حُكامَه أوغاداً des voyous يستغلون ثروات البلاد لتحقيق أغراضهم الشخصية ولخدمة أجندات بعيدة كل البعد عن مصالح البلاد والعباد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...