د. أحمد الحطاب - ما هي أدوار الدولة؟

قد يقول قائلٌ إن أدوارَ الدولة واضحَة في الدستور. نعم وبكل تأكيد! إن كلَّ مَن أراد أن يتعرَّف على هذه الأدوار، عليه أن يطَّلعَ على محتوى الدستور. هذا شيءٌ مفروغٌ منه.

لكن، عندما فكَّرتُ في عنوان هذه المقالة، لم يخطر ببالي تكرارُ أو اجترارُ هذه الأدوار. بل ما جعلني أختار هذا العنوانَ لهذه المقالة، هو الدَّور الذي تريد فئة من الناس، ولو أنها قليلةُ العدد، أن تُلصقَه للدستور وهو ليس فيه.

وفي هذا الصدد، هناك فئةٌ أو جماعةٌ من علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، السلفيون المُتطرِّفون منهم، يؤوِّلون بعض مضامين الدستور حسب ما تُمليه عليهم خلفياتُهم وانتماءاتُهم الفكرية، الثقافية والاجتماعية.

مثلاً، عندما يُشير الدستور المغربي، في فصله الثالث، إلى "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"، فإن السلفيين المُتطرِّفين لا يرون في هذا الفصل الثالث إلا جزئَه الأول، أي "الإسلام دين الدولة" ويُصيبهم العمى الفكري في جزئه الثاني، أي "والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية".

وعندما نتعمَّق في تحليل فكر السلفيين المُتطرِّفين، سنجد أن قراءتَهم لهذا الجزء الأول من الفصل الثالث، تعني أن جميع المغاربة مسلمون، أي أن الدينَ الإسلامي هو الدين الوحيد الذي يؤمن به جميع المغاربة.

ثم لو أراد المشرِّعُ أن يُفكِّرَ مثل السلفيين المتطرِّفين، لقال "الإسلام دينُ الشعب المغربي". ولم يقُلْه. ولماذا قال مباشرةً، بعد الجزء الأول من الفصل الثالث، "والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"؟ أليس هذا الجزءُ الثاني من الفصل الثالث، واضح وضوحَ الشمس، على أن الدين الإسلامي، إن كان دينَ الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي، فهناك أديان أخرى تتعايش معه.

والدليل على ذلك، قال المُشرعُ في تصدير préambule الدستور "كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.

فحينما قال المُشرِّع "أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها"، فهذا يعني أن الدين الإسلامي ليس هو الدينُ الوحيد الذي يدين به جميعُ المغاربة. والدليل على ذلك أن المشرِّعَ قال "بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة"، أي هو الدين الغالب في المجتمع المغربي.

ويصيبهم، كذلك، العمى الفكري، حينما يقول المٌشرِّع، في نفس التَّصدير، "وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح l'ouverture والاعتدال la modération والتسامح la tolérance والحوار le dialogue، والتفاهم المتبادل la compréhension mutuelle بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء".

فلماذا قال المشرِّعُ "في ظل تشبث الشعب المغربي" ولم يقلْ "في ظل تشبُّث الدولة المغربية"؟ الجواب على هذا السؤال بسيط : لأن الدولة المغربية تحترم أو تُجسِّد إرادةَ الشعب، عبر الانتخابات، أي أن الشعبَ، عبر هذه الانتخابات، هو الذي يقرِّر مصيرَه الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي.

ولماذا قال المشرِّع "بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل؟". كذلك، الجواب على هذا السؤال بسيط لأن قِيمَ الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم، قِيمٌ كونية valeurs universelles لا يختصُّ بها الشعبُ المغربي، بل البشرية جمعاء.

ثم إن المشرِّعَ يقول، في إحدى فقرات الفصل الأول من الدستور، "تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح". والدينُ الإسلامي السَّمح هو الدين الوسطي، المعتدِل والمتسامح tolérant.

إن السلفيين المتطرفين يتنكَّرون لكثيرٍ من مُقتضيات الدستور، رغم وضوحها وضوحَ الشمس. بل ويُلصقون بهذا الدستور أمورا ليست، على الإطلاق، مَنصُوصة فيه. ما يهمُّهم، هو أن يجعلوا منه نسخةً تتماشى، كما سبق الذكرُ، مع فكرهم وطريقة تفكيرهم.

فهم يريدون دستوراً تكون فيه السيادة للدين (دولة الخلافة) وتكون القوانينُ المنبثقة عنه، بما في ذلك، القانون الأسمى، أي الدستور، مقتبسةً من الشريعة. ناسون أو مُتناسون أن المشرِّعَ يقول : "حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان".

بمعنى أن التَّمييزَ بين الأديان، بما في ذلك الدينُ الإسلامي، يدخل ضمنَ أسباب التَّمييز بين المواطنين، التي هي "الجنس أو اللون أو المعتقد (الدين) أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان".

السلفيون المتطرِّفون يريدون، كما سبق الذكرُ، دولةَ الخلافة، أو ما سُمِّيَ أو يسمَّى 'الإسلام السياسي". ولا يهمُّهم لا دستورُ البلاد ولا القوانينُ المُنبثقة عنه، التي هي، في أغلبيتِها الساحقة، قوانينٌ مدنية وضعية تتماشى مع الأوضاع التي يعيشها المواطنون المغاربة في واقعهم اليومي. والسَّلفيون المتطرِّفون يريدون أن يتحكَّموا في مصير المواطنين المغاربة. بل يريدون هم مَن يقرِّر مصيرَهم الأُخرَوي، أي هم مَن يبعثهم إلى الجنة أو إلى جهنَّم.

بينما المشرع يقول، في الفصل الأول من دستور البلاد "يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة". وهذا يعني أن السلطات القضائية والتَّشرعية والتنفيذية منفصلةٌ عن بعضها. والفصلُ يعني، هنا، أن كل سلطةٍ منفصلة عن السُّلْطتين الأخرتين، أي أن أية سلطةٍ من السُّلَط الثلاثة لا تتأثر، في اتخاذ القرارات، بما قد تُمليه عليها هاتان السلطتان.

ولهذا فأدوار الدولة، هي أدوارٌ مدنية متماشِية مع الواقع الذي يعيشه المغاربة، في حياتِهم اليومية، ولا علاقة لها بالتَّديُّن. بمعنى أن هذه الخدمات خدماتٌ كونية، أي تسعى كل دولة، كيفما كانت، لتوفيرها إلى مواطنيها.

وقد لخَّص المُشرِّعُ هذه الخدمات في تصدير الدستور المغربي، قائلاً : "إن المملكة المغربية، وفاءً لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرةَ توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة".

وهذه الخدمات هي، حسب هذا التَّصدير:

1.بناء دولة ديمقراطية démocratique يسودها الحق والقانون

2.توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة le renforcement des établissements d'un état moderne

3.إرساء دعائم مجتمع متضامن société solidaire، يتمتع فيه الجميع بالأمن la sécurité والحرية la liberté والكرامة la dignité والمساواة l'égalité، وتكافؤ الفرص égalité des chances، والعدالة الاجتماعية la justice sociale، ومقومات العيش الكريم les fondements d'une vie décente، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة". وهذه الخدمات تجسِّدها السلطة التَّشريعية في إصدار القوانين التي تصب في تحقيق التنمية الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية. كما تجسِّدها السلطة التَّنفيذية في السياسات العمومية. وتُجسِّدها السلطة القضائية في سهرها على احترام القانون ونشر قيم العدل والإنصاف.

أما السلفيون المتطرِّفون، فهدفُهم الأول والأخير، هو فرض رؤيتِهم للدين على المواطنين وحرمانٌهم من كل ما يعتبرونه مخالِفا لهذه الرؤية. وما يعتبرونه مخالفا لرؤيتهم، هو التَّصريح العالمي لحقوق الإنسان la déclaration universelle des .droits de l'homme وهذا يعني أن كل القِيم المشار إليها في تصدير الدستور، وهي جزءٌ لا يتجزَّأ من هذا التصريح، ستختفي. وانتهى الكلامُ!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...