أحمد بلحاج ٱية وارهام - الحمَّام تكثيف لحضارة الذوق والمعنى

أوَدُّ في هذه النقطة أن أرفع ما قد يُحدث التباسا في ذهن المتلقي حين يسمع كلمة “الحمَّام”، فأنا لا أقصد الحمَّامات العادية المألوفة في المنازل، والمكرَّسة للنظافة اليومية، وإنما أقصد نوعا خاصا من الحمامات له جاذبيتُهُ الجمالية والسحرية والشعرية. إنه فضاء معماري استمد شرعيته من محيطه، ووجودَه من فضاء الحضارة العربية الإسلامية بزخمها، ورونقها، وثرائها، وخصوصياتها. فيه شِيَّةٌ من شياتها، ونبضة من نبضاتها.

ومعلوم أن البناء الثقافي في هذه الحضارة لم يكن خاضعا لهندسة ذات بُعد واحد، بل كان مُمثلا لصحوة الاختلاف ولمسة الائتلاف، محتفلا بالذوق والإمتاع، والسمو والابتكار. الرؤية فيه لاَحِبَةٌ ورحبة، والأسُسُ عنيدة وصلبة، والغاية هي التفرد في دائرة التجانس، والإحساسُ بالذات داخل هذا البناء الذي هو رغم تبَايُن غُرفه يتواصل، ورغم تقابُل أبوابه يتفاعل… ومن ثَمَّ كان هذا التشكيلُ الحضاري المترَف، الذي يهمنا منه هو جانب الحمامات.

فهي ــ إن تَرَكْنَا هدفها العام الذي أُسِّست من أجله ــ موجةٌ من بحر هذه الحضارة، ودُرْجَةٌ (=موضة) من دُرجها، ومركَّبٌ معماري جمالي يُبدع الجمال، يجمع بين شعرية المكان، وشعرية الهندسة، وشعرية الطقوس، وشعرية الحقبة، لا تختلف في ذلك حمامات دمشق عن حمامات القاهرة، ولا حمامات بغداد عن حمامات اشبيلية وغرناطة، ولا حمامات إيران عن حمامات تركيا، ولا حمامات فاس ومراكش وتطوان وطنجة ووجدة ومكناس عن حمامات تلمسان وتونس والقيروان… إلا في لمسات تهجس بها الجهة، وتشي بِطَابَعِهَا.


وهذا الثراء المعماري في الحمامات ليس بذخا سفيهًا، ولا تَرَفًا مقيتا، وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتَطَلَّبَهَا إيقاع التطور، والبعد الروحي الذي يربط الإنسان بِقُبَّة السماء. فهو يَتَطَهَّر ويَتَجَمَّل ويتَزَيَّن في الحمام، ثم يدخل إلى المسجد لِيُناجيَ خالق الكون قبل أن يأتيه نداء الرحيل. وفي كل هذه الأمكنة الثلاثة: الحمام، المسجد، الضريح نلفي قِبَابًا تَعْلُوها، فما السِّرُّ في ذلك؟ وإلى ماذا يرمز؟ إنه ارتباط جوَّاني بقبَّة السماء، وانشدادٌ إلى الفلك الأعلى.

وقد حاول الشعراء أن يلجُوا هذا الفضاء السحري المُؤَسْطَر؛ بما فيه من نقوش وتخاريمَ ومَنَاوِرَ ومَضَاوٍ وقبابٍ معشَّقة كلها بزجاج مُلون يعكس ألوان الطيف؛ ويتحاضنُواْ معه، ويصهروا ذواتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تُظهر منه ما خفي، وتُقَرِّبُ ما بعُدَ. كل ذلك في شعرية تبتكر لُغتها وتندلعُ، وتُريق ألوانها وتتوهج. فهي شعرية تحتفي بالجسد، وتلدُ معجما لم يُولدْ في المعاجم مثله، وتفتح سكنا في أزمة الإسكان الشعري، وتُفجر عينا لم تُفسدها أنفاس النمطية القاتلة، وتُشكّل عالمًا ثريا مُبهجا، فيه عجائبية (EXOTISME) وغرابة، وطرافة ودعابة، وبساطة وأناقة، ونفاذُ بصيرة لا يخلو من مفارقة.

إن الشعر الذي كتبه الشعراء عن الحمامات ــ كمركّبات جمالية، وظيفتها إنتاج الجمال بكل صنوفه ــ ليس سوى إنتاج للذات في فرديتها وفرادتها، خارجة عن النسق الإبستيمولوجي الرسمي، والحصار الأونطولوجي المُشيَّء. فهو قفزةُ ذاتٍ شاعرة مسافرةٍ في سماء غير السماء التي يستسقفُها الشعراء الذين نصَّبهم تاريخ الأدب ممثلين للحساسية الشعرية العربية، وزكَّى نهجهم، وأغدق عليه من الثناء والثراء ما حجب نقيضَه، ووصمَ الخروج عنه بالضلالة والزيغ عن الصراط الشعري السَّوِيِّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...