محمد بشكار - بأيِّ ربيعٍ عُدت يا ربيع..؟

حين يسمعك أحد ممَّن نفخ الشيطانُ في أذنه وسواسٌ، تنطق بكلمة الربيع ابتهاجا بمقدم فصل يختال ضاحكا حتى كاد من الحُسن أن يتكلما حسب شعر البحتري، بمجرد ما يسمعك هذا الأحد أو الشخص أو أيّاً ما يكون بأذنه التي فيها وقْرٌ، تقول كلمة الربيع حتى يتوجس خيفة منكَ و ينتظر أن تردفها بكلمة أخرى ليكتمل معناها بما يتوافق مع الربيع في زمننا جملة و تقتيلا..!
لم يعد الربيع إنشاءً ننتقي له أجمل المفردات لنكتبه على أوراق دفاترنا في أقسام الدرس مثلما تكتبه الطبيعة على أديم الأرض بأجمل الحُلل، بل صارت كلمة الربيع تضمر في حقلها ألغاما ما زالت تتفجر في كل يوم بأفظع المشاهد دمويةً و أبشعها في انتهاك حقوق الإنسان، و يكفي أن تُردف الربيع بكلمة العربي، حتى تنهار كل ذكرياتك الجميلة عن هذا الفصل الناعم بين الفصول، و تصلك من أنباء الحرب منذ ثورة الربيع العربي بدل الورود الحِمم، ويصلك دويُّ المدافع و انفجارات القنابل و أزيز الرصاص، عِوض الموسيقى التي تعزفها الطبيعة بخرير المياه و حفيف الشجر و زقزقة العصافير، يا أسفي على كلمة (زقزقة) التي لم يعد يتداولها من هرم في الكتابة شعرا أو نثرا و صارت حكْرا على الصغار..!
هل قلتَ الربيع؟ ولكن بأي العيون نراه و كل أسباب العيش التي تحيط بهذا الفصل الأخضر تجعله بسبب القهر الذي يعاني منه الفرد في مجتمعنا يتراءى في نظرنا ربيعا أسود مع اعتذاري لهنري ميللر، هل نقطف الورد باقاتٍ بكل الألوان لنبعث الحبور في أنفس أطفالنا ورقاب المواطنين تُقطف كل يوم بسيف الغلاء الفاحش و الضرائب التي تنتفنا من كل جانب و البطالة التي يستوي فيها العامل و غير العامل بسبب الأجور الهزيلة التي تنتهي معها أعمار الكثيرين في بداية الشهر ممن لا يحتملون عيشة ضنكا..!
قل عن أي ربيع تتحدث و مثلما اختل التوازن بين الفصول الناتج عن التغيرات المناخية فصرنا ننتقل من الشتاء للصيف مباشرة دون احتساب ما بينهما من تلونات حربائية، اختل أيضا التوازن بين طبقات المجتمع ففقدنا وسطنا الذي يعتبر بمثابة الحزام الذي يشد السروال عن السقوط، صرنا عورةً في طبقتنا الوسطى، فارغين من الخصر الذي يصل أعلى البلاد بأسفلها، و ليس نحيلين حتى لا يُقال إن الخصر النحيل مُستحب في نظرمن يبحث عن مكامن الجمال؛ فإما فوق.. فوق لأعلى ما يصله الثراء من فحش ينحصر في فئة قليلة غير مستعدة للتضحية بنزر يسير من أموالها المجمدة في أبناك خارج أو داخل المغرب، من أجل استثمار يعود على البلاد و العباد بالخير العميم، و إما تحت .. تحت في الحضيض السحيق للفقر بمعدل ألف متسول أو أكثر لكل مواطن إذا صادف و كان من المحسنين، و هو ما يغطي السواد الأعتم للمجتمع الذي لا يحتاج لتكرير الحديث عن بؤسه كالبترول في أكثر من تقرير تلوكه كل سنة منظمات عالمية مختصة في قياس مؤشر الفقر في دم الإنسان و البلدان، و يا ليت بؤسنا برائحته الكريهة حين يتكرر على مسامع أو مصانع العالم، قابلا للتصنيع ليصبح أي شيء أو أي منتوج آخر غير الجيب المثقوب الذي تتسرب منه شتى أنواع الفساد مما لا يخطر حتى على الجراد الذي يعيث في الأخضر فيرديه يابسا، ليت بؤسنا روثا كان الفلاح المغربي سيستفيد منه في تسميد الأرض أو تستعمله الأسر المقرورة في أعالي الجبال حطبا لإشعال النيران، يا لسخرية العالم من بؤسنا الذي لا يصلح إلا رقما أخيرا في تقارير تأكل و جهنا بينما روث البهائم ينفع الناس و يبعث في أوصالهم دفء الحياة ..!
بأي ربيع عدت يا ربيع و جمالك بعشبه الوثير و زهوره و فراشاته المختلفِ ألوانها، و إن كانتْ تسرُّ الناظرين فهي لا تسُد رمقا في بطون الجائعين و لو صارت كلأً و صرنا بدل أن نمشي على رِجلين كالآدميين نرعى على أربع و نُصدر كل الأصوات الأليفة ثغاءً و خُوارا و هلم نهيقاً..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" لعدد يومه الخميس 30 مارس 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...