محمد بشكار - خذوا كل القِطاعاتِ المقطْوعة من لحْمِنا..!

من يريد شيئا فليأخذه نريد فقط شِبراً من الإتساع على هذه الأرض التي صارت حكْرا على المتضاربين في ما بينهم عقاريا في البر و سَمَكياً في البحر حيث تُدبَّرُ في أعاليه أضخم الصفقات حيتاناً، و حتى في الجو إذا استخسروا في رئاتنا الهواء الذي نتنفَّسه في هذا الإختناق الإقتصادي..!
من يريد الوزارة فليسْتوزِرْ ولْيَضعْ نُصْب عينه التي لا يُخطئ سهمُها غنيمة أو حقيبة ليست في حقيقة لقمتها إلا طعام المساكين المنهوب إلى آخر الفتات، أنه لا تزِرُ وَازرةٌ وزْرَ أخرى، و أن المحاسبة ستكون لمن آمن باليوم الآخر يومَ الحساب؛ المحاسبة التي رفع عنها القانون كَفَّتي ميزانه في بلادنا فصار في ظل الهدر المالي الذي يفضي بسيولته إلى جيوب معدودة لا تتجاوز الأصابع النشَّالة لليد الواحدة المدسوسة حتى العظم في جيوبنا المثقوبة؛ المحاسبة التي يمكن أن يلتئم بضمادها نزيفُ الثروات لكي تتوزع بالعدل و القسطاس بين كل شرائح المجتمع، فتعطي لكل ذي حق حقَّهُ أو (جطَّهُ) من الغنيمة بَدَل أن تَدُقَّ عنقه..!
من يريد أن يسافر على ظهورنا فليكن سفيرا و ليعلم أنه ما من دابة إلا و على الله رزقها..!
من يريد الرئاسة في أي قطاع اجتماعي مقطوع من لحمنا فليكن رأسا و يُغْنينا عن كل تفكير لا قِبَلَ لنا بمؤامراته التي لا تُخطط إلا لمُراكمة الأموال على حساب فقرنا، ويترك لنا في السُّلَّم الطبقي موضِع الأرجل، لندوس على بعضنا البعض و نحن نجري لاهثين خلف نِقمة العيش و ما ألذها من لقمة في الحلال..!
من يريد الإدارة له ما يريد و لو كرهنا، فماذا يصنع الميت أمام غسّاله، سيجدنا و هُو يديرنا وِفْقَ حَكامة علمية جيدة تستمد مرجعياتها في تدبير الشأن العام من أهواء مزاجه التي لا تستقر بقهوة، ندورعلى أصبع ونصف؛ هذه العينة النادرة من المدراء لا يملك الوقت الكافي ليحُك رأسه بسبب الثقل المهول لمسؤولياته كمدير، لا يبرح المكتب لآخر الليل كي لا تتعطل مصالح المواطنين فيحل جميع مشاكلهم في شبكات الكلمات المتقاطعة، وتجده طيلة اليوم ينادي الموظف ليقول له انصرفْ..!
من يريد أن يكون زعيما سياسيا فله أكتافنا منصةً كي يندلع في الجماهير بخُطبه النارية التي تبيع الأمل رمادا في العيون بأبخس الأثمان فلا تجد من يشتريه، له ألسنتنا ليتكلم باسم الشعب الذي فقد صوته في كل الإنتخابات بعد أن بيعت الذمم و الضمائر، له لون جلودنا الكالح بسبب الكدح إذا كان يجديه الأسْود لونا لأوراقه الإنتخابية المدسوسة بسُمها في الدسم تحت أبواب بيوتنا، له أن يكون زعيما و لو زعموا أنه لا يسوق القطيع إلا إلى مذبحة..!
خذوا كل المواقع الحسّاسة في البلد و تكفينا الحساسية التي بجلودنا نتيجة سوء التغذية، تكفينا الحساسية التي ركبت أنفُسنا حتى صرنا برهافتنا المفرطة بشرا من ورق بسبب الصدمات المتوالية لقسوة الحياة، اتركوا لنا شِبرا من الإتساع يسع جثثنا حين يُعجل شظف العيش بأجلنا لنموت قبل الأوان، اتركوا لنا ما بقي لكم بعد الأكل في مؤتمرات تبقى بكل توصياتها حبيسة صندوق اسمه التلفزيون، تُخصص الدولة لتنظيم موائدها على ظهورنا ميزانية ليست سوى ضرائب ندفعها من دم جوفنا، اتركوا لنا أي شيء حتى لو كان لا شيء، سنصفق كثيرا للتنمية الاقتصادية في بلادنا و التي و صلت حتى الطبقة المقهورة وفقدت نموها..!
خذوا التعليم و اتركوا لنا جهلنا، خذوا المالية و دعوا لنا في الجيب ثقبا يتنفس منه فقرنا، خذوا الداخلية فنحن خارجون، خذوا الخارجية فنحن داخلون إلى البحرعلى متنه مهاجرون سرا و علانية، و لن نتفوه بكلمة سخط حتى و نحن هناك نتجرع المرارة في بلدان الناس حفاظا على دبلوماسيتنا المغربية الرشيدة، خذوا النقل فقد تعودنا على المشي على أرجلنا و حين نتعب نضيف أيدينا لنمشي على أربع، خذوا العدل و اتركوا لنا الظلم مطويا في ملفات مؤجلة برفوف المحاكم، اتركوا لنا الجَوْر في محاكمات طويلة لن يبُت في دسائسها إلا قاضي التاريخ، خذوا المياه مع الغابات و لا تنسوا أن تخصصوا للمطر وزارة حتى لا يتفرق الماء دما بين القبائل في أكثر من وزارة، و اتركوا لنا جفافنا الذي بذريعته ترفعون الأسعار، فنحن على كل حال بتعبير الفيلسوف محمد عزيز الحبابي رحمه الله؛ جيل الظمأ..!
خذوا كل شيء، بالله عليكم لا تتركوا شيئا إلا أخذتموه فنحن في نظركم لا شيء..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 13 أبريل 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...