أولا- مفهوم النجاعة القضائية
يقصد بالنجاعة عموما القدرة على إحداث التغيير، وفي إطار الإجراءات القضائية يقصد بها سلوك أبسط الطرق لإنجاز عمل وفق القانون في أقصر وقت ممكن. وبارتباط بالنجاعة القضائية تعتبر النجاعة الإجرائية هي ﺳﻠﻮﻙ ﺃﻳﺴﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎﻃﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﻉ ﺍﻵﺟﺎﻝ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ.
***
ثانيا- أهداف النجاعة القضائية
يتضح - إذن- أن مفهوم اﻟﻨﺠﺎﻋﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻳﻨﻄﻮي على ﻋﺪة آليات لتحقيق أهدافها بكيفية استراتيجية منها؛ ( اختيار شكل مسطري معين / اختيار مساحة زمنية وجيزة / التركيز على تحقيق العدالة )؛ هذا المثلث الاستراتيجي، يمكن العناصر الفاعلة والمؤثرة في منظومة العدالة من النفاذ إلى ﻋﻤﻖ الإشكالات القانونية والواقعية وتفكيكها ومعالجتها، بما يضمن تجاوز معيقات الأداء المطلوب لإنتاج عدالة مواكبة لسياق الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع المغربي.
***
ثالثا- المفوض القضائي من مكونات منظومة العدالة
من مكونات الموارد البشرية لمنظومة العدالة المفوض القضائي، الذي هو مساعد للقضاء يمارس مهنة حرة وفقا للقانون رقم 03.81 والنصوص التنظيمية المتعلقة به..
***
رابعا- دور المفوض القضائي في النجاعة القضائية
دور المفوض القضائي في تحقيق النجاعة القضائية رهين بتمكنه من المادة القانونية المؤطرة لعمله، ومن عمق التجربة الميدانية التي اكتسبها، ومن مواكبة الأحكام والاجتهادات القضائية ذات الصلة بالاختصاصات الموكولة إليه في مجال التبليغ والتنفيذ، مع ضرورة إتقانه لمهارات التواصل وتقنيات التحرير والنزاهة والحياد..
***
خامسا- المساهمة في النجاعة بجودة المحاضر
يكاد المحضر الذي يحرره المفوض القضائي يكون الوحيد في إثبات قيامه بالمهام المسندة إليه، إذا استثنينا شهادة التسليم التي تعتبر أداة نظامية للتبليغ خاصة بكتابة الضبط؛ فالمحضر داخل مؤسسة المفوض القضائي أداة جوهرية / وظيفية لا يمكن الاستغناء عنها إلا في حالات نادرة؛ كحالات تبليغ استدعاءات التقاضي واستدعاءات الحضور ونحوهما؛ وسبب ذلك أن تحرير المحضر لا يعتبر ضروريا إلا عند التنفيذ أو عند إجراء المعاينات أو التبليغات بناء على طلب مباشر.
يلتزم المفوض القضائي أثناء تحرير المحضر بعدة التزامات قانونية وموضوعية وشكلية؛
- فعلى مستوى الالتزامات القانونية، وطبقا لمقتضيات المادة 9 من قانون المفوضين القضائيين، لا يحق للمفوض مباشرة تحرير المحاضر إلا بعد الترخيص له بمزاولة المهنة بقرار لوزير العدل، وأداء اليمين القانونية بين يدي رئيس المحكمة التي تم تعيينه بدائرة نفوذها.
من الشروط القانونية عند تحرير المحاضر.
1- تلافي استغفال المطلوب في الإجراء.
2- تلافي التدليس على المطلوب في الإجراء.
3- تلافي الاحتيال على المطلوب في الإجراء.
4- تلافي تخطئة المطلوب في الإجراء.
5- تلافي تحويل المحضر إلى وثيقة استرعائية ( الفصل 422 من ق ل ع: شهادة الاستغفال ).
6- تلافي التحفظات ( الفصل 422 من ق ل ع:
وتعتبر أيضا باطلة وكأن لم تكن الورقة الرسمية التي تتضمن تحفظا أو استرعاء ).
- وعلى مستوى الالتزامات الموضوعية، يبني المفوض القضائي محاضره على عنصر جوهري هو موضوع المحضر أو محله، يتعين تحديده رأسا من خلال العنوان؛ ويتم تحديده بناء على طبيعة المهمة المطلوب من المفوض إنجازها.
على أن أول شروط صحة القيام بالمهمة، ضرورة فهم المفوض موضوع ما يطلب منه من الجهة المعنية؛ طبيعية كانت أو اعتبارية؛ فقد يكون الطلب خارج اختصاص المفوض القضائي، وقد يكون داخل اختصاصه لكنه ينطوي على أكثر من مهمة واحدة. ولا تتوقف حساسية موضوع المحضر أو محله على مجرد تحديده بالدقة اللازمة فحسب، بل لابد أن يدرك جيدا أبعاد ما طلب منه، وأن يعمل على صياغة ذلك في محضره بكيفية تؤكد ذلك الفهم ليتحقق المطلوب؛
ومن أسس النجاعة - أيضا - في عمل المفوض القضائي ضرورة تصوره العميق لأهداف الإجراء، وتطابق هذه الأهداف مع نوعية الخدمة التي يقدمها للعدالة والمرتفقين، من حيث استيعاب موضوع ادعاء الطرف / الطالب، قبل العمل على تنفيذ موضوع الإجراء ( أي تأطير الإجراء ضمن نطاق الدعوى التي ينظرها القضاء، أو نطاق الطلب المعروض على المفوض كإجراء مباشرة ).
- وعلى المستوى الشكلي، يلتزم المفوض القضائي بالتطبيق الجيد للمساطر والقواعد الخاصة بإجراءات تحرير المحاضر؛ من حيث بيان اسم المفوض القضائي وصفته وعنوان التخابر معه والسند القانوني المنظم لمهنته، وبيان مراجع الإجراء الشخصية ومراجعه القانونية المعتمدة، وبيان موضوع الطلب وأطرافه وعناوينهم ووكلاؤهم، وبيان تاريخ الإجراء وكيفية إنجازه. ثم أخيرا القيام بالتوقيع على المحضر ووضع طابع المفوض عليه في ثلاثة نظائر.
وينبغي أن يتم التحرير بكيفية دقيقة طبقا لمقتضيات القانون، وبلغة قانونية سليمة لا لبس فيها ولا مجال للتأويل والتفسير، مع الحرص على تنفيذ الآجال المسطرية في إبانها الذي يكرس معقولية الإجراء ويضمن صحته في الإثبات والتداول.
فالمفوض القضائي المجتهد في تحقيق النجاعة القضائية، هو الذي يشغل ميكانيزمات مهنته، لإقناع العدالة بما ينتجه من خدمات ومن قيم قانونية يصح اعتمادها في بناء القرارات والأحكام والأوامر الصادرة باسم جلالة الملك وطبقا للقانون.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن محاضر المفوضين القضائيين قد يعتربها البطلان بنوعيه؛
إما البطلان القانوني، وهو الذي ينص القانون على كونه كذلك، ومهمة القاضي في هذه الحالة أن يكشف مواطنه، ويستدل عليها بما يمتلكه من أدوات الاستدلال بنفس الحيادية التي يعالج بها موضوع النزاع، وكل ذلك من أجل النجاعة في إنهاء النزاع، وتأكيد القاضي المكلف أو القاضي المقرر على قدرته المهنية في معالجة وثائق الملف بما فيها محاضر المفوضين القضائيين، وتأكيده من جهة أخرى لصلاحيته المسؤولة عن إدارة النزاع المعروض عليه بكفاءة وشفافية، ومن غير غفلة أو تفاغل عن إلغاء المحاضر التي تعاني اختلالات تفقدها التوازن عند الإثبات.
وإما البطلان القضائي، فهو عبارة عن قرار قضائي يصرح به بناء على عدم كفاية المحضر شكلا وموضوعا، لقصوره عن تأسيس قناعة حقيقية لدى القاضي؛ تلكم القناعة التي تجعله مطمئنا تمام الاطمئنان لواقعة التبليغ أو التنفيذ، وكونها احترمت المقتضيات القانونية وحقوق الأطراف.
من جهة أخرى، تبرز نجاعة المفوض في تعامله مع النصوص التي يعتمد عليها في إجراءات التبليغ والتنفيذ، والتي هي نصوص تشريعية عامة ومجردة، ولا يمكن تطبيقها بكيفية روتينية على الوقائع والمستجدات إلا بإعمال الحس الإبداعي في التعامل مع النصوص؛ ذلك أن كل واقعة جديدة تفرض إعادة قراءة النص من جديد، ليتم تحيين زاوية النظر التي يفرضها النص، والتي يتحتم على المفوض أن يجتهد في إدراك مدى ملاءمتها لتحقيق التطابق المنشود بين مقتضيات النص وتطبيقاته على الواقعة. فالواقع يتجدد باستمرار، وعلى المفوض مواكبته بتطبيق النصوص المناسبة، سواء حسب منطوقها أو حسب مفهومها غير المختلف فيه.. وبالاجتهاد يستطيع المفوض القضائي تجاوز المعيقات التي تعرقل النجاعة القضائية، وتحول دون انسيابية الأحكام بكيفية تجنبها كثرة الطعون مهما كانت وجاهتها.. وهنا تبرز ضرورة اجتهاد المفوض القضائي لتحقيق النجاعة القضائية.
وأخيرا تبرز نجاعة المفوض في السعي لصناعة نماذج متقاربة أو موحدة، وبتأليف بعبارات مختصرة ومركزة عند تحرير المحاضر، طالما أن المشرع لم يحدد شكلا معينا لذلك..
***
سادسا- المفوض القضائي ونجاعة الإجراء الاستعجالي
من خلال النازلة التي بين أيدينا، سنتناول علاقة المفوض القضائي بنجاعة الإجراءات الاستعجالية؛ حيث تبرز أهمية المبادرة التي يمكن للمفوض القيام بها منضبطا في ذلك مع روح التشريع ومستهدفا الجانب الغائي في الإجراء.
قرار محكمة النقض رقم: 1/311
مؤرخ في: 28 يونيو 2016
ملف مدني رقم: 2015/1/1/1837.
القاعدة:
مادام أن الطاعن هو ممثل للشركة كما صرح بذلك للمفوض القضائي، ونظرا لكون الدعوى استعجالية تتعلق باتخاذ إجراء مستعجل له صبغة مؤقتة، فإن توجيه هذه الدعوى ضد ممثل الشركة المكترية للعقار المراد وقف الأشغال فيه يكون توجيها مقبولا.
الوقائع الاستشكالية في هذا القرار
- طلب المدعي في مقاله الاستعجالي من رئيس المحكمة الابتدائية إصدار أمر ضد المدعى عليه لإيقاف الأشغال التي يجريها على الملك المتنازع فيه، إلى حين البت في القضية المعروضة على أنظار القضاء.
- دفع المدعى عليه بانعدام صفته كمدعى عليه، لأن المدعى عليه الحقيقي هو الشركة التي يمثلها، لا هو شخصيا.
- صدر الأمر الاستعجالي بعدم الاختصاص واستأنفه المدعي، فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الأمر المستأنف، والتصريح من جديد بأمر المستأنف عليه بإيقاف أشغال البناء إلى حين البت في الموضوع تحت طائلة غرامة تهديدية.
- طعن المستأنف عليه بالنقض ضد القرار الاستئنافي، متوسلا في طعنه بسببين:
> السبب الأول: ينعى الطاعن على محكمة الاستئناف خرق الفصل 1 من قانون المسطرة المدنية بشأن انعدام صفة التقاضي، ( حيث يتمسك المدعى عليه بأنه مجرد ممثل قانوني للشركة القائمة بأشغال البناء، وبالتالي فهو ليس طرفا في الدعوى، هناك - إذن- خرق بانعدام الصفة ).
> السبب الثاني: ينعى الطاعن على محكمة الاستئناف عدم اكتراثها بالدفع المثار في السبب الأول، لاسيما وأنها لم تكلف نفسها بالإجابة عنه، هناك - إذن - انعدم التعليل.
المستفاد من القرار:
- القضاء الاستعجالي قضاء مختص بالبت في القضايا الوقتية ذات الصبغة الاستعجالية، خلافا للقضاء الموضوعي الذي يختص بالبت في النزاعات التي لها علاقة بجوهر الحق. وكلما تعلقت الدعوى بطلب إجراء وقتي مستعجل، لا يمس حقوق الأطراف ولا يؤثر في مراكزهم القانونية، ويترتب على تعجيل البت فيه درء ضرر متوقع، كلما كان القضاء الاستعجالي وفيا للرسالة التي شرع من أجلها.
- عنصر الاستعجال متوفر في هذه النازلة، فهناك خطر لضرر محدق بسبب قيام الشركة بأشغال على عقار موضوع للنزاع، وقد يصعب تلافي هذا الخطر لو لم تأمر المحكمة بإيقاف الأشغال إلى حين البت في موضوع النزاع.
- محكمة النقض رأت في قرارها المومأ إليه أعلاه، أن ما ذهبت إليه محكمة الاستئنافي صائب ووجيه، معتبرة أن المفوض القضائي حين أثبت في محضره تصريح المدعى عليه بكونه ليس هو المدعى عليه، بل المدعى عليه هو الشركة التي يمثلها، فإنه بذلك يكون قد فعل ( بتشديد العين ) الطبيعة الاستعجالية للدعوى التي تعد مناقشة الصفة - على وضوحها - غير ذات بال، مقارنة مع الضرر الحال الذي يتعين تلافيه على وجه السرعة.
- قيام المفوض القضائي بتبليغ للمدعى عليه بناء على تصريحه ( بأنه ليس هو المدعى عليه، وإنما هو ممثل للشركة فقط )، عمل صائب ومحقق للنجاعة القضائية؛ المفوض القضائي اتجه إلى المدعى عليه بناء على اسمه في الدعوى، فتبين أن هذا المدعى عليه ممثل قانوني لشركة هي نفسها التي تقوم بالأشغال. المدعى عليه لا ينازع في شخصه ولا في صفته كممثل للشركة، وإنما ينازغ في كون المدعى عليه يجب أن تكون الشركة التي يمثلها وليس هو. وعدم المنازعة هنا سهل على القضاء الاستعجالي مأموريته، لأن الأمر الذي سيصدره قاضي المستعجلات لن يؤثر - حتما - في المراكز القانونية للأطراف، وإنما سيوقف احتمالية وقوع الضرر، بينما إيقاف الأشغال لن يضر الشركة أو ممثلها القانوني في أي شيء..
- على هذا الأساس اعتبرت محكمة النقض في ردها على الدفعين المثارين بقولها: "يستفاد من مستندات الملف أن الطاعن هو ممثل لشركة ( ص. م ) كما صرح بذلك للمفوض القضائي، ونظرا لكون الدعوى استعجالية، تتعلق باتخاذ إجراء مستعجل له صبغة مؤقتة، فإن توجيه هذه الدعوى ضد ممثل الشركة المكترية للعقار المراد وقف الأشغال فيه يكون توجيها مقبولا، ولذلك فإن القرار المطعون فيه حين علل بأن: "الثابت من ظاهر الأحكام المستدل بها من طرف الطاعن أن الجزء من عقار مطلب التحفيظ الذي تقدمت به الدولة المغربية - الملك الخاص - الذي لم ينف المستأنف عليه بكونه تم شموله بمد قنوات الصرف الصحي فوقه والتي تعتبر في حد ذاتها تمهيدا لأشغال البناء لا زال معروضا على أنظار القضاء للبت في التعرضات المقدمة ضده، ومن بينها تعرض الطاعن مما يشكل منازعة قضائية في الملكية، وبالتالي فإن أية أشغال بناء فوقه كيفما كان نوعها من شأنها أن تخلق وضعية يصعب تداركها مستقبلا الشيء الذي يجعل اختصاص قاضي الأمور المستعجلة قائما لاتخاذ إجراءات وقتية تحفظية لإيقافها إلى حين انتهاء النزاع المعروض على قضاء الموضوع"، فإنه نتيجة لما ذكر كله يكون القرار معللا تعليلا كافيا والسبب - بالتالي - غير جدير بالاعتبار" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 12- 13 ).
- لاحظوا معي كيف ارتقى المفوض القضائي محرر وثيقة التبليغ بحسه الإجرائي ليسهم بدوره في النجاعة القضائية لانتاج مقرر استعجالي، حين اعتبر تصريح المدعى عليه بأنه ممثل الشركة، كافيا لنفي الجهالة بصفته الطرف المبلغ إليه ( ولا يهمنا إن كان هو فعلا، أو الشركة التي ثبت أنه يمثلها )، لاسيما وأن القضية توصف بكونها وقتية، ولا تتسع للبحث فيمن هو المدعى عليه الحقيقي ( الشركة أو ممثلها )، أمام الضرر المحدق الذي قد يستعصى تداركه وتصحيحه.
هنا منح المفوض القضائي محضره حجية في الإثبات بناء على ما تم التصريح به من طرف المدعى عليه؛ حيث أثبت من خلال التصريح صفة إضافية لاسم المدعى عليه كممثل للشركة، وأثبت من جهة أخرى علاقته بموضوع الدعوى، فتكون مساهمته في تحقيق النجاعة القضائية متجلية من خلال التجاوب مع روح الدعوى الاستعجالية على حساب الدفع بانعدام الصفة لكونه أصبح غير ذي جدوى.
- ومن هنا يتضح دور المفوض القضائي في مسايرة أهداف القضاء الاستعجالي من حيث سرعة إنجاز مهمته، وعدم التماهي مع النزاعات الجوهرية المتروك شأنها لقضاء الموضوع. وهذا يتطلب ضرورة إلمام المفوض القضائي بطرق تحقيق النجاعة القضائية للأوامر الوقتية التي تصدر تحت ضمانات فلسفة التشريع الخاص بالقضاء الاستعجالي.
- أثبت المفوض القضائي من خلال تدبير الصفة الخاصة بأحد أطراف النزاع ( المدعى عليه )، بأنه إذا علم الممثل القانوني للشركة بأن الشركة التي يمثلها هي موضوعا لدعوى قائمة بصفتها مدعى عليها، فإنه علمه هذا يصبح منتجا وتترتب عنه مسؤوليته القانونية في حماية الشركة، ولو وجهت الدعوى باسمه هو لا باسمها، طالما أن النازلة تدخل في إطار دعوى استعجالية التي ليس لها أي مساس بجوهر الحق، وليس لها أي تأثير على المراكز القانونية للأطراف.
***
سابعا- أهمية الوصف في محاضر المفوضين القضائيين
مختلف النقاشات الفقهية التي واكبت تعديل القانون رقم 03.81 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006، بشأن إشكالية توصيف الطرف المعني بتسلم الطي عند الرفض، لم تسفر عن نتيجة تذكر حسب مشروع القانون الجديد الذي ينظم المهنة.
- القرار رقم 6/463.
- مؤرخ في 04 يونيو 2013.
- ملف مدني رقم: 2012/6/1/2855.
"مادام الثابت من محضر تبليغ الإنذار أن التبليغ الواقع للمكتري تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، وأن صورة المحضر الاستدراكي تفيد تبليغ خادمته حسب تصريحها والتي رفضت التوقيع على محضر التبليغ والذي تضمن وصفا دقيقا لها، فإن هذا المحضر يعتبر حجة رسمية طبقا لمقتضيات الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود ولا يستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار، وبالتالي يكون قرار المحكمة معللا تعليلا كافيا وما قضت به مرتكزا على أساس" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص: 32 - 33 - 34 ).
المستفاد من القرار:
- تحرير المحضر في عمل المفوض القضائي يؤكد شرط الكتابة، وهذا الشرط كما ربطه المشرع بشواهد التسليم ربطه بالمحاضر ولو كانت محاضر إصلاحية أو استدراكية حسب ما جرى به العمل وأجازه القضاء. إجازة القضاء تجعل المحضر الاستدراكي المبني بناء سليما محضرا يعتد به، وله نفس الحجية التي يتمتع بها المحضر الأصلي.
- يتوجب ربط المحضر الاستدراكي بالمحضر الأصلي، مع التركيز على وصفه بكونه استدراكيا، ووصله بمضمون المحضر الأصلي وتاريخه ومراجعه وبيان مضمون النقطة موضوع الاستدراك.
- المفوض القضائي ملزم - وهو يحرر الشواهد والمحاضر - بتوخي الحرص على عدم الوقوع في التناقض بين أجزاء البيانات التي يكتبها، سواء في نفس الوثيقة أو بين وثيقتين في نفس الملف أو بين وثقيتين في ملفين مختلفين.
هذه المسألة استلهمناها من ملحوظة أدرجتها محكمة النقض في هذه النازلة، حين أكدت على أن المفوض القضائي قام بالتبليغ إلى الخادمة حسب تصريحها، التي رفضت التوقيع على محضر التبليغ "الذي تضمن وصفا دقيقا لها..، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار".
إذن الوصفان المتطابقان الواردان في الوثيقتين، ساهما في تعزيز ثقة القضاء في محضر المفوض القضائي..
- العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، هذه العبارة التي وردت في منطوق القرار ليست قاعدة عامة، وإنما هي خلاصة تخص ملف النازلة، وإلا فالعبرة بالتبليغ تتم بكل وثيقة جعلها المشرع أداة للتبليغ، ولا يختلف في ذلك المحضر عن شهادة التسليم أو غيرها.
- طبقا لمقتضيات المادة 15 من قانون المفوضين القضائيين، يمكن للمفوض القضائي السهر على تبليغ الإنذارات؛ إما بناء على أمر ولائي يصدره رئيس المحكمة في إطار الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية، وإما بناء على طلب مباشر يتقدم به المعني بالأمر إلى مكتب السيد المفوض القضائي.
- يلاحظ أن الإنذار تم تبليغه بكيفية سليمة؛ حيث تضمن البيانات الأساسية لعملية التبليغ طبقا لمقتضيات الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية، الذي يقضي بأن الإنذار في حالة توجيهه بناء على أمر رئاسي، يجب أن يرفق بشهادة التسليم النظامية، التي يبين فيها اسم الطرف المعني بالإنذار وعنوانه، واسم المفوض القضائي، ولمن سلم الإنذار، وتاريخ ومكان التسلم، ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف الذي تسلم الإنذار، أو من الشخص الذي تسلمه في موطنه؛ بحيث يشترط أن يكون من أقاربه أو خدمه أو ممن يقطن معه. وإذا عجز المتسلم عن التوقيع أو رفضه أشار إلى ذلك المفوض القضائي المكلف بالتبليغ ثم يوقع على هذه الشهادة في جميع الأحوال ويرسلها إلى كتابة ضبط المحكمة بعد أن يختم عليها بطابعه الخاص.
بينما إذا طالب باعث الإنذار من المفوض القضائي مباشرة توجيه هذا الإنذار إلى الطرف المعني، فإن المفوض القضائي في هذه الحالة يثبت واقعة التبليغ بواسطة محضر يتضمن جميع البيانات المشار إليها أعلاه، وهنا تتساوى شهادة التسليم في الإثبات بمحضر التبليغ؛ لأنهما معا حجة لا يطعن فيها إلا بالزور.
- محضر النازلة التي بين أيدينا تضمن نفس البيانات أعلاه كما يلي:
* تاريخ تسليم الإنذار٠
* هوية الخادمة التي تسلمته مع ذكر صفتها كخادمة للمعني بالأمر، زيادة على ذكر جانب من مواصفاتها.
* هوية المفوض القضائي وصفته المهنية وتوقيعه وطابعه الخاص باعتباره القائم بتسليم الإنذار.
كل ذلك ورد طبقا لقواعد التبليغ المقررة في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.
- إذن لا يمكن - والحالة هاته - أن يدفع المدعى عليه بأن تبليغ الإنذار يجب إثباته بواسطة شهادة التسليم، مادام الثابت من محضر تبليغ الإنذار أنه تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، التي تجيز التبليغ المباشر بواسطة المفوض القضائي، وأن هذا الأخير ينجز المهام الموكولة له مباشرة، ويثبت ذلك بالمحاضر التي تعتبر أدوات جوهرية / وظيفية في عمله، وأن هذه المحاضر حجة رسمية لا تستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ في هذه النازلة بمحضر التبليغ.
- شهادة التسليم ومحضر التبليغ كلاهما حجة رسمية لا يطعن فيهما إلا بالزور، لكن التمسك بعدم إثبات صحة الإجراء إلا بشهادة التسليم أمر لا يستقيم، فالعبرة في التبليغ بالمحضر مؤيدة قانونا وفقها وقضاء؛
> قانونا: من الناحية القانونية يجد محضر التبليغ سنده في نص المادة 44 من القانون رقم 81/03.
> فقها: من الناحية الفقهية يجد محضر التبليغ سنده في كونه الوثيقة المعتمدة في الأدوات المادية والفنية التي يشتغل بها المفوض القضائي في إنجاز المهام الموكولة إليه، خاصة وأنه لا يستطيع استعارة شهادة التسليم النظامية للعمل بها في تدبير شؤونه الإدارية.
> قضاء: من الناحية القضائية يجد محضر التبليغ سنده في نص هذا القرار وغيره مما لا يحصره عد.
وعلى هذا الأساس، يتوجب على المفوض القضائي تقوية محضره بما لا يجعله مهلهلا ولا غامضا، بل يجب أن يكون منيعا ضد الاختراق أو التأويل، علاوة على الصدق وعدم الخطأ والتدليس والإكراه والاحتيال، طبقا للفصل419 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن "الورقة الرسمية حجة قاطعة، حتى على الغير في الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره وذلك إلى أن يطعن فيها بالزور".
إلا أنه إذا وقع الطعن في الورقة بسبب إكراه أو احتيال أو تدليس أو صورية أو خطأ مادي، فإنه يمكن إثبات ذلك بواسطة الشهود وحتى بواسطة القرائن القوية المنضبطة الملائمة دون احتياج إلى القيام بدعوى الزور. ويمكن أن يقوم بالإثبات بهذه الكيفية كل من الطرفين أو الغير الذي له مصلحة مشروعة".
- وعليه فالمحضر حجة قاطعة لا يطعن فيه إلا بالزور، لأنه من الحجج الرسمية الواردة في الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود، فقد جاء في الفصل 428 ما يلي: "تكون البرقية دليلا كالورقة العرفية، إذا كان أصلها يحمل توقيع مرسلها أو إذا ثبت أن هذا الأصل قد سلم منه إلى مكتب البرقيات ولو لم يكن توقيعه عليه. وتاريخ البرقيات دليل بالنسبة إلى يوم وساعة تسليمها أو إرسالها إلى مكتب البرقيات ما لم يثبت العكس"، وجاء في الفصل429 ما يلي: "للبرقية تاريخ ثابت، إذا سلم مكتب التلغراف الصادرة عنه للمرسل نسخة منها مؤشر عليها بما يفيد مطابقتها للأصل، وموضحا فيها يوم وساعة إيداعها".
- المحضر حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور، لاسيما وأنه تضمن البيانات الأساسية لعملية التبليغ؛ من حيث تاريخ تسليم الإنذار، ولمن سلم مع ذكر صفته، ومن سلمه له؛ اسما وصفة، والتوقيع والطابع، طبقا لقواعد التبليغ المقررة في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.
- صفة المتسلم ضرورية في التبليغ في جميع الأحوال تجنبا للجهالة، وعند التسلم ورفض التوقيع أو عند رفضهما معا، يستحسن دعم المحضر بالوصف المبين بيانا سليما لا يتسرب إليه الشك، أو لا يدع مجالا للتملص من المسؤولية إلا بإثبات عكس الواقع. وقد أحسن المفوض القضائي ( في النازلة موضوع الدراسة ) صنعا حين أدرج صفة المبلغ إليها ( من حيث كونها خادمة المعني بالأمر حسب تصريحها )، لما في محاولة وصفها من الزيادة وإلامعان في التوثيق.
- تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن البيانات الأساسية لواقعة التبليغ في المحضر بعضها يعد من البيانات الجوهرية، وتتمثل في أركان الوثيقة التي يترتب على على انعدامها البطلان، ومن البيانات الجوهرية أيضا؛
> مكان التبليغ ( عنوان المطلوب في الإجراء ).
> لمن تم التبليغ ( المعني بالأمر في عنوانه أو في غير عنوانه، ورقم بطاقته عند الإمكان، وكونه تسلم ووقع، أو تسلم ورفض التوقيع أو ادعى عدم القدرة عليه، أو رفض التسلم والتوقيع معا،
( صفة الشخص الكائن في عنوان المعني بالأمر، واسمه ).
> تاريخ التبليغ ( بالأرقام والحروف ).
> اسم وصفة القائم بالتبليغ ( المفوض القضائي نفسه أو كاتبه بالنيابة ).
> التوقيع والطابع والتأشير عند الاقتضاء.
وإلى جانب البيانات الجوهرية هناك بيانات تكميلية، تتوخى دعم الإثبات لضمان صحة الوثيقة ( كالمواصفات التي دعم بها المفوض القضائي محضره في نازلتنا )، ورقم بطاقة الشخص المتواجد بعنوان المعني بالأمر عند الإمكان وكونه تسلم ووقع، أو تسلم ورفض التوقيع أو ادعى عدم القدرة عليه، أو رفض التسلم والتوقيع معا، والوصف في حالة رفض ذكر الاسم ورفض الإدلاء بالبطاقة ورفض التسلم ).
وهذا ما أكده القرار موضوع النازلة، حين نص على أنه "وبذلك فإن للمفوض القضائي أن يقوم بتبليغ الإنذار بالأداء وتحرير محضر بذلك مستوف لشروط التبليغ ومتضمنا للبيانات المنصوص عليها قانونا، وأنه يتجلى من محضر تبليغ الإنذار بالأداء المنجز من طرف المفوض القضائي أنه بتاريخ 2010/01/08 بلغ الإنذار المذكور للطاعن بموجبه وتسلمته خادمته ( فاطمة ) التي لم تدل ببطاقتها الوطنية وأورد بالمحضر المذكور أوصافها، وأن المحضر الاستدراكي المنجز من طرف نفس المفوض أشار فيه إلى أن خادمة الطاعن رفضت التوقيع في الخانة المخصصة بمحضر التبليغ، ولا يستفاد من وثائق الملف أن الطاعن أدلى بما يفيد طعنه في مضمن المحضرين المنجزين من طرف العون القضائي المذكور ( يعني المفوض القضائي ) واللذين يعتبران حجة رسمية على تبليغ الإنذار، ولذلك فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه وفي إطار تقييمها للأدلة المعروضة عليها لما تبين لها بأن الطاعن بلغ بالإنذار بالأداء بواسطة مفوض قضائي الذي أنجز محضرا بذلك وتأكدت من صحة إجراءات التبليغ بعدما اتضح لها أن محضر التبليغ المذكور تضمن تاريخ التبليغ ومكانه والمبلغ له الذي تسلم الإنذار في موطن الطاعن ورفض التوقيع وردت دفوع الطاعن وعللت قضاءها بأنه: "ثبت من محضر تبليغ الإنذار أن التبليغ الواقع للمستأنف تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، وأن صورة المحضر الاستدراكي تفيد تبليغ خادمة المستأنف المسماة ( فاطمة ) حسب تصريحها والتي رفضت التوقيع على محضر التبليغ والذي تضمن وصفا دقيقا لخادمة المستأنف، وأن هذا المحضر يعتبر حجة رسمية طبقا لمقتضيات الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود ولا يستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم المتعلقة بجلسة 2012/02/22 التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار، وبالتالي يتعين رد جميع دفوع المستأنف المثارة بخصوص تبليغ الانذار". فإنه نتيجة لذلك يكون القرار معللا تعليلا كافيا ومرتكزا على أساس وما بالوسيلتين غير جدير بالاعتبار".
- من الأهمية بمكان وبدافع الشعور بالمسؤولية والاجتهاد في تحقيق النجاعة، أن يجتهد المفوض القضائي في محاولة الإحاطة بظروف النازلة، ومراجعة ملف القضية التي يشتغل عليها، وعلى الأقل- عند تعذر ذلك - أن يسعى لمراجعة الوثائق التي كلف بتبليغها مراجعة تحليلية، تعينه على إدراك حدود النزاع ومطالب أطرافه وجوهر الخلاف، حتى يتمكن من تأطير الإجراء المطلوب منه تأطيرا قانونيا يسهل عليه إنجاز مهمته.
والملاحظة الملهمة في هذه النازلة أن الوصف الذي قدمه المفوض للخادمة تطابق ووصفها السابق الموثق ضمن أوراق الملف، وهذا التطابق أقنع القضاء في نجاعة البيان المتعلق بالوصف الذي أدرجه المفوض في محضره اجتهادا وإبداعا.
***
ثامنا- المفوض القضائي ومحاضر المعاينات
المفوض القضائي والخبير القضائي كلاهما من مساعدي القضاء، ما يميز عمل الأول منهما - وهو يجري معاينته في إطار المادة 15 من قانون 2006 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين -، هو أن المفوض القضائي ينجز محاضر المعاينات بناء على مشاهدته المجردة من كل رأي شخصي.
وبالتالي، فهو عند معاينة موضوع النزاع يمثل المحكمة، ويجسد سمعها وبصرها للأمور المادية الماثلة بين يديه.. بمعنى أنه بهذه الصفة، يضع بين يدي المحكمة مادة واقعية بتفاصيلها وجوانبها المرئية، لتساعد القاضي على تجميع معطيات النزاع الموضوعية، التي تأتي بعدها قناعته الشخصية انطلاقا من الواقع الذي حرر بشأنه محضر المعاينة لا من المحضر الذي رصد هذا الواقع، ومكمن النجاعة القضائية هنا يتمثل في أن محضر المفوض القضائي يوفر للقاضي مادة علمية مجردة ليؤسس عليها قناعته دونما حاجة للانتقال إلى عين المكان وإجراء المعاينة الواقعية شخصيا..
منطوق قرار محكمة النقض
- القرار رقم: 3/241
- مؤرخ في 15 مارس 2014
- ملف مدني رقم 2013/3/1/2122
"المحكمة لما قضت بطرد المدعى عليه من الساحة المحتلة اعتمدت في قضائها على المعاينة التي قام بها المفوض القضائي الذي عاين تواجده بها كما عاين بها بقايا الأعشاب والحجارة مما يشكل قرينة على وجوده بها. وما قام به المفوض القضائي يدخل في اختصاصه لأنه إذا كان ينتدب من لدن القضاء للقيام بمعاينات مادية مجردة من كل رأي، فإنه يمكن له أيضا القيام بمعاينات من نفس النوع مباشرة بطلب ممن يعنيه الأمر"( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 20 ).
المستفاد من القرار:
- محضر معاينة أنجزه المفوض القضائي واعتمدته المحكمة لتحرير جزء هام من عقار تعرض للاحتلال، مما يشجع على القول بأن مهنة المفوض القضائي قادرة على المساهمة في تحقيق النجاعة القضائية ولو تعلق الأمر بالنزاعات العقارية ذات النفس الطويل..
- إجراء المعاينات المجردة من لدن المفوض القضائي، يجد سنده القانوني في المادة 15 من القانون رقم 1.06.23 المؤرخ في 2006/02/14 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين، التي تنص على أنه "ينتدب المفوض القضائي من لدن القضاء للقيام بمعاينات مادية محضة مجردة من كل رأي، ويمكن له القيام بمعاينات من نفس النوع مباشرة بطلب ممن يعنيه الأمر...".
- لكي تقضي المحكمة بطرد المدعى عليه من الساحة المحتلة بناء على محضر معاينة يقوم بها المفوض القضائي؛ فهذا يعني أن المفوض في هذه الحالة ملزم بمعرفة المدعى عليه الذي طردته المحكمة من الساحة، وملزم بمعرفة الساحة التي طرد منها، وبالتالي عليه أن ينتقل إليها لإجراء معاينة مدى امتثال المحكوم عليه لتنفيذ الحكم بإخلائه للساحة، فإذا عاينه متواجدا بها فهذا دليل على أنه عرفه، وإذا لم يعرفه - والحال أنه وجده بالساحة موضوع النزاع - فعليه التثبت من حيث كونه هو نفسه المنفذ عليه أم لا، وهذا التثبت ليس الهدف منه الاستجواب، وإنما الهدف منه السؤال عن الصفة لإثبات علاقته بالعقار موضوع المعاينة؛ خاصة وأن للاستجواب موضوعا وإطارا خاصين مجالهما ليس هنا.
- الجانب الإبداعي في محضر المعاينة الذي اعتمده القرار موضوع النازلة، هو أن المفوض القضائي انتبه إلى قرينة وجود المدعى عليه في الساحة موضوع المعاينة، وهذه القرينة هي بقايا أعشاب وحجارة مما دل على وجود شخص كان ولا يزال يستغل الساحة، وليس هذا الشخص إلا المنفذ عليه المحكوم عليه بإخلائها.
- مما سبق تكتمل أركان الصورة التي يتوجب على المفوض القضائي أن يؤسس عليها مهمته؛ من حيث:
> معرفة هوية طالب الإجراء بالاسم الكامل شخصا ذاتيا كان أو اعتباريا..
> معرفة صفة طالب الإجراء ( مالك العقار ملكا خاصا أو مشاعا، أو حائزا له بوجه من وجوه الحيازة.. إلخ/ إذا كان محكوما له فعليه الاطلاع على لحكم الصادر لفائدته، وهل هو مؤيد استئنافيا أم لا، وهل استوفى طرق الطعن أم لا، أو هو قابل للتنفيذ.. الخ ).
> معرفة الإجراء المطلوب، وهو في نازلتنا معاينة الساحة مستغلة من قبل المنفذ عليه مع أن المحكمة قضت بإخلائها.
- المحكوم عليه ليس طرفا في موضوع المعاينة، وإنما له شبهة علاقة بها، لكونه محكوم عليه بحكم نهائي بالطرد من الساحة، والمفروض أن يكون غير متواجد بها، وبالتالي فمن مسؤولية المفوض التعرف على هوية من يتواجد بالساحة، لأن مهمته أن يعاينها خالية من أي شخص أجنبي. وقد نجح المفوض بهذا التدقيق في تنفيذ المهمة المطلوبة منه، حين أبان أن المتواجد بالساحة ليس إلا المحكوم عليه بإفراغها، النجاعة هنا تبرز في تحرير محضر مؤسس على أن الساحة ليست خالية، ولا تمثل في الواقع حكم القضاء وما أمر به، وإنما تثبت خلافه وهو عدم الإخلاء، وأن المتسبب في هذه الواقع المخالف للقانون ليس إلا المحكوم عليه.
- إذن هناك إبداع في تنفيذ طلب المعاينة، ينطلق من معرفة خلفيتها وأطرافها، وتحديد موضوعها بدقة سهلت على المفوض إنجاز مهمته بحيادية تامة أيدتها محكمة النقض، بالرغم من محاولة التشويش عليها بالدفع بعدم مصداقية المحضر، طعنا في أسلوب التثبت الذي استعمله المفوض في التحري، إلا أنه مع ذلك أنجز - في نظر القضاء - عملا قانونيا حقق النجاعة القضائية، وأنهى نزاعا طويلا قطع جميع مراحل التقاضي، وعمر مدة تقدر بحوالي ثلاث سنوات.
- التأكيد على أهمية محاضر المعاينة مؤيد قضائيا بقرارات مماثلة كثيرة منها القرار رقم 1133 مؤرخ في 07 مارس 2015 صادر في الملف الاجتماعي عدد 2014/1/5/797 الذي جاء فيه ما يلي: "المحكمة المطعون في قرارها لم تكن ملزمة بإجراء بحث أمام ثبوت طرد الأجير من عمله بمقتضى المحضر المحرر من طرف المفوض القضائي الذي أكد منعه من دخول الشركة من طرف أحد مسؤوليها، وهو المحضر الذي لم تطعن فيه المشغلة بأي طعن جدي، لكونه موقع من طرف عون قضائي محلف ( المقصود مفوض قضائي )".
- المفوض القضائي ملزم بإجراء المعاينة دون إدراج أي تصريح محافظة منه على النقطة الجوهرية في الطلب وهي المعاينة فقط، مما يكون معه مضطرا لاستخدام المشاهدة الحسية دون إدخال العناصر الخارجية المؤثرة كالاستجوابات وتلقي التصريحات. فإذا تعلق الطلب بمعاينة واستجواب، فإن هذا الطلب لا يدخل في الطلبات المباشرة التي يختص المفوض بمباشرتها دون أمر قضائي. ولذلك فمحاولة فهم موضوع الطلب ومحاولة ربطه بمحل المعاينة، ومحاولة استعمال الذكاء الحسي في تلمس العناصر المادية المعززة للمحضر، هي المداخيل الأساسية للارتقاء بمحضر المعاينة إلى المستوى المطلوب في النجاعة القضائية.
- المفوض القضائي - وهو في الميدان - يمثل حضور المحكمة بسمعها وبصرها وأحاسيسها المتسمة بالموضوعية والحياد، وعمله مؤطر بهذه المبادئ وإن كان يقدم خدمة عمومية بناء على طلب مباشر، ويشترط فيه والحالة هاته أن يكون عارفا بهوية طالب الإجراء وعلاقته بموضوع الإجراء، وأن يكون مستوعبا للمطلوب منه في الإجراء تفاديا لتجاوز صلاحياته.
***
تاسعا - محضر المفوض القضائي وثيقة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور.
القاعدة:
- قرار محكمة النقض رقم 1/394.
- مؤرخ في 27 شتنبر 2016.
- الملف المدني رقم 3986/ 1/ 1/ 2015.
"المحكمة لما قضت بالتعويض عن تصفية الغرامة التهديدية المحكوم بها بسبب الامتناع عن التنفيذ اعتمدت محضر الامتناع المنجز من قبل المفوض القضائي في الملف التنفيذي، الذي صرح فيه أحد الورثة للمفوض القضائي أنه ينوب عن الباقين وضرب له هذا الأخير أجلا مدته 15 يوما فلم يحضر، وأن المحضر المذكور يبقى حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور، وأن المحكمة اعتمدته بالأساس فيما يثبته من امتناع المحكوم عليهم عن التنفيذ". ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 20 ).
المستفاد من القرار:
- محضر المفوض القضائي حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور. وهو وسيلة إثبات للبيانات والوقائع التي يتضمنها من تاريخ تحريره، والأدلة رسمية المحضر كثيرة من عدة مناحي؛
فمن الناحية القانونية، وتبعا للقواعد المقررة في قانون الالتزامات والعقود نجد الفصل 418 من قانون الإلتزامات والعقود يعرف الورقة الرسمية بأنها "هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون"، ونجد مقتضيات الفصل 419 من نفس القانون تعتبر الورقة - يعني أية ورقة محررة وموقعة من موظف ذي صفة في حدود اختصاصه -، تعتبر رسمية وحجة عن الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره، وتبقى كذلك إلى أن يطعن فيها بالزور. وهي حجة في الإثبات لفائدة الطرفين أو الاغيار الذين لهم مصلحة مشروعة.
فإذا كان الأمر كذلك، فهذه الميزات متوفرة في محضر المفوض القضائي من خلال ما يلي:
> المفوض القضائي يحرر محاضره في إطار المهمة الموكولة إليه من قبل المشرع ( توفر عنصري الاختصاص والصلاحية ).
> المفوض القضائي وهو من مساعدي القضاء ( توفر الصفة الوظيفية ).
> المفوض القضائي يؤدي مهمته في إطار خدمات العمومي ( توفر المصلحة العامة ).
ومن الناحية الفقهية يلاحظ أن المفوض القضائي يشتغل في إطار قانون ينظم مهنته بنصوص تشريعية وتنظيمية تجعل من بين مهامه الأساسية تحرير المحاضر ( المواد: 15 و 18 و 44 وغيرها من مواد القانون رقم 03.81 ). وهو لا يصبح مؤهلا لتحرير هذه المحاضر إلا بعد توفره على مجموعة من الشروط الذاتية والعلمية والقانونية، وبعد اجتيازه المبارة مع قضائه فترة التكوين والنجاح في نهايته، وبعد حصوله على ترخيص رسمي من وزير العدل وأداء اليمين القانونية لممارسة المهنة.
علاوة على أن عمله مراقب باستمرار من قبل رئيس المحكمة ووكيل الملك ومسؤولي المصالح الضريبية.
زيادة على أن خدماته تصب في مصلحة العدالة وموافقها ومرتفقيها؛ إما بناء على أوامر قضائية وإما بناء على طلبات مباشرة.
كما أن أتعابه منظمة بقرارات وزارية خاصة صادرة عن وزير العدل ووزير المالية، ومسطرة بحد أدنى وسقف أعلى.
وعلى هذا الأساس فالمفوض القضائي يحرر محاضر رسمية تبعا لوضعيته الاعتبارية التي تجعله شبه موظف عمومي، وتجعل محاضر مؤطرة بإجراءات محددة، تتضمن وجوبا بيانات مقررة في قواعد المسطرة المدنية وقواعد المسطرية الجنائية والقواعد القانونية ذات الصلة.
ومن الناخية القضائية فهناك عدد لا حصر له من الأحكام والقرارات والأوامر التي تقضي بأن محاضر المفوضين القضائيين حجة قاطعة لا يطعن فيها إلا بالزور، منها القرار رقم 1/394 المؤرخ في 27 شتنبر 2016 في الملف المدني رقم 3986/ 1/ 1/ 2015، وغيره كثير..
وعليه فالمفوض القضائي يحرر محضرا رسميا انطلاقا مما يلي:
- لأن له صلاحية تحرير المحاضر في إطار الاختصاصات الموكولة إليه حسب القانون رقم 03.81.
- لأنه يحرر محضره وفق الشكل الذي قرره القانون رقم 03.81.
- لأن المحضر الذي يحرره المفوض القضائي يتضمن وقائع وأحداث وأقوال وتصاريح وتواريخ وتوقيعات وفق كيفيات مقنعة ومنظمة بإرادة المشرع.
- التصريح الذي تلقاه المفوض القضائي من أحد الورثة، وهو يشهد على نفسه تحت عهدته ومسؤوليته أنه نائب عن باقي الورثة، وأنه مستعد للتنفيذ أصالة عن نفسه ونيابة عنهم خلال أجل التزم به دون وفاء، يعتبر تصريحا ملزما مادام المفوض القضائي قد ضمنه في محضره دون أن يطعن فيه أي أحد بالزور.
- التسليم بالصفة الواردة في المحضر من غير منازعة، قبل القيام بإجراءات التنفيذ، هو إقرار لا يجوز هدمه بمجرد الادعاء بصعوبة التنفيذ التي تخضع لمسطرة مقررة بمقتضى القانون؛ سواء قبل الشروع في التنفيذ أو أثناءه.
- المفوض القضائي ملزم بالأخذ بتصريحات الأطراف تحت عهدتهم ومسؤوليتهم، ولا يحق له إرغامهم على الإدلاء بوثائق الإثبات متى ظهر له تهربهم أو رغبتهم في التملص من ذلك، بناء على حسن تدبيره وتقديره الذي هو مراقب عليه من قبل القضاء..
- من بين معيقات النجاعة القضائية في عمل المفوض، ما يثيره الأطراف بحسن نية أو بسوئها رغبة منهم في التخلص من تنفيذ المقرر القضائي أو تأجيل تنفيذه. وهذا المعيق يستحيل تمريره على حساب مهمة المفوض القضائي الذي يؤسس محاضره على بيانات حقيقية تجعل منه وثيقة هامة في التنفيذ، وحجة رسمية يطمئن إليها القاضي وهو يسعى لتحقيق النجاعة القضائية.
- يتضح من خلال القرار موضوع النازلة أن مؤسسة المفوض القضائي ومؤسسة قاضي التنفيذ شريكان في تحقيق النجاعة القضائية متى تكاثفت جهودهما في التسريع بإجراءات التنفيذ بشفافية وتواصل مستمر، لا سيما وأن المفوض القضائي يمكن قاضي التنفيذ من محاضر رسمية ذات حجة قاطعة لا يطعن فيها إلا بالزور.
***
عاشرا- المفوض القضائي والنجاعة القضائية
- محضر المفوض القضائي وثيقة إثبات لا وثيقة إشهاد.
منطوق القرار:
- القرار رقم: 100.
- مؤرخ في 29 يناير 2013.
- ملف مدني عدد: 2012/6/1/3166.
"إذا كان دور المفوض القضائي ينحصر في المعاينة، فإن محضره المحرر تضمن أنه انتقل إلى المرآب وهناك وجد به المكتري، وهو أمر يدخل ضمن دائرة اختصاصه، ولأن المالك مصدق بسبب خروج ملكه من يده، ومادام المكري يحدد السبب في عقد الكراء، فعلى من يدعي خلاف ذلك إثباته. والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اعتمدت فيما قضت به على أن صفة المكري ثابتة بموجب محضر المعاينة المرفق والذي ثبت منه تواجد المكتري بالمحل ولم يدل بما يخالف ما جاء في المحضر المذكور يكون قرارها معللا تعليلا كافيا وغير خارق لأي مقتضى قانوني" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 30 ).
المستفاد من القرار:
- المحضر الذي يكلف المفوض القضائي بتحريره في إطار المعاينات، يعتبر من الوثائق الأساسية إن لم تكن الفاعلة والمؤثرة جدا في مسار الدعوى.
- نعى الطاعن على القرار الاستئنافي عدم الارتكاز على أساس قانوني وانعدام التعليل ومخالفة الفصلين 405 و 406 من قانون الالتزامات والعقود؛ من حيث إن الطاعن لم يقر أمام القضاء بما ادعاه المستأنف عليه ( خلاف لمقتضيات الفصل 405 )، وإنه لم يلتزم الصمت أو السكوت أمام المحكمة عندما دعاه القاضي للإجابة عن الدعوى ( خلافا لمقتضيات الفصل 406 )، مضيفا إلى نعيه أن القرار اعتمد - فقط - على محضر معاينة حرره مفوض قضائي لا يحق له - قانونا - الإشهاد على صحة التصريحات، لأن هذا النوع من الإشهاد هو من اختصاص القضاء.
- ردت محكمة النقض بأن محضر المفوض القضائي المحرر بتاريخ 2009/01/16، تضمن أنه انتقل إلى المرآب الكائن ب...، وهناك وجد السيد...، وهو أمر يدخل ضمن دائرة اختصاصه، وذلك يكفي للقول بصحة الإجراء، وكان على الطاعن الذي يدعي خلاف سبب تواجده بالمحل المملوك للمدعي إثبات العكس.
- المفوض القضائي في محضر المعاينة ركز على ثلاثة أمور نرصدها فيما يلي:
> أولهما- إثبات صفة المكري:
أثبت المفوض القضائي صفة المكري بأنه هو الذي طلب من المفوض القضائي إجراء معاينة على المحل ( المرآب ) المملوك له، والذي يتحوزه المكتري بموجب عقد الكراء.
> ثانيهما- المعاينة:
إثبات الانتقال إلى عنوان المحل ( المرآب ) الذي أجريت عليه المعاينة المطلوبة.
> ثالثهما- موضوع المعاينة:
أثبت المفوض القضائي أن المحل موضوع المعاينة يوجد في حيازة شخص آخر، ليس هو المالك طالب الإجراء، وإنما هو الشخص المكتري الذي صرح المالك أنه أكراه المحل ( المرآب ).
وبالنتيجة، ولما كانت القاعدة تقضي بأن المالك مصدق بسبب خروج ملكه من يده، وكان المالك نفسه يصرح أن سبب خروج ملكه من يده هو إكراؤه للمدعى عليه، فإنه كان على المدعى عليه أن يرد هذا التصريح - الذي اعتبره ادعاء - بما يخالفه، طالما أن محضر المعاينة يثبت وجوده بالمحل ( المرآب ) المكترى؛ ولذلك فمحكمة النقض أيدت ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف، حين اعتبرت أن "صفة المستأنف عليه ( المكري ) ثابتة بموجب محضر المعاينة المرفق، والذي ثبت منه تواجد المستأنف بالمحل، ولم يدل ( المستأنف ) بما يخالف ما جاء في المحضر المذكور".
- يفهم من هذا أن من ادعى خلاف ما تضمنه محضر معاينة المفوض القضائي المحرر بكيفية قانونية والمؤسس على وقائع مادية تحدد علاقة الأطراف بعضهم ببعض، ولم يعزز ادعاءه بما يفند أقوال خصمه، مكتفيا بمنازعة المفوض القضائي في اختصاصه أو في صحة محضره من غير أن يطعن فيه - جديا - بالزور، فإن مصير ادعائه هو الفشل الذريع في سلوك المسطرة السليمة للتقاضي، وبالتالي ضياع حقه إن افترضنا أنه صاحب حق، بل إنه يصبح في وضعية السكوت التي حذر منها المشرع في الفصل 406 من قانون الالتزامات والعقود حين نص على أنه "يمكن أن ينتج الإقرار القضائي عن سكوت الخصم، عندما يدعوه القاضي صراحة إلى الإجابة عن الدعوى الموجهة إليه فيلوذ بالصمت، ولا يطلب أجلا للإجابة عنه".
- المحضر المحرر من طرف المفوض القضائي وفق الشكليات المقررة قانونا والمعزز بالقرئن الظاهرة، يستمد قيمته الثبوتية من دعائمه القانونية والواقعية، التي تضفي على رسميته النظامية قوة تنفيذية لا ينزعها عنه إلا الطعن فيه بالزور، وهذه القيمة في الإثبات هي الكفيلة بتحقيق النجاعة القضائية.
- من جهة أخرى، محضر المفوض القضائي المنجز وفق الشكليات المقررة قانونا والمحرر تنفيذا لمقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، يصبح وثيقة حاسمة في إثبات الحقوق طبقا لمقتضيات الفصل 480 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه "يعتبر محضر المزايدة:
1 - سندا للمطالبة بالثمن لصالح المحجوز عليه ولذوي حقوقه.
2 - سند ملكية لصالح الراسي عليه المزاد..."؛ فهذا الفصل يؤكد على شروط قانونية يخضع لها المحضر ليصبح نافذا، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بشروط الأتمية القانونية في محاضر المفوضين القضائيين، لأنه لا يكفي في رسمية المحضر كونه محررا من جهة ذات الصفة ومختصة، بل لابد من وضع المحضر ضمن القوالب والصيغ التي يقررها القانون، من منطلق أن صاحب الصفة النظامية هو الذي ينجر مهامه وفق قوالب وصيغ النظام نفسه.
( يتبع )
***
- من نجاعة عمل المفوض القضائي التصفية النهائية لملفات النزاع
منطوق القرار
- القرار رقم: 2/345
- مؤرخ في 11 يونيو 2016
- ملف مدني رقم: 2012/2/1/5383
"مادام أن نتيجة المقاصة هي أن المدين أدى جزءا مما هو محكوم عليه به، فإن المفوض القضائي لم ينجز المقاصة بمفهوم الفصول المحتج بها والتي تقتضي التحقق من الدين، وإنما قام بإنجاز عملية حسابية في إطار تنفيذه لأحكام قضائية قابلة للتنفيذ بين دينين محددي القيمة ومتقابلين" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 23 ).
المستفاد من القرار:
- يفهم من الانتقادات التي وجهت لهذا القرار الصادر عن استئنافية ورزازات، أنه خرق الفصول من 357 إلى 368 من قانون الالتزامات والعقود، انطلاقا من الدفع بأن الأمر الابتدائي اعتمد على محضر للمقاصة مدلى به ضمن وثائق الملف، وهو - حسب وسيلة النعي الثانية - محضر باطل لأنه أنجز من طرف مفوض قضائي؛ إذ أن المقاصة لا يمكن أن تصدر إلا بناء على حكم قضائي.
لكن محكمة النقض ردت على هذا الدفع، بأن التمسك بالمقاصة بين دينين أحدهما لا يمكن تحديده إلا بحكم هو الذي يستوجب إقامة دعوى، أما والحال أن المقاصة تمت في الدعوى بين دينين متقابلين ومحددي القيمة بناء على أحكام قضائية قابلة للتنفيذ فإن الأمر لا يحتاج إلى تقديم دعوى.
- المقاصة هي انقضاء الالتزام بالوفاء المتبادل؛ بمعنى القيام بقص أو اقتصاص دين من دين بهدف إخلاء ذمتي الدائن والمدين إخلاء كليا أو جزئيا. وهي على نوعين؛
مقاصة اتفاقية وتتم وديا بين شخصين أو أكثر بعيدا عن ساحة القضاء؛ بحيث يكون كل منهما دائن لصاحبه بمبلغ من المال، فيتفقان على إنهاء هذه العلاقة بتطهير ذميتهما بخصم دين أحدهما من دين الآخر كليا أو جزئيا.
ومقاصة قضائية وتتم تنفيذا لحكم صادر بناء على مقال مضاد أو معارض في مواجهة دعوى شخصية قائمة.
وحسب مقتضيات الفصل 319 من قانون الالتزامات والعقود، تعتبر المقاصة من أسباب إنهاء الالتزام متى توفرت شروطها العامة المقررة في الفصل 357 من نفس القانون بحيث: "تقع المقاصة إذا كان كل من الطرفين دائنا للأخر ومدينا له بصفة شخصية"، وتقع ".. بين دينين من نفس النوع، وعلى سبيل المثال بين الأشياء المنقولة المتحدة صنفا ونوعا أو بين النقود والمواد الغذائية" ( الفصل 361 )، و"يلزم لإجراء المقاصة أن يكون كل من الدينين محدد المقدار ومستحق الأداء.."( الفصل 362 )،
وحسب الفصل 367 " يترتب على المقاصة عند التمسك بها، انقضاء الدينين في حدود الأقل منهما مقدارا، ابتداء من الوقت الذي وجدا فيه معا مستوفيين الشروط التي يحددها القانون لإجراء المقاصة"، و"إذا تعدد على نفس الشخص ديون قابلة للمقاصة طبقت في شأنها القواعد المقررة في خصم المدفوعات" ( الفصل 368 ).
- وعليه فالحكم الذي بني على وثائق من بينها محضر للمقاصة حرر في إطار التنفيذ، يثبت أن ما قام به المفوض القضائي من عمليات حسابية، إنما يدخل في إطار التصفية النهائية لحكم يسهر على تنفيذه بدقة متناهية، وليس في ذلك أي خروج عن الاختصاص المسندة إليه في مجال التنفيذ.
- الطاعن لا مصلحة له في التمسك بما دفع به مادام أن نتيجة المقاصة عجلت بأن يؤدي المحكوم له جزءا مما حكم له به، والمفوض القضائي إنما قام بإنجاز عملية حسابية في إطار تنفيذه لحكم قضائي قابل للتنفيذ بين دينين محددي القيمة ومتقابلين.
- الملاحظ - إذن - أن حرص المفوض القضائي على تمكين المحكوم له من حقوقه بكيفية تعفيه من المزيد من الإجراءات، وأن ذلك مقرر سلفا بحكم قضائي أصبح قابلا للتنفيذ؛ وبالتالي فالعمليات الحسابية التي قام بها المفوض لفائدة المحكوم له لا تعتبر مقاصة بالمفهوم القانوني الذي يتوقف على حكم قضائي بإجرائها، وإن كانت كذلك بالمفهوم الرياضي المحاسباتي، بل بالعكس يمكن اعتبارها تزيدا في إكرام أطراف التنفيذ من طرف هذا المفوض بمساعدتهم على إنجاز العمليات الحسابية، سعيا لتصفية آخر مشكلة من مشاكل التنفيذ من جهة، واستهدافا لتحقيق النجاعة القضائية من جهة ثانية.
( يتبع )
يقصد بالنجاعة عموما القدرة على إحداث التغيير، وفي إطار الإجراءات القضائية يقصد بها سلوك أبسط الطرق لإنجاز عمل وفق القانون في أقصر وقت ممكن. وبارتباط بالنجاعة القضائية تعتبر النجاعة الإجرائية هي ﺳﻠﻮﻙ ﺃﻳﺴﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎﻃﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺳﺮﻉ ﺍﻵﺟﺎﻝ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ.
***
ثانيا- أهداف النجاعة القضائية
يتضح - إذن- أن مفهوم اﻟﻨﺠﺎﻋﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻳﻨﻄﻮي على ﻋﺪة آليات لتحقيق أهدافها بكيفية استراتيجية منها؛ ( اختيار شكل مسطري معين / اختيار مساحة زمنية وجيزة / التركيز على تحقيق العدالة )؛ هذا المثلث الاستراتيجي، يمكن العناصر الفاعلة والمؤثرة في منظومة العدالة من النفاذ إلى ﻋﻤﻖ الإشكالات القانونية والواقعية وتفكيكها ومعالجتها، بما يضمن تجاوز معيقات الأداء المطلوب لإنتاج عدالة مواكبة لسياق الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع المغربي.
***
ثالثا- المفوض القضائي من مكونات منظومة العدالة
من مكونات الموارد البشرية لمنظومة العدالة المفوض القضائي، الذي هو مساعد للقضاء يمارس مهنة حرة وفقا للقانون رقم 03.81 والنصوص التنظيمية المتعلقة به..
***
رابعا- دور المفوض القضائي في النجاعة القضائية
دور المفوض القضائي في تحقيق النجاعة القضائية رهين بتمكنه من المادة القانونية المؤطرة لعمله، ومن عمق التجربة الميدانية التي اكتسبها، ومن مواكبة الأحكام والاجتهادات القضائية ذات الصلة بالاختصاصات الموكولة إليه في مجال التبليغ والتنفيذ، مع ضرورة إتقانه لمهارات التواصل وتقنيات التحرير والنزاهة والحياد..
***
خامسا- المساهمة في النجاعة بجودة المحاضر
يكاد المحضر الذي يحرره المفوض القضائي يكون الوحيد في إثبات قيامه بالمهام المسندة إليه، إذا استثنينا شهادة التسليم التي تعتبر أداة نظامية للتبليغ خاصة بكتابة الضبط؛ فالمحضر داخل مؤسسة المفوض القضائي أداة جوهرية / وظيفية لا يمكن الاستغناء عنها إلا في حالات نادرة؛ كحالات تبليغ استدعاءات التقاضي واستدعاءات الحضور ونحوهما؛ وسبب ذلك أن تحرير المحضر لا يعتبر ضروريا إلا عند التنفيذ أو عند إجراء المعاينات أو التبليغات بناء على طلب مباشر.
يلتزم المفوض القضائي أثناء تحرير المحضر بعدة التزامات قانونية وموضوعية وشكلية؛
- فعلى مستوى الالتزامات القانونية، وطبقا لمقتضيات المادة 9 من قانون المفوضين القضائيين، لا يحق للمفوض مباشرة تحرير المحاضر إلا بعد الترخيص له بمزاولة المهنة بقرار لوزير العدل، وأداء اليمين القانونية بين يدي رئيس المحكمة التي تم تعيينه بدائرة نفوذها.
من الشروط القانونية عند تحرير المحاضر.
1- تلافي استغفال المطلوب في الإجراء.
2- تلافي التدليس على المطلوب في الإجراء.
3- تلافي الاحتيال على المطلوب في الإجراء.
4- تلافي تخطئة المطلوب في الإجراء.
5- تلافي تحويل المحضر إلى وثيقة استرعائية ( الفصل 422 من ق ل ع: شهادة الاستغفال ).
6- تلافي التحفظات ( الفصل 422 من ق ل ع:
وتعتبر أيضا باطلة وكأن لم تكن الورقة الرسمية التي تتضمن تحفظا أو استرعاء ).
- وعلى مستوى الالتزامات الموضوعية، يبني المفوض القضائي محاضره على عنصر جوهري هو موضوع المحضر أو محله، يتعين تحديده رأسا من خلال العنوان؛ ويتم تحديده بناء على طبيعة المهمة المطلوب من المفوض إنجازها.
على أن أول شروط صحة القيام بالمهمة، ضرورة فهم المفوض موضوع ما يطلب منه من الجهة المعنية؛ طبيعية كانت أو اعتبارية؛ فقد يكون الطلب خارج اختصاص المفوض القضائي، وقد يكون داخل اختصاصه لكنه ينطوي على أكثر من مهمة واحدة. ولا تتوقف حساسية موضوع المحضر أو محله على مجرد تحديده بالدقة اللازمة فحسب، بل لابد أن يدرك جيدا أبعاد ما طلب منه، وأن يعمل على صياغة ذلك في محضره بكيفية تؤكد ذلك الفهم ليتحقق المطلوب؛
ومن أسس النجاعة - أيضا - في عمل المفوض القضائي ضرورة تصوره العميق لأهداف الإجراء، وتطابق هذه الأهداف مع نوعية الخدمة التي يقدمها للعدالة والمرتفقين، من حيث استيعاب موضوع ادعاء الطرف / الطالب، قبل العمل على تنفيذ موضوع الإجراء ( أي تأطير الإجراء ضمن نطاق الدعوى التي ينظرها القضاء، أو نطاق الطلب المعروض على المفوض كإجراء مباشرة ).
- وعلى المستوى الشكلي، يلتزم المفوض القضائي بالتطبيق الجيد للمساطر والقواعد الخاصة بإجراءات تحرير المحاضر؛ من حيث بيان اسم المفوض القضائي وصفته وعنوان التخابر معه والسند القانوني المنظم لمهنته، وبيان مراجع الإجراء الشخصية ومراجعه القانونية المعتمدة، وبيان موضوع الطلب وأطرافه وعناوينهم ووكلاؤهم، وبيان تاريخ الإجراء وكيفية إنجازه. ثم أخيرا القيام بالتوقيع على المحضر ووضع طابع المفوض عليه في ثلاثة نظائر.
وينبغي أن يتم التحرير بكيفية دقيقة طبقا لمقتضيات القانون، وبلغة قانونية سليمة لا لبس فيها ولا مجال للتأويل والتفسير، مع الحرص على تنفيذ الآجال المسطرية في إبانها الذي يكرس معقولية الإجراء ويضمن صحته في الإثبات والتداول.
فالمفوض القضائي المجتهد في تحقيق النجاعة القضائية، هو الذي يشغل ميكانيزمات مهنته، لإقناع العدالة بما ينتجه من خدمات ومن قيم قانونية يصح اعتمادها في بناء القرارات والأحكام والأوامر الصادرة باسم جلالة الملك وطبقا للقانون.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن محاضر المفوضين القضائيين قد يعتربها البطلان بنوعيه؛
إما البطلان القانوني، وهو الذي ينص القانون على كونه كذلك، ومهمة القاضي في هذه الحالة أن يكشف مواطنه، ويستدل عليها بما يمتلكه من أدوات الاستدلال بنفس الحيادية التي يعالج بها موضوع النزاع، وكل ذلك من أجل النجاعة في إنهاء النزاع، وتأكيد القاضي المكلف أو القاضي المقرر على قدرته المهنية في معالجة وثائق الملف بما فيها محاضر المفوضين القضائيين، وتأكيده من جهة أخرى لصلاحيته المسؤولة عن إدارة النزاع المعروض عليه بكفاءة وشفافية، ومن غير غفلة أو تفاغل عن إلغاء المحاضر التي تعاني اختلالات تفقدها التوازن عند الإثبات.
وإما البطلان القضائي، فهو عبارة عن قرار قضائي يصرح به بناء على عدم كفاية المحضر شكلا وموضوعا، لقصوره عن تأسيس قناعة حقيقية لدى القاضي؛ تلكم القناعة التي تجعله مطمئنا تمام الاطمئنان لواقعة التبليغ أو التنفيذ، وكونها احترمت المقتضيات القانونية وحقوق الأطراف.
من جهة أخرى، تبرز نجاعة المفوض في تعامله مع النصوص التي يعتمد عليها في إجراءات التبليغ والتنفيذ، والتي هي نصوص تشريعية عامة ومجردة، ولا يمكن تطبيقها بكيفية روتينية على الوقائع والمستجدات إلا بإعمال الحس الإبداعي في التعامل مع النصوص؛ ذلك أن كل واقعة جديدة تفرض إعادة قراءة النص من جديد، ليتم تحيين زاوية النظر التي يفرضها النص، والتي يتحتم على المفوض أن يجتهد في إدراك مدى ملاءمتها لتحقيق التطابق المنشود بين مقتضيات النص وتطبيقاته على الواقعة. فالواقع يتجدد باستمرار، وعلى المفوض مواكبته بتطبيق النصوص المناسبة، سواء حسب منطوقها أو حسب مفهومها غير المختلف فيه.. وبالاجتهاد يستطيع المفوض القضائي تجاوز المعيقات التي تعرقل النجاعة القضائية، وتحول دون انسيابية الأحكام بكيفية تجنبها كثرة الطعون مهما كانت وجاهتها.. وهنا تبرز ضرورة اجتهاد المفوض القضائي لتحقيق النجاعة القضائية.
وأخيرا تبرز نجاعة المفوض في السعي لصناعة نماذج متقاربة أو موحدة، وبتأليف بعبارات مختصرة ومركزة عند تحرير المحاضر، طالما أن المشرع لم يحدد شكلا معينا لذلك..
***
سادسا- المفوض القضائي ونجاعة الإجراء الاستعجالي
من خلال النازلة التي بين أيدينا، سنتناول علاقة المفوض القضائي بنجاعة الإجراءات الاستعجالية؛ حيث تبرز أهمية المبادرة التي يمكن للمفوض القيام بها منضبطا في ذلك مع روح التشريع ومستهدفا الجانب الغائي في الإجراء.
قرار محكمة النقض رقم: 1/311
مؤرخ في: 28 يونيو 2016
ملف مدني رقم: 2015/1/1/1837.
القاعدة:
مادام أن الطاعن هو ممثل للشركة كما صرح بذلك للمفوض القضائي، ونظرا لكون الدعوى استعجالية تتعلق باتخاذ إجراء مستعجل له صبغة مؤقتة، فإن توجيه هذه الدعوى ضد ممثل الشركة المكترية للعقار المراد وقف الأشغال فيه يكون توجيها مقبولا.
الوقائع الاستشكالية في هذا القرار
- طلب المدعي في مقاله الاستعجالي من رئيس المحكمة الابتدائية إصدار أمر ضد المدعى عليه لإيقاف الأشغال التي يجريها على الملك المتنازع فيه، إلى حين البت في القضية المعروضة على أنظار القضاء.
- دفع المدعى عليه بانعدام صفته كمدعى عليه، لأن المدعى عليه الحقيقي هو الشركة التي يمثلها، لا هو شخصيا.
- صدر الأمر الاستعجالي بعدم الاختصاص واستأنفه المدعي، فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الأمر المستأنف، والتصريح من جديد بأمر المستأنف عليه بإيقاف أشغال البناء إلى حين البت في الموضوع تحت طائلة غرامة تهديدية.
- طعن المستأنف عليه بالنقض ضد القرار الاستئنافي، متوسلا في طعنه بسببين:
> السبب الأول: ينعى الطاعن على محكمة الاستئناف خرق الفصل 1 من قانون المسطرة المدنية بشأن انعدام صفة التقاضي، ( حيث يتمسك المدعى عليه بأنه مجرد ممثل قانوني للشركة القائمة بأشغال البناء، وبالتالي فهو ليس طرفا في الدعوى، هناك - إذن- خرق بانعدام الصفة ).
> السبب الثاني: ينعى الطاعن على محكمة الاستئناف عدم اكتراثها بالدفع المثار في السبب الأول، لاسيما وأنها لم تكلف نفسها بالإجابة عنه، هناك - إذن - انعدم التعليل.
المستفاد من القرار:
- القضاء الاستعجالي قضاء مختص بالبت في القضايا الوقتية ذات الصبغة الاستعجالية، خلافا للقضاء الموضوعي الذي يختص بالبت في النزاعات التي لها علاقة بجوهر الحق. وكلما تعلقت الدعوى بطلب إجراء وقتي مستعجل، لا يمس حقوق الأطراف ولا يؤثر في مراكزهم القانونية، ويترتب على تعجيل البت فيه درء ضرر متوقع، كلما كان القضاء الاستعجالي وفيا للرسالة التي شرع من أجلها.
- عنصر الاستعجال متوفر في هذه النازلة، فهناك خطر لضرر محدق بسبب قيام الشركة بأشغال على عقار موضوع للنزاع، وقد يصعب تلافي هذا الخطر لو لم تأمر المحكمة بإيقاف الأشغال إلى حين البت في موضوع النزاع.
- محكمة النقض رأت في قرارها المومأ إليه أعلاه، أن ما ذهبت إليه محكمة الاستئنافي صائب ووجيه، معتبرة أن المفوض القضائي حين أثبت في محضره تصريح المدعى عليه بكونه ليس هو المدعى عليه، بل المدعى عليه هو الشركة التي يمثلها، فإنه بذلك يكون قد فعل ( بتشديد العين ) الطبيعة الاستعجالية للدعوى التي تعد مناقشة الصفة - على وضوحها - غير ذات بال، مقارنة مع الضرر الحال الذي يتعين تلافيه على وجه السرعة.
- قيام المفوض القضائي بتبليغ للمدعى عليه بناء على تصريحه ( بأنه ليس هو المدعى عليه، وإنما هو ممثل للشركة فقط )، عمل صائب ومحقق للنجاعة القضائية؛ المفوض القضائي اتجه إلى المدعى عليه بناء على اسمه في الدعوى، فتبين أن هذا المدعى عليه ممثل قانوني لشركة هي نفسها التي تقوم بالأشغال. المدعى عليه لا ينازع في شخصه ولا في صفته كممثل للشركة، وإنما ينازغ في كون المدعى عليه يجب أن تكون الشركة التي يمثلها وليس هو. وعدم المنازعة هنا سهل على القضاء الاستعجالي مأموريته، لأن الأمر الذي سيصدره قاضي المستعجلات لن يؤثر - حتما - في المراكز القانونية للأطراف، وإنما سيوقف احتمالية وقوع الضرر، بينما إيقاف الأشغال لن يضر الشركة أو ممثلها القانوني في أي شيء..
- على هذا الأساس اعتبرت محكمة النقض في ردها على الدفعين المثارين بقولها: "يستفاد من مستندات الملف أن الطاعن هو ممثل لشركة ( ص. م ) كما صرح بذلك للمفوض القضائي، ونظرا لكون الدعوى استعجالية، تتعلق باتخاذ إجراء مستعجل له صبغة مؤقتة، فإن توجيه هذه الدعوى ضد ممثل الشركة المكترية للعقار المراد وقف الأشغال فيه يكون توجيها مقبولا، ولذلك فإن القرار المطعون فيه حين علل بأن: "الثابت من ظاهر الأحكام المستدل بها من طرف الطاعن أن الجزء من عقار مطلب التحفيظ الذي تقدمت به الدولة المغربية - الملك الخاص - الذي لم ينف المستأنف عليه بكونه تم شموله بمد قنوات الصرف الصحي فوقه والتي تعتبر في حد ذاتها تمهيدا لأشغال البناء لا زال معروضا على أنظار القضاء للبت في التعرضات المقدمة ضده، ومن بينها تعرض الطاعن مما يشكل منازعة قضائية في الملكية، وبالتالي فإن أية أشغال بناء فوقه كيفما كان نوعها من شأنها أن تخلق وضعية يصعب تداركها مستقبلا الشيء الذي يجعل اختصاص قاضي الأمور المستعجلة قائما لاتخاذ إجراءات وقتية تحفظية لإيقافها إلى حين انتهاء النزاع المعروض على قضاء الموضوع"، فإنه نتيجة لما ذكر كله يكون القرار معللا تعليلا كافيا والسبب - بالتالي - غير جدير بالاعتبار" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 12- 13 ).
- لاحظوا معي كيف ارتقى المفوض القضائي محرر وثيقة التبليغ بحسه الإجرائي ليسهم بدوره في النجاعة القضائية لانتاج مقرر استعجالي، حين اعتبر تصريح المدعى عليه بأنه ممثل الشركة، كافيا لنفي الجهالة بصفته الطرف المبلغ إليه ( ولا يهمنا إن كان هو فعلا، أو الشركة التي ثبت أنه يمثلها )، لاسيما وأن القضية توصف بكونها وقتية، ولا تتسع للبحث فيمن هو المدعى عليه الحقيقي ( الشركة أو ممثلها )، أمام الضرر المحدق الذي قد يستعصى تداركه وتصحيحه.
هنا منح المفوض القضائي محضره حجية في الإثبات بناء على ما تم التصريح به من طرف المدعى عليه؛ حيث أثبت من خلال التصريح صفة إضافية لاسم المدعى عليه كممثل للشركة، وأثبت من جهة أخرى علاقته بموضوع الدعوى، فتكون مساهمته في تحقيق النجاعة القضائية متجلية من خلال التجاوب مع روح الدعوى الاستعجالية على حساب الدفع بانعدام الصفة لكونه أصبح غير ذي جدوى.
- ومن هنا يتضح دور المفوض القضائي في مسايرة أهداف القضاء الاستعجالي من حيث سرعة إنجاز مهمته، وعدم التماهي مع النزاعات الجوهرية المتروك شأنها لقضاء الموضوع. وهذا يتطلب ضرورة إلمام المفوض القضائي بطرق تحقيق النجاعة القضائية للأوامر الوقتية التي تصدر تحت ضمانات فلسفة التشريع الخاص بالقضاء الاستعجالي.
- أثبت المفوض القضائي من خلال تدبير الصفة الخاصة بأحد أطراف النزاع ( المدعى عليه )، بأنه إذا علم الممثل القانوني للشركة بأن الشركة التي يمثلها هي موضوعا لدعوى قائمة بصفتها مدعى عليها، فإنه علمه هذا يصبح منتجا وتترتب عنه مسؤوليته القانونية في حماية الشركة، ولو وجهت الدعوى باسمه هو لا باسمها، طالما أن النازلة تدخل في إطار دعوى استعجالية التي ليس لها أي مساس بجوهر الحق، وليس لها أي تأثير على المراكز القانونية للأطراف.
***
سابعا- أهمية الوصف في محاضر المفوضين القضائيين
مختلف النقاشات الفقهية التي واكبت تعديل القانون رقم 03.81 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006، بشأن إشكالية توصيف الطرف المعني بتسلم الطي عند الرفض، لم تسفر عن نتيجة تذكر حسب مشروع القانون الجديد الذي ينظم المهنة.
- القرار رقم 6/463.
- مؤرخ في 04 يونيو 2013.
- ملف مدني رقم: 2012/6/1/2855.
"مادام الثابت من محضر تبليغ الإنذار أن التبليغ الواقع للمكتري تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، وأن صورة المحضر الاستدراكي تفيد تبليغ خادمته حسب تصريحها والتي رفضت التوقيع على محضر التبليغ والذي تضمن وصفا دقيقا لها، فإن هذا المحضر يعتبر حجة رسمية طبقا لمقتضيات الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود ولا يستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار، وبالتالي يكون قرار المحكمة معللا تعليلا كافيا وما قضت به مرتكزا على أساس" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص: 32 - 33 - 34 ).
المستفاد من القرار:
- تحرير المحضر في عمل المفوض القضائي يؤكد شرط الكتابة، وهذا الشرط كما ربطه المشرع بشواهد التسليم ربطه بالمحاضر ولو كانت محاضر إصلاحية أو استدراكية حسب ما جرى به العمل وأجازه القضاء. إجازة القضاء تجعل المحضر الاستدراكي المبني بناء سليما محضرا يعتد به، وله نفس الحجية التي يتمتع بها المحضر الأصلي.
- يتوجب ربط المحضر الاستدراكي بالمحضر الأصلي، مع التركيز على وصفه بكونه استدراكيا، ووصله بمضمون المحضر الأصلي وتاريخه ومراجعه وبيان مضمون النقطة موضوع الاستدراك.
- المفوض القضائي ملزم - وهو يحرر الشواهد والمحاضر - بتوخي الحرص على عدم الوقوع في التناقض بين أجزاء البيانات التي يكتبها، سواء في نفس الوثيقة أو بين وثيقتين في نفس الملف أو بين وثقيتين في ملفين مختلفين.
هذه المسألة استلهمناها من ملحوظة أدرجتها محكمة النقض في هذه النازلة، حين أكدت على أن المفوض القضائي قام بالتبليغ إلى الخادمة حسب تصريحها، التي رفضت التوقيع على محضر التبليغ "الذي تضمن وصفا دقيقا لها..، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار".
إذن الوصفان المتطابقان الواردان في الوثيقتين، ساهما في تعزيز ثقة القضاء في محضر المفوض القضائي..
- العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، هذه العبارة التي وردت في منطوق القرار ليست قاعدة عامة، وإنما هي خلاصة تخص ملف النازلة، وإلا فالعبرة بالتبليغ تتم بكل وثيقة جعلها المشرع أداة للتبليغ، ولا يختلف في ذلك المحضر عن شهادة التسليم أو غيرها.
- طبقا لمقتضيات المادة 15 من قانون المفوضين القضائيين، يمكن للمفوض القضائي السهر على تبليغ الإنذارات؛ إما بناء على أمر ولائي يصدره رئيس المحكمة في إطار الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية، وإما بناء على طلب مباشر يتقدم به المعني بالأمر إلى مكتب السيد المفوض القضائي.
- يلاحظ أن الإنذار تم تبليغه بكيفية سليمة؛ حيث تضمن البيانات الأساسية لعملية التبليغ طبقا لمقتضيات الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية، الذي يقضي بأن الإنذار في حالة توجيهه بناء على أمر رئاسي، يجب أن يرفق بشهادة التسليم النظامية، التي يبين فيها اسم الطرف المعني بالإنذار وعنوانه، واسم المفوض القضائي، ولمن سلم الإنذار، وتاريخ ومكان التسلم، ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف الذي تسلم الإنذار، أو من الشخص الذي تسلمه في موطنه؛ بحيث يشترط أن يكون من أقاربه أو خدمه أو ممن يقطن معه. وإذا عجز المتسلم عن التوقيع أو رفضه أشار إلى ذلك المفوض القضائي المكلف بالتبليغ ثم يوقع على هذه الشهادة في جميع الأحوال ويرسلها إلى كتابة ضبط المحكمة بعد أن يختم عليها بطابعه الخاص.
بينما إذا طالب باعث الإنذار من المفوض القضائي مباشرة توجيه هذا الإنذار إلى الطرف المعني، فإن المفوض القضائي في هذه الحالة يثبت واقعة التبليغ بواسطة محضر يتضمن جميع البيانات المشار إليها أعلاه، وهنا تتساوى شهادة التسليم في الإثبات بمحضر التبليغ؛ لأنهما معا حجة لا يطعن فيها إلا بالزور.
- محضر النازلة التي بين أيدينا تضمن نفس البيانات أعلاه كما يلي:
* تاريخ تسليم الإنذار٠
* هوية الخادمة التي تسلمته مع ذكر صفتها كخادمة للمعني بالأمر، زيادة على ذكر جانب من مواصفاتها.
* هوية المفوض القضائي وصفته المهنية وتوقيعه وطابعه الخاص باعتباره القائم بتسليم الإنذار.
كل ذلك ورد طبقا لقواعد التبليغ المقررة في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.
- إذن لا يمكن - والحالة هاته - أن يدفع المدعى عليه بأن تبليغ الإنذار يجب إثباته بواسطة شهادة التسليم، مادام الثابت من محضر تبليغ الإنذار أنه تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، التي تجيز التبليغ المباشر بواسطة المفوض القضائي، وأن هذا الأخير ينجز المهام الموكولة له مباشرة، ويثبت ذلك بالمحاضر التي تعتبر أدوات جوهرية / وظيفية في عمله، وأن هذه المحاضر حجة رسمية لا تستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ في هذه النازلة بمحضر التبليغ.
- شهادة التسليم ومحضر التبليغ كلاهما حجة رسمية لا يطعن فيهما إلا بالزور، لكن التمسك بعدم إثبات صحة الإجراء إلا بشهادة التسليم أمر لا يستقيم، فالعبرة في التبليغ بالمحضر مؤيدة قانونا وفقها وقضاء؛
> قانونا: من الناحية القانونية يجد محضر التبليغ سنده في نص المادة 44 من القانون رقم 81/03.
> فقها: من الناحية الفقهية يجد محضر التبليغ سنده في كونه الوثيقة المعتمدة في الأدوات المادية والفنية التي يشتغل بها المفوض القضائي في إنجاز المهام الموكولة إليه، خاصة وأنه لا يستطيع استعارة شهادة التسليم النظامية للعمل بها في تدبير شؤونه الإدارية.
> قضاء: من الناحية القضائية يجد محضر التبليغ سنده في نص هذا القرار وغيره مما لا يحصره عد.
وعلى هذا الأساس، يتوجب على المفوض القضائي تقوية محضره بما لا يجعله مهلهلا ولا غامضا، بل يجب أن يكون منيعا ضد الاختراق أو التأويل، علاوة على الصدق وعدم الخطأ والتدليس والإكراه والاحتيال، طبقا للفصل419 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن "الورقة الرسمية حجة قاطعة، حتى على الغير في الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره وذلك إلى أن يطعن فيها بالزور".
إلا أنه إذا وقع الطعن في الورقة بسبب إكراه أو احتيال أو تدليس أو صورية أو خطأ مادي، فإنه يمكن إثبات ذلك بواسطة الشهود وحتى بواسطة القرائن القوية المنضبطة الملائمة دون احتياج إلى القيام بدعوى الزور. ويمكن أن يقوم بالإثبات بهذه الكيفية كل من الطرفين أو الغير الذي له مصلحة مشروعة".
- وعليه فالمحضر حجة قاطعة لا يطعن فيه إلا بالزور، لأنه من الحجج الرسمية الواردة في الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود، فقد جاء في الفصل 428 ما يلي: "تكون البرقية دليلا كالورقة العرفية، إذا كان أصلها يحمل توقيع مرسلها أو إذا ثبت أن هذا الأصل قد سلم منه إلى مكتب البرقيات ولو لم يكن توقيعه عليه. وتاريخ البرقيات دليل بالنسبة إلى يوم وساعة تسليمها أو إرسالها إلى مكتب البرقيات ما لم يثبت العكس"، وجاء في الفصل429 ما يلي: "للبرقية تاريخ ثابت، إذا سلم مكتب التلغراف الصادرة عنه للمرسل نسخة منها مؤشر عليها بما يفيد مطابقتها للأصل، وموضحا فيها يوم وساعة إيداعها".
- المحضر حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور، لاسيما وأنه تضمن البيانات الأساسية لعملية التبليغ؛ من حيث تاريخ تسليم الإنذار، ولمن سلم مع ذكر صفته، ومن سلمه له؛ اسما وصفة، والتوقيع والطابع، طبقا لقواعد التبليغ المقررة في الفصول 37 و 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية.
- صفة المتسلم ضرورية في التبليغ في جميع الأحوال تجنبا للجهالة، وعند التسلم ورفض التوقيع أو عند رفضهما معا، يستحسن دعم المحضر بالوصف المبين بيانا سليما لا يتسرب إليه الشك، أو لا يدع مجالا للتملص من المسؤولية إلا بإثبات عكس الواقع. وقد أحسن المفوض القضائي ( في النازلة موضوع الدراسة ) صنعا حين أدرج صفة المبلغ إليها ( من حيث كونها خادمة المعني بالأمر حسب تصريحها )، لما في محاولة وصفها من الزيادة وإلامعان في التوثيق.
- تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن البيانات الأساسية لواقعة التبليغ في المحضر بعضها يعد من البيانات الجوهرية، وتتمثل في أركان الوثيقة التي يترتب على على انعدامها البطلان، ومن البيانات الجوهرية أيضا؛
> مكان التبليغ ( عنوان المطلوب في الإجراء ).
> لمن تم التبليغ ( المعني بالأمر في عنوانه أو في غير عنوانه، ورقم بطاقته عند الإمكان، وكونه تسلم ووقع، أو تسلم ورفض التوقيع أو ادعى عدم القدرة عليه، أو رفض التسلم والتوقيع معا،
( صفة الشخص الكائن في عنوان المعني بالأمر، واسمه ).
> تاريخ التبليغ ( بالأرقام والحروف ).
> اسم وصفة القائم بالتبليغ ( المفوض القضائي نفسه أو كاتبه بالنيابة ).
> التوقيع والطابع والتأشير عند الاقتضاء.
وإلى جانب البيانات الجوهرية هناك بيانات تكميلية، تتوخى دعم الإثبات لضمان صحة الوثيقة ( كالمواصفات التي دعم بها المفوض القضائي محضره في نازلتنا )، ورقم بطاقة الشخص المتواجد بعنوان المعني بالأمر عند الإمكان وكونه تسلم ووقع، أو تسلم ورفض التوقيع أو ادعى عدم القدرة عليه، أو رفض التسلم والتوقيع معا، والوصف في حالة رفض ذكر الاسم ورفض الإدلاء بالبطاقة ورفض التسلم ).
وهذا ما أكده القرار موضوع النازلة، حين نص على أنه "وبذلك فإن للمفوض القضائي أن يقوم بتبليغ الإنذار بالأداء وتحرير محضر بذلك مستوف لشروط التبليغ ومتضمنا للبيانات المنصوص عليها قانونا، وأنه يتجلى من محضر تبليغ الإنذار بالأداء المنجز من طرف المفوض القضائي أنه بتاريخ 2010/01/08 بلغ الإنذار المذكور للطاعن بموجبه وتسلمته خادمته ( فاطمة ) التي لم تدل ببطاقتها الوطنية وأورد بالمحضر المذكور أوصافها، وأن المحضر الاستدراكي المنجز من طرف نفس المفوض أشار فيه إلى أن خادمة الطاعن رفضت التوقيع في الخانة المخصصة بمحضر التبليغ، ولا يستفاد من وثائق الملف أن الطاعن أدلى بما يفيد طعنه في مضمن المحضرين المنجزين من طرف العون القضائي المذكور ( يعني المفوض القضائي ) واللذين يعتبران حجة رسمية على تبليغ الإنذار، ولذلك فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه وفي إطار تقييمها للأدلة المعروضة عليها لما تبين لها بأن الطاعن بلغ بالإنذار بالأداء بواسطة مفوض قضائي الذي أنجز محضرا بذلك وتأكدت من صحة إجراءات التبليغ بعدما اتضح لها أن محضر التبليغ المذكور تضمن تاريخ التبليغ ومكانه والمبلغ له الذي تسلم الإنذار في موطن الطاعن ورفض التوقيع وردت دفوع الطاعن وعللت قضاءها بأنه: "ثبت من محضر تبليغ الإنذار أن التبليغ الواقع للمستأنف تم في إطار مقتضيات الظهير المنظم لمهنة المفوضين القضائيين وطبقا لمقتضيات المادة 15 منه، وأن صورة المحضر الاستدراكي تفيد تبليغ خادمة المستأنف المسماة ( فاطمة ) حسب تصريحها والتي رفضت التوقيع على محضر التبليغ والذي تضمن وصفا دقيقا لخادمة المستأنف، وأن هذا المحضر يعتبر حجة رسمية طبقا لمقتضيات الفصلين 428 و 429 من قانون الالتزامات والعقود ولا يستدعي وجود شهادة التبليغ إذ العبرة في التبليغ بمحضر التبليغ، والأكثر من ذلك أنها هي التي توصلت بالاستدعاء في المرحلة الابتدائية حسب الثابت من شهادة التسليم المتعلقة بجلسة 2012/02/22 التي تضمنت نفس المواصفات الواردة بمحضر الإنذار، وبالتالي يتعين رد جميع دفوع المستأنف المثارة بخصوص تبليغ الانذار". فإنه نتيجة لذلك يكون القرار معللا تعليلا كافيا ومرتكزا على أساس وما بالوسيلتين غير جدير بالاعتبار".
- من الأهمية بمكان وبدافع الشعور بالمسؤولية والاجتهاد في تحقيق النجاعة، أن يجتهد المفوض القضائي في محاولة الإحاطة بظروف النازلة، ومراجعة ملف القضية التي يشتغل عليها، وعلى الأقل- عند تعذر ذلك - أن يسعى لمراجعة الوثائق التي كلف بتبليغها مراجعة تحليلية، تعينه على إدراك حدود النزاع ومطالب أطرافه وجوهر الخلاف، حتى يتمكن من تأطير الإجراء المطلوب منه تأطيرا قانونيا يسهل عليه إنجاز مهمته.
والملاحظة الملهمة في هذه النازلة أن الوصف الذي قدمه المفوض للخادمة تطابق ووصفها السابق الموثق ضمن أوراق الملف، وهذا التطابق أقنع القضاء في نجاعة البيان المتعلق بالوصف الذي أدرجه المفوض في محضره اجتهادا وإبداعا.
***
ثامنا- المفوض القضائي ومحاضر المعاينات
المفوض القضائي والخبير القضائي كلاهما من مساعدي القضاء، ما يميز عمل الأول منهما - وهو يجري معاينته في إطار المادة 15 من قانون 2006 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين -، هو أن المفوض القضائي ينجز محاضر المعاينات بناء على مشاهدته المجردة من كل رأي شخصي.
وبالتالي، فهو عند معاينة موضوع النزاع يمثل المحكمة، ويجسد سمعها وبصرها للأمور المادية الماثلة بين يديه.. بمعنى أنه بهذه الصفة، يضع بين يدي المحكمة مادة واقعية بتفاصيلها وجوانبها المرئية، لتساعد القاضي على تجميع معطيات النزاع الموضوعية، التي تأتي بعدها قناعته الشخصية انطلاقا من الواقع الذي حرر بشأنه محضر المعاينة لا من المحضر الذي رصد هذا الواقع، ومكمن النجاعة القضائية هنا يتمثل في أن محضر المفوض القضائي يوفر للقاضي مادة علمية مجردة ليؤسس عليها قناعته دونما حاجة للانتقال إلى عين المكان وإجراء المعاينة الواقعية شخصيا..
منطوق قرار محكمة النقض
- القرار رقم: 3/241
- مؤرخ في 15 مارس 2014
- ملف مدني رقم 2013/3/1/2122
"المحكمة لما قضت بطرد المدعى عليه من الساحة المحتلة اعتمدت في قضائها على المعاينة التي قام بها المفوض القضائي الذي عاين تواجده بها كما عاين بها بقايا الأعشاب والحجارة مما يشكل قرينة على وجوده بها. وما قام به المفوض القضائي يدخل في اختصاصه لأنه إذا كان ينتدب من لدن القضاء للقيام بمعاينات مادية مجردة من كل رأي، فإنه يمكن له أيضا القيام بمعاينات من نفس النوع مباشرة بطلب ممن يعنيه الأمر"( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 20 ).
المستفاد من القرار:
- محضر معاينة أنجزه المفوض القضائي واعتمدته المحكمة لتحرير جزء هام من عقار تعرض للاحتلال، مما يشجع على القول بأن مهنة المفوض القضائي قادرة على المساهمة في تحقيق النجاعة القضائية ولو تعلق الأمر بالنزاعات العقارية ذات النفس الطويل..
- إجراء المعاينات المجردة من لدن المفوض القضائي، يجد سنده القانوني في المادة 15 من القانون رقم 1.06.23 المؤرخ في 2006/02/14 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين، التي تنص على أنه "ينتدب المفوض القضائي من لدن القضاء للقيام بمعاينات مادية محضة مجردة من كل رأي، ويمكن له القيام بمعاينات من نفس النوع مباشرة بطلب ممن يعنيه الأمر...".
- لكي تقضي المحكمة بطرد المدعى عليه من الساحة المحتلة بناء على محضر معاينة يقوم بها المفوض القضائي؛ فهذا يعني أن المفوض في هذه الحالة ملزم بمعرفة المدعى عليه الذي طردته المحكمة من الساحة، وملزم بمعرفة الساحة التي طرد منها، وبالتالي عليه أن ينتقل إليها لإجراء معاينة مدى امتثال المحكوم عليه لتنفيذ الحكم بإخلائه للساحة، فإذا عاينه متواجدا بها فهذا دليل على أنه عرفه، وإذا لم يعرفه - والحال أنه وجده بالساحة موضوع النزاع - فعليه التثبت من حيث كونه هو نفسه المنفذ عليه أم لا، وهذا التثبت ليس الهدف منه الاستجواب، وإنما الهدف منه السؤال عن الصفة لإثبات علاقته بالعقار موضوع المعاينة؛ خاصة وأن للاستجواب موضوعا وإطارا خاصين مجالهما ليس هنا.
- الجانب الإبداعي في محضر المعاينة الذي اعتمده القرار موضوع النازلة، هو أن المفوض القضائي انتبه إلى قرينة وجود المدعى عليه في الساحة موضوع المعاينة، وهذه القرينة هي بقايا أعشاب وحجارة مما دل على وجود شخص كان ولا يزال يستغل الساحة، وليس هذا الشخص إلا المنفذ عليه المحكوم عليه بإخلائها.
- مما سبق تكتمل أركان الصورة التي يتوجب على المفوض القضائي أن يؤسس عليها مهمته؛ من حيث:
> معرفة هوية طالب الإجراء بالاسم الكامل شخصا ذاتيا كان أو اعتباريا..
> معرفة صفة طالب الإجراء ( مالك العقار ملكا خاصا أو مشاعا، أو حائزا له بوجه من وجوه الحيازة.. إلخ/ إذا كان محكوما له فعليه الاطلاع على لحكم الصادر لفائدته، وهل هو مؤيد استئنافيا أم لا، وهل استوفى طرق الطعن أم لا، أو هو قابل للتنفيذ.. الخ ).
> معرفة الإجراء المطلوب، وهو في نازلتنا معاينة الساحة مستغلة من قبل المنفذ عليه مع أن المحكمة قضت بإخلائها.
- المحكوم عليه ليس طرفا في موضوع المعاينة، وإنما له شبهة علاقة بها، لكونه محكوم عليه بحكم نهائي بالطرد من الساحة، والمفروض أن يكون غير متواجد بها، وبالتالي فمن مسؤولية المفوض التعرف على هوية من يتواجد بالساحة، لأن مهمته أن يعاينها خالية من أي شخص أجنبي. وقد نجح المفوض بهذا التدقيق في تنفيذ المهمة المطلوبة منه، حين أبان أن المتواجد بالساحة ليس إلا المحكوم عليه بإفراغها، النجاعة هنا تبرز في تحرير محضر مؤسس على أن الساحة ليست خالية، ولا تمثل في الواقع حكم القضاء وما أمر به، وإنما تثبت خلافه وهو عدم الإخلاء، وأن المتسبب في هذه الواقع المخالف للقانون ليس إلا المحكوم عليه.
- إذن هناك إبداع في تنفيذ طلب المعاينة، ينطلق من معرفة خلفيتها وأطرافها، وتحديد موضوعها بدقة سهلت على المفوض إنجاز مهمته بحيادية تامة أيدتها محكمة النقض، بالرغم من محاولة التشويش عليها بالدفع بعدم مصداقية المحضر، طعنا في أسلوب التثبت الذي استعمله المفوض في التحري، إلا أنه مع ذلك أنجز - في نظر القضاء - عملا قانونيا حقق النجاعة القضائية، وأنهى نزاعا طويلا قطع جميع مراحل التقاضي، وعمر مدة تقدر بحوالي ثلاث سنوات.
- التأكيد على أهمية محاضر المعاينة مؤيد قضائيا بقرارات مماثلة كثيرة منها القرار رقم 1133 مؤرخ في 07 مارس 2015 صادر في الملف الاجتماعي عدد 2014/1/5/797 الذي جاء فيه ما يلي: "المحكمة المطعون في قرارها لم تكن ملزمة بإجراء بحث أمام ثبوت طرد الأجير من عمله بمقتضى المحضر المحرر من طرف المفوض القضائي الذي أكد منعه من دخول الشركة من طرف أحد مسؤوليها، وهو المحضر الذي لم تطعن فيه المشغلة بأي طعن جدي، لكونه موقع من طرف عون قضائي محلف ( المقصود مفوض قضائي )".
- المفوض القضائي ملزم بإجراء المعاينة دون إدراج أي تصريح محافظة منه على النقطة الجوهرية في الطلب وهي المعاينة فقط، مما يكون معه مضطرا لاستخدام المشاهدة الحسية دون إدخال العناصر الخارجية المؤثرة كالاستجوابات وتلقي التصريحات. فإذا تعلق الطلب بمعاينة واستجواب، فإن هذا الطلب لا يدخل في الطلبات المباشرة التي يختص المفوض بمباشرتها دون أمر قضائي. ولذلك فمحاولة فهم موضوع الطلب ومحاولة ربطه بمحل المعاينة، ومحاولة استعمال الذكاء الحسي في تلمس العناصر المادية المعززة للمحضر، هي المداخيل الأساسية للارتقاء بمحضر المعاينة إلى المستوى المطلوب في النجاعة القضائية.
- المفوض القضائي - وهو في الميدان - يمثل حضور المحكمة بسمعها وبصرها وأحاسيسها المتسمة بالموضوعية والحياد، وعمله مؤطر بهذه المبادئ وإن كان يقدم خدمة عمومية بناء على طلب مباشر، ويشترط فيه والحالة هاته أن يكون عارفا بهوية طالب الإجراء وعلاقته بموضوع الإجراء، وأن يكون مستوعبا للمطلوب منه في الإجراء تفاديا لتجاوز صلاحياته.
***
تاسعا - محضر المفوض القضائي وثيقة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور.
القاعدة:
- قرار محكمة النقض رقم 1/394.
- مؤرخ في 27 شتنبر 2016.
- الملف المدني رقم 3986/ 1/ 1/ 2015.
"المحكمة لما قضت بالتعويض عن تصفية الغرامة التهديدية المحكوم بها بسبب الامتناع عن التنفيذ اعتمدت محضر الامتناع المنجز من قبل المفوض القضائي في الملف التنفيذي، الذي صرح فيه أحد الورثة للمفوض القضائي أنه ينوب عن الباقين وضرب له هذا الأخير أجلا مدته 15 يوما فلم يحضر، وأن المحضر المذكور يبقى حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور، وأن المحكمة اعتمدته بالأساس فيما يثبته من امتناع المحكوم عليهم عن التنفيذ". ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 20 ).
المستفاد من القرار:
- محضر المفوض القضائي حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور. وهو وسيلة إثبات للبيانات والوقائع التي يتضمنها من تاريخ تحريره، والأدلة رسمية المحضر كثيرة من عدة مناحي؛
فمن الناحية القانونية، وتبعا للقواعد المقررة في قانون الالتزامات والعقود نجد الفصل 418 من قانون الإلتزامات والعقود يعرف الورقة الرسمية بأنها "هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون"، ونجد مقتضيات الفصل 419 من نفس القانون تعتبر الورقة - يعني أية ورقة محررة وموقعة من موظف ذي صفة في حدود اختصاصه -، تعتبر رسمية وحجة عن الوقائع والاتفاقات التي يشهد الموظف العمومي الذي حررها بحصولها في محضره، وتبقى كذلك إلى أن يطعن فيها بالزور. وهي حجة في الإثبات لفائدة الطرفين أو الاغيار الذين لهم مصلحة مشروعة.
فإذا كان الأمر كذلك، فهذه الميزات متوفرة في محضر المفوض القضائي من خلال ما يلي:
> المفوض القضائي يحرر محاضره في إطار المهمة الموكولة إليه من قبل المشرع ( توفر عنصري الاختصاص والصلاحية ).
> المفوض القضائي وهو من مساعدي القضاء ( توفر الصفة الوظيفية ).
> المفوض القضائي يؤدي مهمته في إطار خدمات العمومي ( توفر المصلحة العامة ).
ومن الناحية الفقهية يلاحظ أن المفوض القضائي يشتغل في إطار قانون ينظم مهنته بنصوص تشريعية وتنظيمية تجعل من بين مهامه الأساسية تحرير المحاضر ( المواد: 15 و 18 و 44 وغيرها من مواد القانون رقم 03.81 ). وهو لا يصبح مؤهلا لتحرير هذه المحاضر إلا بعد توفره على مجموعة من الشروط الذاتية والعلمية والقانونية، وبعد اجتيازه المبارة مع قضائه فترة التكوين والنجاح في نهايته، وبعد حصوله على ترخيص رسمي من وزير العدل وأداء اليمين القانونية لممارسة المهنة.
علاوة على أن عمله مراقب باستمرار من قبل رئيس المحكمة ووكيل الملك ومسؤولي المصالح الضريبية.
زيادة على أن خدماته تصب في مصلحة العدالة وموافقها ومرتفقيها؛ إما بناء على أوامر قضائية وإما بناء على طلبات مباشرة.
كما أن أتعابه منظمة بقرارات وزارية خاصة صادرة عن وزير العدل ووزير المالية، ومسطرة بحد أدنى وسقف أعلى.
وعلى هذا الأساس فالمفوض القضائي يحرر محاضر رسمية تبعا لوضعيته الاعتبارية التي تجعله شبه موظف عمومي، وتجعل محاضر مؤطرة بإجراءات محددة، تتضمن وجوبا بيانات مقررة في قواعد المسطرة المدنية وقواعد المسطرية الجنائية والقواعد القانونية ذات الصلة.
ومن الناخية القضائية فهناك عدد لا حصر له من الأحكام والقرارات والأوامر التي تقضي بأن محاضر المفوضين القضائيين حجة قاطعة لا يطعن فيها إلا بالزور، منها القرار رقم 1/394 المؤرخ في 27 شتنبر 2016 في الملف المدني رقم 3986/ 1/ 1/ 2015، وغيره كثير..
وعليه فالمفوض القضائي يحرر محضرا رسميا انطلاقا مما يلي:
- لأن له صلاحية تحرير المحاضر في إطار الاختصاصات الموكولة إليه حسب القانون رقم 03.81.
- لأنه يحرر محضره وفق الشكل الذي قرره القانون رقم 03.81.
- لأن المحضر الذي يحرره المفوض القضائي يتضمن وقائع وأحداث وأقوال وتصاريح وتواريخ وتوقيعات وفق كيفيات مقنعة ومنظمة بإرادة المشرع.
- التصريح الذي تلقاه المفوض القضائي من أحد الورثة، وهو يشهد على نفسه تحت عهدته ومسؤوليته أنه نائب عن باقي الورثة، وأنه مستعد للتنفيذ أصالة عن نفسه ونيابة عنهم خلال أجل التزم به دون وفاء، يعتبر تصريحا ملزما مادام المفوض القضائي قد ضمنه في محضره دون أن يطعن فيه أي أحد بالزور.
- التسليم بالصفة الواردة في المحضر من غير منازعة، قبل القيام بإجراءات التنفيذ، هو إقرار لا يجوز هدمه بمجرد الادعاء بصعوبة التنفيذ التي تخضع لمسطرة مقررة بمقتضى القانون؛ سواء قبل الشروع في التنفيذ أو أثناءه.
- المفوض القضائي ملزم بالأخذ بتصريحات الأطراف تحت عهدتهم ومسؤوليتهم، ولا يحق له إرغامهم على الإدلاء بوثائق الإثبات متى ظهر له تهربهم أو رغبتهم في التملص من ذلك، بناء على حسن تدبيره وتقديره الذي هو مراقب عليه من قبل القضاء..
- من بين معيقات النجاعة القضائية في عمل المفوض، ما يثيره الأطراف بحسن نية أو بسوئها رغبة منهم في التخلص من تنفيذ المقرر القضائي أو تأجيل تنفيذه. وهذا المعيق يستحيل تمريره على حساب مهمة المفوض القضائي الذي يؤسس محاضره على بيانات حقيقية تجعل منه وثيقة هامة في التنفيذ، وحجة رسمية يطمئن إليها القاضي وهو يسعى لتحقيق النجاعة القضائية.
- يتضح من خلال القرار موضوع النازلة أن مؤسسة المفوض القضائي ومؤسسة قاضي التنفيذ شريكان في تحقيق النجاعة القضائية متى تكاثفت جهودهما في التسريع بإجراءات التنفيذ بشفافية وتواصل مستمر، لا سيما وأن المفوض القضائي يمكن قاضي التنفيذ من محاضر رسمية ذات حجة قاطعة لا يطعن فيها إلا بالزور.
***
عاشرا- المفوض القضائي والنجاعة القضائية
- محضر المفوض القضائي وثيقة إثبات لا وثيقة إشهاد.
منطوق القرار:
- القرار رقم: 100.
- مؤرخ في 29 يناير 2013.
- ملف مدني عدد: 2012/6/1/3166.
"إذا كان دور المفوض القضائي ينحصر في المعاينة، فإن محضره المحرر تضمن أنه انتقل إلى المرآب وهناك وجد به المكتري، وهو أمر يدخل ضمن دائرة اختصاصه، ولأن المالك مصدق بسبب خروج ملكه من يده، ومادام المكري يحدد السبب في عقد الكراء، فعلى من يدعي خلاف ذلك إثباته. والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اعتمدت فيما قضت به على أن صفة المكري ثابتة بموجب محضر المعاينة المرفق والذي ثبت منه تواجد المكتري بالمحل ولم يدل بما يخالف ما جاء في المحضر المذكور يكون قرارها معللا تعليلا كافيا وغير خارق لأي مقتضى قانوني" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 30 ).
المستفاد من القرار:
- المحضر الذي يكلف المفوض القضائي بتحريره في إطار المعاينات، يعتبر من الوثائق الأساسية إن لم تكن الفاعلة والمؤثرة جدا في مسار الدعوى.
- نعى الطاعن على القرار الاستئنافي عدم الارتكاز على أساس قانوني وانعدام التعليل ومخالفة الفصلين 405 و 406 من قانون الالتزامات والعقود؛ من حيث إن الطاعن لم يقر أمام القضاء بما ادعاه المستأنف عليه ( خلاف لمقتضيات الفصل 405 )، وإنه لم يلتزم الصمت أو السكوت أمام المحكمة عندما دعاه القاضي للإجابة عن الدعوى ( خلافا لمقتضيات الفصل 406 )، مضيفا إلى نعيه أن القرار اعتمد - فقط - على محضر معاينة حرره مفوض قضائي لا يحق له - قانونا - الإشهاد على صحة التصريحات، لأن هذا النوع من الإشهاد هو من اختصاص القضاء.
- ردت محكمة النقض بأن محضر المفوض القضائي المحرر بتاريخ 2009/01/16، تضمن أنه انتقل إلى المرآب الكائن ب...، وهناك وجد السيد...، وهو أمر يدخل ضمن دائرة اختصاصه، وذلك يكفي للقول بصحة الإجراء، وكان على الطاعن الذي يدعي خلاف سبب تواجده بالمحل المملوك للمدعي إثبات العكس.
- المفوض القضائي في محضر المعاينة ركز على ثلاثة أمور نرصدها فيما يلي:
> أولهما- إثبات صفة المكري:
أثبت المفوض القضائي صفة المكري بأنه هو الذي طلب من المفوض القضائي إجراء معاينة على المحل ( المرآب ) المملوك له، والذي يتحوزه المكتري بموجب عقد الكراء.
> ثانيهما- المعاينة:
إثبات الانتقال إلى عنوان المحل ( المرآب ) الذي أجريت عليه المعاينة المطلوبة.
> ثالثهما- موضوع المعاينة:
أثبت المفوض القضائي أن المحل موضوع المعاينة يوجد في حيازة شخص آخر، ليس هو المالك طالب الإجراء، وإنما هو الشخص المكتري الذي صرح المالك أنه أكراه المحل ( المرآب ).
وبالنتيجة، ولما كانت القاعدة تقضي بأن المالك مصدق بسبب خروج ملكه من يده، وكان المالك نفسه يصرح أن سبب خروج ملكه من يده هو إكراؤه للمدعى عليه، فإنه كان على المدعى عليه أن يرد هذا التصريح - الذي اعتبره ادعاء - بما يخالفه، طالما أن محضر المعاينة يثبت وجوده بالمحل ( المرآب ) المكترى؛ ولذلك فمحكمة النقض أيدت ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف، حين اعتبرت أن "صفة المستأنف عليه ( المكري ) ثابتة بموجب محضر المعاينة المرفق، والذي ثبت منه تواجد المستأنف بالمحل، ولم يدل ( المستأنف ) بما يخالف ما جاء في المحضر المذكور".
- يفهم من هذا أن من ادعى خلاف ما تضمنه محضر معاينة المفوض القضائي المحرر بكيفية قانونية والمؤسس على وقائع مادية تحدد علاقة الأطراف بعضهم ببعض، ولم يعزز ادعاءه بما يفند أقوال خصمه، مكتفيا بمنازعة المفوض القضائي في اختصاصه أو في صحة محضره من غير أن يطعن فيه - جديا - بالزور، فإن مصير ادعائه هو الفشل الذريع في سلوك المسطرة السليمة للتقاضي، وبالتالي ضياع حقه إن افترضنا أنه صاحب حق، بل إنه يصبح في وضعية السكوت التي حذر منها المشرع في الفصل 406 من قانون الالتزامات والعقود حين نص على أنه "يمكن أن ينتج الإقرار القضائي عن سكوت الخصم، عندما يدعوه القاضي صراحة إلى الإجابة عن الدعوى الموجهة إليه فيلوذ بالصمت، ولا يطلب أجلا للإجابة عنه".
- المحضر المحرر من طرف المفوض القضائي وفق الشكليات المقررة قانونا والمعزز بالقرئن الظاهرة، يستمد قيمته الثبوتية من دعائمه القانونية والواقعية، التي تضفي على رسميته النظامية قوة تنفيذية لا ينزعها عنه إلا الطعن فيه بالزور، وهذه القيمة في الإثبات هي الكفيلة بتحقيق النجاعة القضائية.
- من جهة أخرى، محضر المفوض القضائي المنجز وفق الشكليات المقررة قانونا والمحرر تنفيذا لمقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، يصبح وثيقة حاسمة في إثبات الحقوق طبقا لمقتضيات الفصل 480 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه "يعتبر محضر المزايدة:
1 - سندا للمطالبة بالثمن لصالح المحجوز عليه ولذوي حقوقه.
2 - سند ملكية لصالح الراسي عليه المزاد..."؛ فهذا الفصل يؤكد على شروط قانونية يخضع لها المحضر ليصبح نافذا، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بشروط الأتمية القانونية في محاضر المفوضين القضائيين، لأنه لا يكفي في رسمية المحضر كونه محررا من جهة ذات الصفة ومختصة، بل لابد من وضع المحضر ضمن القوالب والصيغ التي يقررها القانون، من منطلق أن صاحب الصفة النظامية هو الذي ينجر مهامه وفق قوالب وصيغ النظام نفسه.
( يتبع )
***
- من نجاعة عمل المفوض القضائي التصفية النهائية لملفات النزاع
منطوق القرار
- القرار رقم: 2/345
- مؤرخ في 11 يونيو 2016
- ملف مدني رقم: 2012/2/1/5383
"مادام أن نتيجة المقاصة هي أن المدين أدى جزءا مما هو محكوم عليه به، فإن المفوض القضائي لم ينجز المقاصة بمفهوم الفصول المحتج بها والتي تقتضي التحقق من الدين، وإنما قام بإنجاز عملية حسابية في إطار تنفيذه لأحكام قضائية قابلة للتنفيذ بين دينين محددي القيمة ومتقابلين" ( أنظر: مهنة المفوض القضائي في ضوء قرارات محكمة النقض، سلسلة إصدارات المكتب الفني، محكمة النقض، المملكة المغربية، السنة 2018، عدد 5، ص 23 ).
المستفاد من القرار:
- يفهم من الانتقادات التي وجهت لهذا القرار الصادر عن استئنافية ورزازات، أنه خرق الفصول من 357 إلى 368 من قانون الالتزامات والعقود، انطلاقا من الدفع بأن الأمر الابتدائي اعتمد على محضر للمقاصة مدلى به ضمن وثائق الملف، وهو - حسب وسيلة النعي الثانية - محضر باطل لأنه أنجز من طرف مفوض قضائي؛ إذ أن المقاصة لا يمكن أن تصدر إلا بناء على حكم قضائي.
لكن محكمة النقض ردت على هذا الدفع، بأن التمسك بالمقاصة بين دينين أحدهما لا يمكن تحديده إلا بحكم هو الذي يستوجب إقامة دعوى، أما والحال أن المقاصة تمت في الدعوى بين دينين متقابلين ومحددي القيمة بناء على أحكام قضائية قابلة للتنفيذ فإن الأمر لا يحتاج إلى تقديم دعوى.
- المقاصة هي انقضاء الالتزام بالوفاء المتبادل؛ بمعنى القيام بقص أو اقتصاص دين من دين بهدف إخلاء ذمتي الدائن والمدين إخلاء كليا أو جزئيا. وهي على نوعين؛
مقاصة اتفاقية وتتم وديا بين شخصين أو أكثر بعيدا عن ساحة القضاء؛ بحيث يكون كل منهما دائن لصاحبه بمبلغ من المال، فيتفقان على إنهاء هذه العلاقة بتطهير ذميتهما بخصم دين أحدهما من دين الآخر كليا أو جزئيا.
ومقاصة قضائية وتتم تنفيذا لحكم صادر بناء على مقال مضاد أو معارض في مواجهة دعوى شخصية قائمة.
وحسب مقتضيات الفصل 319 من قانون الالتزامات والعقود، تعتبر المقاصة من أسباب إنهاء الالتزام متى توفرت شروطها العامة المقررة في الفصل 357 من نفس القانون بحيث: "تقع المقاصة إذا كان كل من الطرفين دائنا للأخر ومدينا له بصفة شخصية"، وتقع ".. بين دينين من نفس النوع، وعلى سبيل المثال بين الأشياء المنقولة المتحدة صنفا ونوعا أو بين النقود والمواد الغذائية" ( الفصل 361 )، و"يلزم لإجراء المقاصة أن يكون كل من الدينين محدد المقدار ومستحق الأداء.."( الفصل 362 )،
وحسب الفصل 367 " يترتب على المقاصة عند التمسك بها، انقضاء الدينين في حدود الأقل منهما مقدارا، ابتداء من الوقت الذي وجدا فيه معا مستوفيين الشروط التي يحددها القانون لإجراء المقاصة"، و"إذا تعدد على نفس الشخص ديون قابلة للمقاصة طبقت في شأنها القواعد المقررة في خصم المدفوعات" ( الفصل 368 ).
- وعليه فالحكم الذي بني على وثائق من بينها محضر للمقاصة حرر في إطار التنفيذ، يثبت أن ما قام به المفوض القضائي من عمليات حسابية، إنما يدخل في إطار التصفية النهائية لحكم يسهر على تنفيذه بدقة متناهية، وليس في ذلك أي خروج عن الاختصاص المسندة إليه في مجال التنفيذ.
- الطاعن لا مصلحة له في التمسك بما دفع به مادام أن نتيجة المقاصة عجلت بأن يؤدي المحكوم له جزءا مما حكم له به، والمفوض القضائي إنما قام بإنجاز عملية حسابية في إطار تنفيذه لحكم قضائي قابل للتنفيذ بين دينين محددي القيمة ومتقابلين.
- الملاحظ - إذن - أن حرص المفوض القضائي على تمكين المحكوم له من حقوقه بكيفية تعفيه من المزيد من الإجراءات، وأن ذلك مقرر سلفا بحكم قضائي أصبح قابلا للتنفيذ؛ وبالتالي فالعمليات الحسابية التي قام بها المفوض لفائدة المحكوم له لا تعتبر مقاصة بالمفهوم القانوني الذي يتوقف على حكم قضائي بإجرائها، وإن كانت كذلك بالمفهوم الرياضي المحاسباتي، بل بالعكس يمكن اعتبارها تزيدا في إكرام أطراف التنفيذ من طرف هذا المفوض بمساعدتهم على إنجاز العمليات الحسابية، سعيا لتصفية آخر مشكلة من مشاكل التنفيذ من جهة، واستهدافا لتحقيق النجاعة القضائية من جهة ثانية.
( يتبع )