سعيد گنيش - الاحتكار والسلطة

إن التاريخ الفعلي للنظام الرأسمالي الممتد لأكثر من خمسة قرون، يؤكد أن الاحتكار هو أداة ملتصقة بهذا النظام لأنه يتيح للقوى للرأسمالية تعظيم الأرباح وشروط الاستغلال والتحكم في أسعار الأسواق وتركيز الثروة. وأن المنافسة ما هي إلا مرحلية وحالة طارئة في الأسواق، وأن الاحتكار هو حالة دائمة Permanente، وهو الأمر الذي يلاحظه المفكر الاقتصادي الراحل سمير امين.
قام نظام الرأسمالية التبعية في المغرب على توسيع وترسيخ نظام الاحتكارات في جميع القطاعات من خلال احتكار السلطة. فتاريخ تطور كل قطاع من القطاعات الاقتصادية في المغرب، يحمل لوحده وقائع تاريخية متفردة من السطوة والانتهاك للقوانين بالمعنى القهري للسلطة المتجبرة، من أجل بناء احتكارات كبرى تستحوذ على ملكيتها عائلات وأفراد معينين.
تاريخ احتكار السلطة واحتكار الثروة في المغرب يسيران في خطين مترابطين، حيث أن الطبقة المسيطرة تكاد تغطي على ادوار الدولة الاقتصادية. فتعزيز السلطة يحمي الثروة المحتكرة، والثروة المحتكرة تعزز السلطة، هكذا هي المعادلة.
لقد ظلت الطبقة المسيطرة في اختياراتها الاستراتيجية ثابتة بدون أدنى تعديل، متمثلة في رأسمالية الاحتكارات التبعية المدعومة بالمبادلات مع الخارج، واستطاعت أن تتخطى جميع الازمات الاجتماعية والسياسية المتولدة؛ وذلك منذ مرحلة الستينات من القرن الماضي.
أصبح الاحتكار قوة جوهرية بالنسبة لخصائص الرأسمالية التبعية بالمغرب، سواء في علاقتها بالطبقات الشعبية، أوفي علاقتها بالرأسمال الاحتكاري المعولم، من خلال علاقة التبعية للأسواق الخارجية التي تتحكم فيها شركات احتكارية أغلبيتها تنتمي للمركز الغربي الاستعماري والصهيوني. وهي من تحدد وظائف البورجوازية الكمبرادورية في المغرب في إطار تقسيم العمل الدولي، وتستحوذ على حصة الأسد في التبادل التجاري ونهب الثروات وسحق الكرامة البشرية للأغلبية من الشعب الكادح.
يذكر الاقتصادي المغربي د. نجيب أقصبي بالسياسات العمومية التي اتخذت منذ البداية، ولعبت دورا مهما في توسيع مجال رأس المال الخاص. يشير إلى ان "المغربة" لعبت أولا الغطاء لعمليات نزع الملكية التي استهدفت المعمرين السابقين وبعض المغاربة. تم اتخذت اسم "الخوصصة"، وهي عملية سيتم من خلالها تفويت الرأسمال العمومي إلى الرأسمال الخاص. وفي الأخير تطورت هذه السياسات إلى صيغ "الشراكة" بين القطاعين العام والخاص، مما سمح للدولة بتفويت استغلال الملك العمومي أو الخدمات الجماعية للقطاع الخاص. (الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج. ص 66 د. نجيب أقصبي ).
لقد اتخذت عمليات نقل الملكية هاته صيغا قانونية تم تشريعها عند الطلب، وفي أحيان أخرى تمت في خرق سافر للقوانين. اما الأهداف فهي توسيع القاعدة العقارية والصناعية والمالية للرأسمال الخاص. وارتباطا بموضوع السلطة والاحتكار، يهمنا أن نسجل أن الرأسمال الاحتكاري هو الذي استولى على حصة الأسد من جميع عمليات توسيع الرأسمال الخاص، حتى يبقى متحكما في مجال تعظيم أرباحه وشروط التراكم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...