إﭭنجيليا ستيد - أجنحة الرّغبة والرواية، بصدد نص تخييلي لعبد الفتاح كيليطو... ترجمة: إسماعيل أزيات

يُستهلّ العمل التخييلي الجديد لعبد الفتاح كيليطو واللّه إنّ هذه الحكاية لحكايتي بصيغة الإعادة وبساحة مربّعة. سارد ــ سننزع إلى نسيانه فيما بعد ــ يلحظ : «يحدث هذا، مرّة أخرى، في بيت والديّ» (ص11)¹. نطّلع في مكان آخر من هذا الفصل أنّ هذا البيت لم يعد يزوره أحد. هو، ربّما، مهجور والأبوان ميّتان، لكنّه باق. يمكن أن نتصوّره كالوكر، كالسّكن، كالمأمن فيه ومنه تبصر الحكايات النّور. في القلب منه تبرز ساحة مربّعة.
الإعادة، التي تُردّد صداها هذه الجملةُ، تضع في النص فكرة عودة الشيء نفسه كما لو أنّ السّارد سقط فريسة حلم لجوج أو كابوس؛ كما لو أنّه هو نفسه عاش الحكاية أو عاشها مرّة ثانية، والتي يتمّ الإصغاء إلى صداها القريب في العنوان نفسه واللّه إنّ هذه الحكاية لحكايتي. هذا الافتتاح مفتاح. في مقابل الباب الذي لا يجب فتحه، المغلاق الذي يلزم عدم إلصاق العين فيه (مخافة الإصابة بالعمى)، هو السمسم الذي يفتح النص بمقدار ما يوجز ويمثّل بنية الرواية.
كم ثمّة من حكايات؟ ولماذا يؤثر عبد الفتاح كيليطو، بدل أن يمنع قارئه من فتح الباب، تثبيت الإعادة، عودة الشيء نفسه، التكرار؟ معاودة أمر ما هو في النهاية أقلّ جذبا للانتباه والخيال من القيام بتوقّع المحظور، بالوعد بشيء جديد، بسلب العقل، بتأجيج الفضول وبدفع القارئ المتلهّف لأجل الاستزادة من المعرفة من خلال مطالعة كتاب.

تيمينوس Temenos

لنعدْ لحظة إلى الساحة المربّعة. إنّها تقتطع من الأرض شكلا يرتسم ما يوازيه حالا في الأعلى: «ساحة مربّعة، مفتوحة على السّماء»(ص11). نتعرّف في هذا الإجراء على البنية العتيقة (بالمعنى الميثولوجي) لتيمينوس. تيمينوس في الثقافة الإغريقية القديمة هو مكان محاط بسور، بقعة مقصورة بشكل مقصود، على السّادة وعلى الأبطال؛ أو منطقة ألوهة محمية، مخصوصة بمذبح أو بمعبد. إنّه يشير، بصورة إضافية، إلى كلّ «مكان خاص»، «محلّ مقدّس (Bailly). إنّه يمثّل على الأرض الصلة الوثيقة (والمبهمة) بين نطاق مكان طقوسي، يغشاه الرجال، وبين نظيره، المرسوم بصورة متماثلة في السّماء، مكان إقامة قوى غير منظورة وإلهية. الكلمة تنحدر من فعل temnô الذي يفيد قطع، اجتزأ: أن تخطّ على الأرض سورا، أن تعيّن قطعة تصون المقام المقدّس. الفكرة هي في الأصل من جذر كلمة temple معبد، المنحدرة من الكلمة اللاتينية templum. المعجم الفرنسي ــ اللاتيني Gaffiot يقرّب بين فعل temnô و temenosالإغريقي، «فضاء ترسمه في الجوّ عصا العرّاف كمجال لرصد الفأل». L’auspicium في اللاتينية هي، قبل كلّ شيء، مراقبة حركة الطيور (avis et specio) التي كانت الكهانة القديمة تستقرئ منها الطّوالع.
ساحة عبد الفتاح كيليطو المربّعة ليست، بطبيعة الحال، مقاما مقدّسا قديما، ولكنّها قلب المألوف، ما يتوسّط بيتا يعيش فيه البشر وتسكنه الحكايات. إنّها تملك، مع ذلك، نظيرا سماويا لها لا غنى عنه: امرأة مجنّحة تحطّ على السطح كما يحطّ الطائر على الغصن. الجنيّة، الكائن المجنّح، الخارجة عن العادة، مرتبطة برجل، هو من يقطن بيت الحكايات. تنتظر، على السطح، أن يستيقظ، أن يخرج من غرفته لتودّعه.
تنفتح رواية عبد الفتاح كيليطو على هذه القطيعة، لكنّها، مع ذلك، تخطّ بنية، بنية عمودية، بين الأرض التي للبشر، والماوراء الذي للآلهة وشياطين الجن، والتي سأقرّبها، برغبة، من فكرة الإلهام القديمة ــ سواء كان باعثها ذا مصدر غيبي أو نفثة تلهم المبدعين. هذه الفكرة ذاتها تستقرّ في مقطع من الفصل الأول. نبصر صبيّا صغيرا (الطفل الذي كانه السارد في ما مضى) مكتشفا غموض ورحابة السّماء التي يتعذّر بلوغها، ومكتشفا الأدب بعد ذلك بقليل. ألم يضع هذا المشهد المرعب في تمرين الإنشاء ــ ألم يروّضه، بصورة ما، داخل مساحة مسوّرة آمنة لواجب مدرسي؟ ما قاد الصبيّ في اكتشافه المقلق هي كائنات صغيرة مجنّحة، الخطاطيف. ما يقود السارد في مفتتح الرواية (والقارئ بعده) هي المرأة ــ الطائر التي تحطّ على السطح. إنّها مشدودة إلى إعادة حكاية، حكاية السّارد، وحكاية كلّ الرّجال الذين لهم شأن مع الجنيّة المجنّحة.

رواية

والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي هو الكتاب الثاني لعبد الفتاح كيليطو يحمل، في طبعته الفرنسية، إشارة إلى النوع واضحة هذه المرّة منذ الغلاف: «رواية». لا توجد مثل هذه الإشارة في الطبعة العربية، ربّما لأنّ اصطلاح حكاية، المتكرّر في العنوان (لمقتضيات نحوية)، يجعل النص يستقرّ في تقليد سردي مختلف عن تقليد الرواية. فضلا عن ذلك فإنّ الاصطلاحين تنتسج بينهما رابطة ما دامت هذه الرواية قائمة على تقاطع وتشابك حكايات. وبصورة ما، فإنّ إعادة حكاية في العنوان العربي يبرز عودة الشيء نفسه (مع فارق) والذي عليه تستند الرواية بنيويا. إذا اهتممنا، مع ذلك، بالطبعة الفرنسية وحدها، نتفاجأ حين نكتشف أنّ كيليطو يختار، بشكل متعمّد، النوع الروائي ويعرضه ــ وهو ما ليس من عادته ــ على الغلاف وعلى صفحة العنوان².
نعلم أنّ عدم تحديد النوع، ولاسيما التذبذب بين المقالة والرواية، هو خاصية هذا العمل المفتوح بشكل صميم. لقد روى كيليطو المغامرات التأويلية والتحريرية لكتابه أنبئوني بالرؤيا (2010)، المبني على ترجّح نوعي (محاولة نقدية؟ رواية؟)، والعرض المتضارب الذي صاحبه (كُتب بالفرنسية؟ تُرجم من العربية؟)³. وكما والله... مؤلّف من خمسة فصول وخاتمة⁴، لنا أن نرى في أنبئوني بالرؤيا رواية من أربع حكايات يمكننا، تارة أن نصلها ببعضها، وتارة أن نفصلها عن بعضها لقراءتها على حدة مع معاينة الأصداء المتبادلة فيما بينها. الفارق مع والله... ليس فقط لأنّ النوع انكشف الآن للتوّ، وإنّما لأنّ الأصداء من حكاية إلى أخرى تتضاعف في صلب نفس المجموع الواحد حيث الشخوص، الممكن التعرّف عليها، تتقاطع، تتبادل المواقع، تتضاعف. بل إنّ رجع الصّوت تكفّل به حتى السّارد الذي يسائل مبكّرا صحّة قصّته : «غير أنّني قرأت ما لا يحصى من الكتب، مالا يعدّ من الحكايات، إلى درجة أنّني نسيت العديد منها، وأنّها تختلط في ذهني» (ص13)، لكنّه في الوقت ذاته أقرّ وضمن بالكاد استقرار المعنى: «لنكن حذرين، لنحرص على عدم الخلط بين الحكايات، لنتجنّب التأثر بأوجه شبه مبهمة» (ص12). مسارات أخرى، مغروسة في النص، تديم الارتياب الذي يُشرع الحكاية على افتراضات متعدّدة، على تساؤلات، ويستولد نسخا مختلفة.
دون تفكير مليّ، يمكن أن يخالجنا أنّ هذا التردّد يتحمّله سارد غير موثوق فيه. في الحقيقة، إنّه بالأحرى أداة روائية تسمح بمضاعفة الموافقات وبإشاعة التصاديات من حكاية إلى أخرى. يبتدع الروائي تجويفات حيث يمكن أن يأوي إليها قارئ فضولي، لعوب مثله. كما أنبئوني بالرؤيا، ولكن بكيفية أكثر تصميما، فإنّ والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي قائمة على بنية توقيع نغمي متعاقب. في التّوقيع النّغمي المتعاقب تُعزف النوطات، المنفصلة، الواحدة بعد الأخرى. إن عُزفت معا، تشكّل تناغما. والحال أنّها تصدر أنغاما، بالتّتابع، كلّ واحدة بسرعة عزفها وتلوّنه. هكذا هي حكايات والله... يعزفها الروائي ببراعة داعيا قارئه أن يعزف معه على لوحة مفاتيح معقّدة حيث الشخوص، الحبكات والكتب تنتسج في حزمة من ثلاث نقط مشتركة: المرأة، الحكاية/ حكايات الرجال وكتاب، «لاشكّ أنّه بطل هذه الحكاية» (ص35).

نساء

سأل عبد الفتاح كيليطو، في محاضرة قريبة العهد، مستمعيه:«هل لكم أن تتخيّلوا رواية من القرن التاسع عشر خصوصا ومن النصف الأوّل من القرن العشرين من دون حضور امرأة؟ مستحيل»⁵. نلج إلى والله... من خلال امرأة غير عادية، نورا، المرأة على السطح. الشخصية الأنثوية فريدة ومتعدّدة مع بقائها بلا نظير. سرعان ما ندرك أنّ نورا على السطح (المثير الأساس وعنوان الفصل الأوّل) هي صورة متسمّرة في مكانها، بقدر ما هي منيعة فهي مطواعة، بتعبير آخر ميّالة إلى التغيّر مع بقائها على حالها كما هي. كما الحكاية، هي واحدة ومتعدّدة. مستقرّة بقدر ما هي متقلّبة. متكرّرة، لكنّها مسكونة بالتحوّل. تستمدّ أصلها من إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، حكاية حسن البصري، العاشق والآسر لجنيّة مجنّحة، لكن ها هي تجد نفسها في حكاية أخرى، حكاية حسن ميرو الذي يلتمس تأويل حكاية حسن البصري وترجمتها. تنْظمّ إليه نورا قارئة نفس الكتاب (ليس باولو وفرانشيسكا ببعيدين). ها هما عمّا قريب سينشغلان، جنبا إلى جنب، بإنجاز تأويل، الأوّل من خلال الترجمة والكلمات، الأخرى من خلال الرسم والصورة، ترجمة مشتركة قريبة ومتباعدة بفضل فنون متوازية ومتباينة. ثمّ إنّ المرأة تعود بشكل مضاعف في حكاية يوليوس موريس: هي المجهولة بعيون زرق التي تتسلّط على يوليوس في بلاد فنلندا البعيدة؛ وهي مرّة أخرى، نورما، الطالبة التي تشتغل على رواية ليال في السيرك لأنجيلا كارتر والتي، كما لو أنّ الأمر مصادفة، تتعلّق بلاعبة طرابيز trapéziste. إنّها كذلك تتمظهر في شخصية نور، الطالبة المصرية التي تشيح بوجهها عندما يلاحقها الأستاذ ع باجتهاداته لتطلب، بنظرة واحدة (من عينيها فقط)، العون من يوليوس موريس. الإثارة، غير الخطرة (والمنتظرة) أثناء عشاء جماعي، تمتلك في الحقيقة شأنا خاصا؛ لأنّه لا يجب مطلقا التحديق في «عيني» الجنية كما تقول الحكاية⁶؛ إنّها تحمل «الموت في العينين» (ص66) يجيبها كيليطو، مستعيدا صدى جان بيير ﭭرنان⁷. التقى حسن ميرو ونورا في متحف اللوﭭر قريبا من "انتصار ثاموتراس"، التمثال المجنّح، ليس له من رأس، ليس له من وجه، لأنه ليس له رأس ولا وجه. أهو أمر عرضي أن تعود هذه القطعة المشهورة من نصب نذُري مشيّد في جزيرة ثاموتراس، من مكان مقدّس للآلهة العظيمة، من تيمينوس؟ كما هي السّماء، فإنّ المرأة المجنّحة صعبة المنال، لكنّها أيضا هذا المثير الوحيد الذي حوله تنعقد الحكاية، تنحل وتنعقد من جديد.
يتجلّى التعدّد المتفرّد في اسمها الذي تنتسج تنويعاته انطلاقا من نفس الكلمة نور، وربّما حتى من عبارة نور عيني في ألف ليلة وليلة⁸ العزيزة على عبد الفتاح كيليطو. كلّ الأسماء الأنثوية في الرواية، نورا، نورما، نور، والمرأة المجنّحة في الحكاية الأصلية منار النّساء تنبثق من نفس المصدر المضيء السّاطع، كما تنحدر من نفس الجذر، فعل نار، الذي يعني لمع، تلألأ، أشرق كما الشمس، الشروق أو الشجر المزهر. هذا الفعل، كما يشير إلى ذلك كازِمِرْسكي Kasimirski ، يُستخدم للآلهة التي تنير بالنور الالهي، كما للسّحرة الذين يخلبون النّظر ويذرّون الرّماد في العيون. هذا حال الجنية التي تنير وتسبي، لكنّها تبهر وتخدع⁹. إنّه يفيد كذلك أجفل أو ولّى هاربا، ويذهب تفكيرنا إلى المشاهد القصيرة لرجال مروّعين أمام منظر جمال جامح يتجلّى في اللحظة التي يهرب فيها، لجسد عار ينكشف. يلتقط كيليطو هذه المشاهد من خلال فنّ الاقتضاب الذي هو فنّه (ص 30 ـ 76). دون نسيان المرأة مجهولة الاسم، المستحمّة في البحيرة التي، كما التمثال المجنّح مقطوع الرأس، ليس لها من اسم. تصاريف غنيّة تنعكس فيها محفّزات ومثيرات هامّة للرواية.
والحال أنّ النور ليس فحسب رمزا لفتنة المرأة المنعكس في اسمها. إنّه كذلك أصل التكوين والخلق. كُتبت والله... بلغتين، بالكلمات وبالصور. الكلمات مكتوبة من قبل الرجال، والتصاوير، الرسومات واللوحات منبثقة من امرأة، نورا. تبتدئ الرواية بصورة متوقّفة عن الحركة لجنيّة مجنّحة على السطح: متوقّفة في الزمن «هذه اللوحة»¹⁰ ، منبعثة من ماض بعيد «رؤيا سابقة» (ص12). إنّها رسم، واحدة من المنمنمات التسع والتسعين التي تروي الحكاية/الحكايات (ص14). ليست مرقّمة، وليست كذلك مصفّفة، وتنظيمها يمكن أن يتغيّر كما هو شأن الحكايات. أصلها مثلما منشئها مجهولان. هذه المنمنمات التسع والتسعون ستتحوّل إلى لوحات تقوم نورا بعرضها في مدينة باريس، في قاعة عرض تقع في شارع السين. تنفتح الخاتمة على صورة مماثلة، وتنتهي بجملة هي نفسها تقريبا («ومع ذلك، فإنّ المرأة المجنّحة توجد فوق السطح.») (ص137). تحوّلت المنمنمة إلى لوحة معروضة في واجهة متجر. تسع وتسعون، «عدد أسماء الله...» كما يؤكّد كيليطو (ص14). ونقول في أنفسنا أيضا، أليس هو عدد الحكايات؟ نتساءل لكي نتراجع على الفور؛ لأنّ التصاوير، المفترض أن تبوح وتكشف، يمكن أن تكون خادعة، كما الكلمات. يلتقي حسن بنورا في متحف اللوﭭر وهي ترسم. انعقدت مقابلتهما حول بورتريه منحته نورا لحسن. لقد تنوّر لقاؤهما. ضمّ وجهه هو إلى توقيعها هي في تبادل للهبات (ص31)، وجعل من وجه الرجل بورتريها لكليهما: «لقد رسمت نورا صورته، رسمتها بسرعة، وبصفة غير مباشرة رسمت صورتها» (ص33). لكن لمّا حدثت القطيعة بينهما، اختفى البورتريه، تمّ إتلافه، صار دليلا على أنّه «فقد صورته» (ص34). ليس عبثا أن يكون كيليطو مؤلّف خصومة الصور. بانفتاحها وانغلاقها على صورة، فإنّ والله... رواية دائرية حيث الكلمات والصور، المخادعة المضلّلة، تروي حكايات رجال مفتونين بنساءــ جنّيات، كلهنّ مختلفات، متشابهات ومتشابكات: «تظلّ دلالة الصور غامضة، تبقى عرضة لعدّة تأويلات » (ص14). الجنية المجنّحة على السطح قطعة من صورة تلازم الذهن...

حكايات

كم من حكايات في هذا الكتاب؟ حكاية حسن ونورا متقلّبة منذ الفصل الأول. ليس فقط لأنّ الصيغة تتغيّر كلّما رواها حسن، بل إنّ نسخة نورا تناقضها (أو تتمّمها). مثلما نعثر على صورتنا لنفقدها، يمكن أن نعثر على حكايتنا لنضلّ ونتوه في حكاية شخص آخر، في خضمّ تساؤلات ترمي بالقارئ، مرّة فمرّة، في مسالك تأويلية محتملة وسيناريوهات متعاقبة: «إنّها خيانة متواصلة للقصة، لمجرّد تكرارها"، كما يذكر ذلك كيليطو (ص32).
لن نعدّد الحكايات إذن، سنقتصر على ترتيب أكثرها جلاء بالإشارة إلى ما بينها من قرابة: هناك حكاية حسن ميرو؛ حكاية حسن البصري العتيقة التي هي الشكل القديم لحكاية ميرو، صيغتها الجديدة؛ حكاية يوليوس موريس، المقترن بميرو (يبدأ اسمهما بنفس الحرف، والحروف الأخرى تتبادل الانعكاس)، والذي يقدّم تعليقات، كما ميرو، على حكاية حسن البصري؛ حكاية الأستاذ ع الذي التقى به ميرو وموريس؛ ولاسيما الحكاية التي لم تُرو، تلك التي لا رغبة للسارد مطلقا في روايتها (ص16). إنّها، كما الساحة المربّعة ومنزل الطفولة، القلب السري الذي تنبثق منه الحكايات. إنّها، في العمق، نفس الحكاية الواحدة، الحكاية القديمة تمّ تحيينها لأّنّ الحكايات، مثل السلحفاة في بيت الطفولة، موعودة بالخلود... (ص22)
حكاية واحدة وهي هي. ليس لحسن ميرو من وجه (رسمه من قبل نورا أفقده صورته¹¹.) وموريس شبيهه ونظيره. ميرو Miroيحيل على mirer (يلقي نظرة)، يشاهد، والموت يزور من العينين؛ اسم ميرو يشير إلى المرآة والصور المنعكسة، استغوار mise en abyme حكاية لحكاية أخرى؛ ينتهي ميرو بـ o كما كيليطو؛ والأستاذ ع هو شبيه ونظير الأستاذ ك (أنبئوني بالرؤيا)، AK هي الأحرف الأولى من عبد الفتاح كيليطو (في النسخة الفرنسية وليس في النسخة العربية)، لكنّها أيضا أحرف شبيه ونظير ترجمانه في نص عنه بعنوان «من شرفة ابن رشد»¹². ليس هناك من شخصية بقدر ما هناك طاقم من شخوص مسبّب للدّوار يبدأ بحسن ميرو الموعود بلقاء مع المرأة (أو الجنية) المجنّحة ما دام، هو نفسه، عصفورا من الشرق على غرار رواية لتوفيق الحكيم تحمل الاسم نفسه. طائران...
كلّ شخصية من هذه الشخصيات يمكن أن تقول والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، وأن تردّد في نفس الآن مع السارد فكرة الرواية، الجملة المأخوذة من محاكمة كافكا: «ما كان ينبغي أن أعيش على هذا النحو» (التي أضحت عنوان الطبعة الإسبانية¹³). لكن، من الأوّل، الذي تلفّظ بالجملة التي صارت عنوان الرواية؟ لا واحدة من هذه الشخصيات، بل إنّه بالأحرى الملك شهريار في نهاية ألف ليلة وليلة لمّا ينصت إلى حكاية شهرزاد الأخيرة، «حكاية الملكين والأختين» التي تحيل إلى بداية ألف ليلة وليلة وإلى الحكاية ــ الإطار. الثعبان يعضّ ذيله، الحكاية تعود على أعقابها، تيمينوس ليس مساحة مربّعة، إنّما هو دائرة. غير أنّ هذه الجملة غير متأتيّة من الطبعات المعروفة على نطاق واسع، وإنّما بالأولى من طبعة نادرة (بالعربية وبالألمانية) لماكسيمليان ﭭون هابيخت التي يمكن الوصول إليها فقط في المكتبات ذات الوفرة والغنى¹⁴. إنّها (أي طبعة هابيخت) نظير رقّ ملفوف، مربوط بحبل في طرفه، ومختوم، والذي نلمحه على غلاف رواية كيليطو. كما الحكاية التي تمّ تجاهلها من قبل السّارد، هي القلب الذي لا يمكن اختراقه لـ والله... حيث مجموع الشخوص البرّاقة والقابلة للاستبدال تخفي بطلا آخر.

كتاب

»هذا الكتاب سيكون، بلا شك، بطل هذه القصة»، يختم الفصل الأول (ص35). هذا الكتاب، أم بالأحرى هذه الكتب؟ كما هي الشخوص متعدّدة، الكتب هي كذلك في هذا الكتاب: تقريظ الجاحظ، الكتاب المفقود لأبي حيان التوحيدي؛ مثالب الوزيرين لنفس المؤلّف، الكتاب الملعون، الكتاب المميت، الذي يسبّب الأذى حسب ما يُشاع، «كتاب الكراهية» (ص112)؛ الكتب الثلاثة التي سيكتبها يوليوس موريس قبل موته (هو من يحمل الموت في اسمه)؛ الكتاب في كتاب، هزار أفسان، الممهّد لألف ليلة وليلة، المكتوب بالفارسية، والذي أثار ذكرَه التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة (ص91). ولكن أيضا ما ينوب عن الكتاب الملعون، ما يمثّل ابتلاءات مثالب الوزيرين: ترجمته الجزئية من قبل لاغرانج Lagrange؛ ذكر ياقوت الحموي له؛ شهادة ابن خلكان المعبّرة عن تجربة الأذى الناتجة عن اطّلاعه عليه، وقراءاته: القراءة المنهجية التي قامت بها نورا المقابلة لقراءة حسن المزاجية؛ القراءة بصوت عال كما تقترح، مقترنة بعملية نسخ¹⁵؛ قراءته سرّا؛ قراءة/ إلقاء حسن الكاذب الذي كان يقول بالعربية كلّ ما يخطر على باله لكي يمنح نورا انطباعا بالتغيّر. دون أن نقول شيئا عن كلّ العناوين التي يدّسها كيليطو، القارئ الكبير، في رواية من 142 صفحة فقط. إنّه يبسط فيها سبلا في القراءة، وتصرّفات قرّاء، كما يجعل من روايته مكتبة. على غرار مكتبة شهرزاد، هذا الشيء المثير الذي عرف كيف يكسبه قيمة¹⁶. مثلما ألف ليلة وليلة التي نتخيّلها تحتوي على ألف حكاية (الأمر لا يعدو أن يكون تخييلا)، فإنّ روايته تشتمل على ألف كتاب، ألف حكاية: ليس ثمّة من شخوص معتمدة، من حكاية قارّة، من كتاب مختار، لأنّه يمكنها جميعا أن تندرج فيه بفضل الإعادة الخلاّقة.
لذلك نفهم بشكل أفضل جملة شهريار التي أضحت عنوانا: هذه الجملة، الملفوظة في آخر الليالي، تجعل من رواية كيليطو الليلة الثانية بعد الألف، الليلة الشاملة البانورامية، الليلة الوحيدة التي هي بشكل مباشر تتمّم ألفا وواحدا¹⁷. الليلة التي لها أن تختار، بكلّ حرية، الحكاية التي تنسج معها حوارا بما أنّها تعاين الحكايات الأخرى كلّها من موقعها ذي الامتياز؛ والذي، بهذه الصفة، يمكن أن يحتويها جميعا بصورة مثالية.

أجنحة

"أجنحة الرغبة" واحد من أجمل أفلام Wim Wenders (1987)، وفيه يتخلّى ملاك عن الجنّة ليذوق الحبّ بقرب امرأة، صادف أنّها لاعبة طرابيز في سيرك. نلتقي في هذا الشريط السينمائي برُسل، نستمع فيه إلى أصوات تروي حكايات رجال، نرى فيه شاعرا هرما يتسكّع في مكتبة وفي ساحة بوتسدام الخربة، قلب برلين الذي أصبح أرضا مقفرة خلال الحرب الباردة، مقسّمة، بالجدار، إلى قسمين، يبحث عن حلقة مستمعيه المفقودين، وهو ليس شخصا آخر سوى هوميروس. تكرّر خطبة الفيلم كلازمة قطعة شعرية لبيتر هاندكه عن الطفولة المفقودة والمستعادة. مربّع الطرابيز trapèze، مربّع الفناء، مربّع السّماء. الممثلة التي لعبت دور لاعبة الطرابيز Solveig Dommartin تعلّمت الطرابيز البهلواني لأجل هذا العمل السينمائي، وقامت بالدّور من دون بديل. سولفيج تعني «طريق الشمس»، بعبارة أخرى، نور، نورا، منار النّساء. كانت رفيقة فيندرز، المفضّلة لديه ورحلت في سنّ صغيرة عن عمر 45 عاما، بسبب نوبة قلبية.
لا يسعنا إلاّ أن نفكّر فيها ونحن نقرأ والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي. من طفل صغير مرعوب في زمن سابق من رحابة سماء لا تحدّ في باحة الخطاطيف (ص 22 ـ 24)، وُلد روائي يمتلك أدواته بكلّ حذق. يقيس نفسه بسماء الأدب منطلقا من الفضاء العائلي للبيت، من هذا المعبد في صورته المصغّرة التي هي الساحة المربّعة. مرشدته نحو الماوراء الروائي ليست شخصا آخر سوى المرأة المجنّحة. روايته مكتوبة بالرّغم من سماء أدبية مهيبة رهيبة تثقل كاهل كلّ مبدع قارئ كبير. ولذلك يمكن له أن يستسلم للأثر المزعج للتأثير influence (هارولد بلوم). ليتجاوز ذلك، باعتدال وتواضع، يوظّف كيليطو الإعادة، هذا العيب المراد تجنّبه في الإنشاء المدرسي وفي العبارة الفرنسية.

إﭭنجيليا ستيد
ـ أستاذة الأدب المقارن بجامعة Versailles Saint-Quentin


هوامش:
1- Abdelfattah Kilito, Par Dieu, cette histoire est mon histoire !, roman, Casablanca, Éditions La Croisée des Chemins, 2022. Toutes les citations dans le texte renvoient à cette édition.
كلّ الإحالات تعود إلى النسخة العربية. عبد الفتاح كيليطو، واالله إنّ هذه الحكاية لحكايتي، منشورات المتوسط ،2021.
2- Le terme “roman” qualifie aussi La Querelle des images (1995) avec une légère différence : il n’y figure que sur la page de titre.
لفظة "رواية" تميّز أيضا خصومة الصور (1995) مع فارق بسيط : لا تبرز إلاّ على صفحة العنوان.
3- Amina Achour, Kilito en questions : Entretiens, Casablanca, Éditions La Croisée des Chemins, 2015, p. 136-137. Dites-moi le songe a paru dans la collection « Essais » d’Actes Sud, mais Abdelkebir Cherkaoui, son traducteur en arabe, l’a présenté comme un « roman ». Son point de départ réside dans diverses conférences en français et en anglais à partir de 1987. Par ailleurs, des éléments du roman Par Dieu… ont été présentés à l’université Columbia lors de la conférence de Kilito « The Demoness » (avril 2019).
أمينة عاشور، كيليطو... موضع أسئلة، توبقال2017، ص 87 ـ 94. عبد الكبير الشرقاوي مترجم أنبئوني بالرؤيا، قدّمها باعتبارها «رواية. نقطة انطلاقها تكمن في محاضرات متعدّدة بالفرنسية والإنجليزية بدءا من 1987. علاوة على ما سبق، فإنّ العناصر الأولية لرواية والله... تمّ عرضها في محاضرة لكيليطو بجامعة كولومبيا «The Demoness» (أبريل 2019).
4ـ الطبعة العربية تخلو من الخاتمة التي صارت جزءا من الفصل الأخير (المترجم).
5- Abdelfattah Kilito, « Paris, naissance du roman arabe », conférence prononcée lors de la journée d’études Réécrire le voyage, Université Mohamed V, Rabat, en ligne, https ://www.youtube.com/watch ?v=z8Vx0WPzk3E, 1:00:25
6- « Conte de Hasan al-Basrî », Les Mille et Une Nuits, texte traduit et présenté par Jamel Eddine Bencheikh et André Miquel, annotations d’André Miquel, Paris, Gallimard, « Bibliothèque de la Pléiade », 2006, t. III, p. 187.
7- Jean-Pierre Vernant, La Mort dans les yeux. Figures de l’autre en Grèce ancienne : Artémis, Gorgô, [nouvelle éd. complétée] ; Paris, Hachette Littératures, 2008. La première édition de ce livre date de 1985.
8- Par exemple, « Histoire de Fleur-de-Grenade et de Sourire-de-Lune », dans Le Livre des mille nuits et une nuit, traduction par Joseph-Charles Mardrus, Paris, Éditions de la Revue Blanche, 1902, t. 9, p. 159 (nuit 528).
9- Voir A. de Biberstein Kazimirski, Dictionnaire arabe-français contenant toutes les racines de la langue arabe, Paris, G.-P. Maisonneuve, 1960, t. II, p. 1364-1365.
10ـ تجدر الإشارة إلى أنّ عبارة «ce tableau» لا ترد إلاّ في النسخة الفرنسية من الرواية (ض12).
11- Après le départ de Nora, Hasan Miro ne retrouve plus le dessin de son portrait. « Nora l’aurait repris un matin en partant. C’était son bien, après tout. Il n’appartenait plus à Hasan, il avait perdu son image. », écrit Kilito (33-34).
بعد رحيل نورا، لم يجد ميرو الرّسم الذي عليه صورته .«ربّما استرجعته نورا عندما رحلت ذات صباح. إنّه، بعد كلّ شيء، رسمها، وليس له الحقّ فيه. لقد فقد صورته»، يكتب كيليطو (ص34)
12- Abdelfattah Kilito, « Du balcon d’Averroès », dans Le Cheval de Nietzsche, Casablanca, Éditions Le Fennec, 2007, p. 153-179. Dans la version arabe de Par Dieu… cependant, son seul texte que Kilito ait lui-même récrit en arabe (habituellement la tâche de la traduction est confiée à d’autres), le professeur s’appelle ع, à l’exception d’une fois où il se nomme ك (p. 121, l. 5). On reconnaît là les initiales arabes d’Abdelfattah Kilito. L’occurrence a été signalée à l’auteur par Ismael Azyat, mais s’agit-il d’une erreur ? Comme les personnages et les lectures, les graphies et les noms peuvent être pluriels et interchangeables dans ce roman.
تجدر الإشارة أنّ نص «من شرفة ابن رشد» لم يعد جزءا من الكتاب السردي حصان نيتشه في نسخته الفرنسية، بل صار جزءا من كتاب مقالات يحمل بدوره عنوان «من شرفة ابن رشد»، الأعمال، الجزء الرابع، حمّالو الحكاية، توبقال 2015، ص 287 ـ 300. (المترجم)
في النسخة العربية لرواية والله... وهي، إلى ذلك، النص الوحيد الذي تولّى كيليطو بنفسه كتابته بالعربية (عادة ما يُعهد بهذه المهمّة إلى آخرين)، يسمّى الأستاذ بـ ع، باستثناء مرّة واحدة يدعى فيها بـ ك (ص121). نميّز هنا الأحرف العربية الأولى من عبد الفتاح كيليطو. إسماعيل أزيات من لفت النّظر إلى هذه النقطة، لكن هل يتعلّق الأمر بهفوة؟ يمكن مثلما الشخوص، القراءات، يمكن للأشكال الخطية والأسماء أن تكون متعدّدة وقابلة للاستبدال في هذه الرواية.
13- Abdelfattah Kilito, Yo No Deberia Haber Vivido Asi, Traducción Marta Cerezales Laforet, Santander, El Desvelo Ediciones, 2024.
14- Voir Tausend und Eine Nacht, Arabische Erzählungen, Deutsch von Max. Habicht, Fr. H. von der Hagen und Carl Schall, zweite vermehrte Auflage, Breslau, im Verlag bei Josef Max und Komp., 1827, t. XV, p. 213.
15- « Je la lirai même à haute voix, tu n’auras qu’à écouter, », propose-t-elle à Hasan bloqué dans son travail, « et de cette façon tu pourras citer des passages et étoffer ton travail. Je recopierai les citations dont tu auras besoin sur des feuillets séparés et je me chargerai à la fin de les insérer là où il le faut. » (98).
«سأقرؤه بصوت عال، عليك الإصغاء فقط، وبهذه الطريقة يمكنك الاستشهاد بمقطوعات وتعزيز عملك بها. سأكتب الاقتباسات التي تحتاجها على أوراق منفصلة، وإن شئت أتولّى إدراجها في المكان المناسب من أطروحتك.» (ص106).
16- Voir Abdelfattah Kilito, « La bibliothèque de Shahrazâd », dans L’Œil et l’Aiguille. Essais sur « Les Mille et Une Nuits », Paris, Éditions La Découverte, 1992, p. 11-27 ; rééd. numérique, 2010.
17-Sur ce motif, dont je dois la découverte aux lectures croisées et aux langues, voir Contes de la mille et deuxième nuit : Théophile Gautier, Edgar Allan Poe, Nicolae Davidescu, Richard Lesclide et André Gill, textes réunis, commentés et en partie traduits par Évanghélia Stead, Grenoble, Jérôme Millon, coll. « Nomina », 2011 ; et Évanghélia Stead, « Mille et deuxième nuit », dans Dictionnaire littéraire de la nuit, dir. Alain Montandon, Paris, Honoré Champion, 2013, t. I, p. 787-808.
(ملحق "العلم الثقافي"، الخميس 21 فبراير 2025)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...