عبدالرحيم التدلاوي - قراءة في رواية "سؤال النار" لعلي لفته

تمثل الرواية العربية ما بعد الحداثية مرحلة تتميز بتجديد البنية السردية واللغوية، مع حرية في تناول الزمن والمكان وتعددية الأصوات، إضافةً إلى نقدٍ عميق للقضايا الاجتماعية والسياسية والهوية.إذ جاءت كردّة فعل على النماذج التقليدية والحداثة الكلاسيكية، وأدخلت على السرد مجموعةً من السمات التي تميزها وتفتح آفاقا جديدة للتجريب والإبداع. وهو ما سنلمسه في رواية "سؤال النار" للمبدع العراقي علي لفته.
نبذة عن الرواية:
تدور حكايتها حول شاب خرّيج قسم التاريخ يبيع الكتب التاريخية في شارع المتنبّي وسط بغداد ، أمّه وأبوه خرّيجا قسم التاريخ أيضا ويتزوّج شابّة منذ ذات الكليّة. يتعرّض والده الى القتل بانفجار سيّارةٍ مفخّخةٍ في شارع المتنبّي. فينبثق السؤال في رأس الشاب (لماذا القتل؟) ويتشعّب لماذا نقتل بعضنا. ويبحث في عمق الكتب عن الأسباب التي جعلت الإنسان يقتل الإنسان، ومن خلال رجل كهل يمثل الأسطورة يبيع الكتب القديمة في خلفيات شوارع منطقة المتنبّي التي شهدت دخول المغول وغيرها من الأحداث التاريخية في محاولٍ للوصول الى إجاباتٍ أو حتى أنصافها.. فتنتهج الرواية أسلوب التغريب الواقعي، حين يستدعي مدوّن التاريخ على شكل رجلٍ بحسب الحقبة التاريخية التي يتم فيها مناقشة. ويتنقّلان ما بين غرفة المكتبة في البيت ومناطق بغداد، وخاصة في شارع المتنبي والمناطق المحيطة به. فيحدث الصراع بين الاثنين، كلّ يدافع عن وجهة نظره. فالشاب يتّهم مدوّني التاريخ بأنهم السبب، ومدوّن التاريخ يدافع عن الحقائق التي دوّنها عبر الكتب التي ملأت مكتبات العالم.. بدءًا من جلجامش وهولاكو حتى العصر الأموي والعبّاسي وما بعده من متغيّرات العراق في القرن الماضي، وصولًا الى الغزو الأمريكي وما بعده. * مجلة فوشيا الإلكترونية، بقلم فريق التحرير، 17 ديسمبر 2024،


تحليل عنوان رواية "سؤال النار" وعلاقته بالمتن الروائي:
يحمل عنوان الرواية "سؤال النار" دلالات عميقة ومركبة، فهو ليس مجرد اسم للعمل، بل هو مفتاح لفهم العالم الروائي الذي نسجه الكاتب. يتجلى ذلك من خلال العلاقة الوثيقة بين العنوان والمتن، حيث يعكس كل منهما الآخر ويساهم في تشكيل معنى الرواية.
النار: رمز متعدد الأوجه
النار، في بعدها الرمزي، تتجاوز مجرد كونها عنصرًا من عناصر الطبيعة، لتصبح رمزًا متعدد الأوجه يحمل معاني متضاربة. فهي ترمز إلى التطهير والتحول، كما في قول البطل: "كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى." هنا، يمثل الاشتعال الداخلي للمعرفة والتساؤل عملية تطهير للروح، وتحولًا في طريقة التفكير.
في المقابل، لا يمكن إغفال الجانب المدمر للنار، فهي قادرة على إحراق كل شيء. هذا المعنى يتردد في الرواية، كما في وصف معاناة البطل: "أكثر من ثلاثة أسابيع وأنا أعيش في واقع جديد، لا يمكن مغافرته، أو التخلص والتملص منه." هنا، تصبح النار رمزًا للمعاناة والألم الذي يسببه الواقع الجديد، واقعٌ يحرق الماضي ويترك ندوبًا لا تمحى.
السؤال: محرك البحث عن الحقيقة
"سؤال النار" لا يكتفي بترميز النار، بل يضيف إليها بعدًا آخر هو السؤال. السؤال هنا ليس مجرد أداة للاستفهام، بل هو محرك للبحث عن الحقيقة. البطل، في رحلته، لا يتوقف عن طرح الأسئلة، كما في هذا الحوار: "أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، سواء للجاحظ أو غيره. ولذا، تعال وفسر ما حصل مثالًا لأحد الخلفاء الأمويين.. هل أذكر لك اسمه أم دخل رأسك؟" هنا، يتضح أن السؤال هو وسيلة لاكتشاف الحقائق التاريخية، وفهم الأحداث التي شكلت الماضي.
التفاعل بين العنوان والمتن: وحدة المعنى
العنوان "سؤال النار" ليس مجرد إضافة خارجية للرواية، بل هو جزء لا يتجزأ منها. يتفاعل العنوان مع المتن بشكل حيوي، حيث تتجسد معاني النار والسؤال في الأحداث والشخصيات. على سبيل المثال، في هذا المشهد: "كان يجلس على الكرسي ويتابعني بعينين هادئتين، كأنه يعرفني، أو أنا أعرفه، أو على الأقل لم يكن أحدنا مستغربًا من وجود الآخر." هنا، يمثل اللقاء بين البطل والشخصية الأخرى لحظة اشتعال، لحظة تتولد فيها أسئلة جديدة وتتفتح آفاق للمعرفة.
إن "سؤال النار" عنوان ينطوي على عالم غني بالمعاني والدلالات. فالنار، في بعدها الرمزي، تمثل كلا من التطهير والتدمير، بينما السؤال يحرك عملية البحث عن الحقيقة. التفاعل بين العنوان والمتن يخلق وحدة فنية متماسكة، حيث يساهم كل عنصر في إثراء معنى الرواية. وتجدر الإششارة إلى أن هذا العنوان يستدعي عناوين مقاربة له، من مثل "عصفور النار" وهو مسلسل مصري، و"سارق النار" في الميتولوجيا الإغريقية.


مقتل الأب، وميلاد الرواية:
يطرق الروائي علي لفتة سعيد في روايته "سؤال النار" موضوعا شائكا يتعلق بتاريخ العرب وتراثهم بشكل عام والعراق بشكل خاص. فالعراق، بعد البعثة المحمدية، أصبح مركز ثقل الحضارة العربية والإسلامية ومركز القرار والسلطة السياسية والمالية والثقافية وغيرها.
يدرك المبدع أنه يطأ حقل ألغام ويدرك المخاطر المحتملة، مشيرا إليها في تقديمه لعمله الروائي، مؤكدا أن القضية التي يتناولها تخييليا مليئة بالبياضات ومسكونة بالمسكوت عنه كما يؤكد على أن سعيه لزرع فتائل الأسئلة قد يفجر قلب التاريخ ويعيد تشكيله من جديد، وهو يعي تماما أن تناوله يخضع لجدلية الإفصاح والسكوت.
ويراهن المبدع العراقي على جعل الرواية حاملة فكرية كالفلسفة، تمتلك القدرة على مناقشة الموضوعات العويصة ولكن بمنظور روائي يعتمد على الخيال في بناء عوالمه، مقدما قراءة جديدة لهذا التاريخ متعدد الأبعاد.
. تتناول الرواية جدلية الحقيقة التاريخية وكيفية تدوينها وتفسيرها، من خلال رحلة بطل الرواية الباحث عن الحقيقة في المصادر التاريخية المتناقضة. تعتمد الرواية على السرد التاريخي والنقد المعرفي، وتشير إلى أن محاولة المبدع إعادة قراءة التاريخ مرتبطة أساسا بواقعنا المعاصر المتميز بالتزييف، مما يؤكد على ضرورة التسلح بالوعي النقدي حتى لا ينزلق القارئ إلى قبول ما يطبخ.
يشعر السارد بأن كل شيء قد تغير لا بسرعة، كما شعر بأنه داهمه فكان عليه أن يتكيف معه، شعر بالخوف أولا لا بالرعب، مما ولد لديه قلقا جعله يعيش في حالتين متناقضتين؛ الواقعية والخيالية، الأولى بين أسرته وعموم الناس، والثانية خلوة مع النفس ومع الكتب. لقد أصيب بلعنة السؤال؛ هذا السؤال الذي صار مصاحبا له وتشكل ليصبح ذاتا مستقلة، وكان السؤال المؤرق هو كالتالي: لماذا نحن نعيش هكذا في صراع؟ من المسؤول؟ ولماذا كل هذا الموت قتلا واغتيالا؟ لماذا نكره الحياة ونتاجر بالموت؟
لقد كان موت الأب في انفجار إجرامي سبب حضور الأسئلة في ذهن السارد، وكان مولدا للرواية، فالانشطار لم يطل الأب، بل امتد إلى الابن الذي صار ذاتين، تعيشان في عالمين، عالم واقعي وآخر خيالي تتخلله الأسئلة، وتستبيح صمته الأحداث المروعة.
الانفجار المادي تبعه انفجار معنوي تبدى في سؤال من وماذا ولمه، وكيف ولصالح من؟
ولأن السارد الشاب متخصص في التاريخ كما أبيه وأمه؛ فقد اتخذه محاورا له، يسائله، وينتقده، والآخر يقوم أسئلته ويصحح معلوماته.
يدخل السارد في ص 9 في نقاش حاد مع صديقه الذي انبثق من السؤال، حيث يتهم السارد التدوين بالتزوير، وأنه سبب كوارثنا وتناقض المدونين.
يقوم السارد باستنطاق الكتب التي حوله، كل كتاب بالفترة التي ينتمي إليها. قراءته لهذا الكم من الكتب دفع أمه إلى نهيه عنها مادام انها لا تحظى بإجماع، في حين، شعرت الزوجة بالغيرة منها واهتمامه المتواصل بها بدل اهتمامه بها.
لكن السارد صار سجين الكتب التي يقرأها، تلك التي يبيعها والتي يحملها معه إلى غرفته، ليكتشف أنها تدون فعل الصفع العابر للزمان والمكان؛ فالتاريخ قد بدا له يمشي على صفعات. وترد الأم على ابنها الذي يستشيرها عن الكتب التي ترتبط باهتمامه بأنه ينبش بما لا يمكن الوصول معه إلى أي شيء. لكن، كيف يمكنه التخلص من انشغالاته المرتبطة بمناقشة أحداث التاريخ؟ لقد صار مسكونا بهذا الهم، وراغبا في القبض على أجوبة محتملة تريحه من عناء السؤال، وتمنحه راحة بال، فيفهم أسباب العنف، وبلوغ جذوره ليجتثها.
وانشغاله بمساءلة أحداث التاريخ، واختلاف المدونين جعله يطرح سؤالا على امه التي ظلت محافظة على نضارة وجهها وجمالها ككل تبعا لوصية الأب، سؤال يرتبط بالأذان الذي يجسد اختلاف الطوائف؛ فلكل طائفة أذانها. وحين اتجه صوب غرفته بعد أن ترك امه لصلاتها، وزوجته لشؤونها، كان ما يزال يجتر السؤال المؤرق نفسه، هل حقا ما نقرؤه هو الصدق في الحقيقة؟ !ص 11.
في الغرفة أحاط نفسه بكتب التاريخ والتفاسير وكتبا في التحقيق والتدقيق، وواجه بعضها ببعض ليجد تناقضات بينة بينها، وجعلتنا نعيش كل هذه التناقضات؛ فلولا مدوني التاريخ ما كنا لنضيع بوصلة التفكير، فبسبب تناقضاتهم نعيش واقعا مليئا بالدماء المسكوبة في البلدان العربية والإسلامية. ص 13.
لم يقم السارد في بحثه المضني بمواجهة الكتب بعضها في وجه بعض بل قام بوضعها تراكميا بحسب الأزمنة الممتدة من ما قبل الطوفان إلى اللحظة الراهنة والتي تشكل لب الموضوع؛ فهي اللحظة التي شهدت مقتل أبيه بفعل إجرامي على يد متطرفين أتوا من أعماق تلك المؤلفات.
واللافت للانتباه ان السرد يتوالد من خلال أحداث الحاضر سواء اكان التوالد كليا كحادث اغتيال الأب أم جزئيا كما لحظة رفع الأذان، أو حدث الخوف من الزوجة الذي دفع المحاور إلى سرد العبارة المستقاة من التاريخ: يبدو أن الخوف من الزوجات متوارث. فالملوك والأمراء والخلفاء يخافون من نسائهم.
وتظل المقارنة بيننا وبينهم فاعلا أساسيا في تحريك الرواية، ففرق كبير بين إلهام علمائهم من أرخميدس مرورا بغاليلو وصولا إلى أديسون، وبين إلهام فرساننا؛ فالأولى خلفت علما فيما الثانية خلفت دما. وقد وظف السارد أثناء هذه المقارنة المفارقة والسخرية المرة حيث تتسبب كلمة امرأة في حرب طاحنة يذهب ضحيتها القتلى وتبقى الكلمة مرفوعة الهامة حاملة للمعنى.
وتمتد السخرية من خلال الألقاب التي أطقها على محاوره، من مثل: يا ذا الأسماء، وذا الألقاب، وذا الصفات. ولم يكن تعدد اللقب إلا تعبيرا عن تعدد المحاور المتمدد عبر الأزمنة والأمكنة. كان السارد في حواره يبغي القبض على الصدق بدل ابتلاع ما تم تدوينه بتوجيه من السلطة/السلطات المتعاقبة. لكن، وبحسب محاوره، هل يتصف السارد بالجبن كونه لم يستطع تسمية الأسماء بأسمائها؟
لقد صار السارد متهما بإيقاظ ما يراد له سباتا، لقد صار مزعجا ويستحق الصفع، فليس من حقه السؤال.
ويظل الواقع الراهن هو المتحكم في مفاصل الرواية ككل؛ هذا الوقاع المليء بتناقضاته الصارخة، وبسيادة لغة الدم والخراب فيه. ووجد الروائي نفسه منخرطا في أسئلته المقلقة، لماذا، ومن ولأية غاية؟
لقد كانت قراءته من منظور نقدي لا يتوقف عن الكشف عمّا هو مسكوت عنه في الثقافة والاجتماع العربيين، رغم الصعوبات الجمة التي يمكن أن يواجهها في زمن عربي لا تني الحرائق تشتعل في جسده المثخن وتتنقل في جغرافياته وقد طالتها نصال الغريم أكان قد وصل على عربة غازية أو خرج من كهوف الظلام والاستبداد. 1 افتتاحية العدد الجديد يناير 2025 من مجلة الجديد الالكترونية.


إن حجم النقد الموجه إلى التاريخ العربي والإسلامي كبير للغاية، ويظهر بشكل واضح في العديد من الصفحات، ويتخذ لهجة حادة تهاجم ما هو مقدس في التراث الديني، خاصة فيما يتعلق بصحيح البخاري، فقد بدأ السارد في روايته بتقديم تحفظات من أجل تجنب غضب أولئك الذين يعتبرون هذه المواقف تهديدًا لمصالحهم الثابتة. ومن وراء هؤلاء يقف المتطرفون والجماعات المتشددة، الذين لن يسمحوا بزعزعة أركان عقيدتهم ومكاسبهم. وهذا السارد، ومن خلفه الروائي، يدرك تمامًا أن مثل هذا النقد قد أودى بحياة عدد من المفكرين والأدباء، مثل حسين مروة، ومهدي عامل، وفرج فودة، وكاد أن يودي بحياة نجيب محفوظ الذي تعرض للطعن، وتم التضييق على الباحث أبو زيد. لكن من الضروري أن نكون حذرين في تناول هذا الموضوع وأن نضعه في سياقه الصحيح. فلا شك أن الجماعات المتطرفة التي تنبع من بعض كتب التاريخ هي المسؤول الأول عن التفجيرات الدموية التي أغرقت العديد من البلدان العربية في بحر من الدماء والخراب، إلا أن هذا لا يعني التبرئة التامة من الجهات الخارجية، التي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في نشر هذه الأفكار المسمومة. فالعديد من أجهزة المخابرات الأجنبية تشرف على تدريب أفراد لهم معرفة عميقة بالدين، ولكنهم يسعون من خلال ذلك إلى تشكيك الناس في دينهم ولغتهم العربية، وتعميق الفجوات الطائفية بما يخدم أجندات دولهم. وعلى رأس هذه الدول تأتي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدعم جماعات تدعي الدين وتسعى إلى تبرير العنف تحت رايته. من خلال هذه الأنشطة، تحاول هذه القوى الكبرى تفكيك أوصال البلدان العربية، لتفقد هذه البلدان سيادتها وتستنزف ثرواتها. وما نشهده اليوم من تدهور أمني واجتماعي في مختلف الدول العربية يعد أكبر دليل على صحة هذه التوجهات.

إلى جانب ذلك، لابد من النظر إلى أن هذا الصراع المعقد لا ينحصر في أطراف واحدة فقط؛ بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل داخلية وخارجية، مع تعزيزات فكرية واستراتيجيات تدميرية تسعى إلى إضعاف الدول العربية على المدى البعيد.

فما العنصر المهيمن في الرواية؟
إن العنصر الأهم في الرواية يتمثل في الجدل بين الفكر الديني التقليدي والتراثي من جهة، ومحاولات التأويل الحر والتفكيك من جهة أخرى، حيث تشكل هذه المسألة البنية الفكرية والسردية للعمل. يدور السرد حول نقد العلاقة بين الإنسان والنصوص المقدسة والتراثية، ويعكس صراع الأجيال والتوجهات الفكرية التي تبرز من خلال شخصيات الرواية.

تقدم الرواية تصورا للعالم يركز على النصوص الدينية والتراثية، حيث تشكل هذه النصوص مرجعية أساسية للشخصيات. ومع ذلك، فإن الجدل حول كيفية تفسير هذه النصوص ومدى إلزاميتها في تشكيل الواقع الحديث هو ما يشكل محور الرواية. يظهر هذا الجدل بوضوح في نقد الرواية لصحيح البخاري والكتب التراثية الأخرى، حيث يتم التساؤل حول صدقية ما يتضمنه من أحاديث، ص 30 وما يليها، هذا التساؤل يعكس نقدا ضمنيا للطريقة التي يتم بها التعامل مع النصوص التراثية على اعتبار أنها غير قابلة للنقاش.
يرد في النص هذا الحوار: "أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، سواء للجاحظ أو غيره. ولذا، تعال وفسر ما حصل مثالًا لأحد الخلفاء الأمويين.. هل أذكر لك اسمه أم دخل رأسك؟"، فالمقتطف يعكس التفاعل بين البطل والشخصية الأخرى (ذي الأسماء)، حيث يبحث البطل عن تفسير للأحداث التاريخية. كما يعكس موضوع البحث عن الحقيقة التاريخية وكيفية تفسير الأحداث، مما يعكس أزمة الهوية والوجود. وقد أتت اللغة، هنا، مباشرة وتعكس حيرة البطل في فهم التاريخ. يوظف السارد في عمله نصوصا قادمة من التاريخ أو من المتداول اليومي، مرة كما هي، ومرة بقليل من التحوير كما في هذا المثال: ما هكذا تورد الكلمات ! ص 22. وهو تعبير ساخر ممن يأتي بالفراغ، يقول السارد موضحا: فهذا زمن لا يقتنع به الجميع بكل ما قيل فيلوون المعاني والكلمات. ولا يكتفي بذلك، بل يستدعي أبياتا شعرية تناسب سياق الحدث كاستدعاء بيت المتنبي القائل: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي... وكان السياق تحويل المحاول البندقية وهي سلاح عصري سيفا ذا ارتباط بالماضي الدموي، حتى لكأنه صار معادلا للحياة.
ونكاية في هذا القتل المتواصل قام بتحوير بيت أبي تمام، إذ صيره دلا على الحب لا على الحرب.ويمتد توظيف العبارات التاريخية من مثل: لو كان التاريخ رجلا لحاكمته تحويرا للقولة المشهورة: لو كان الفقر رجلا لقتلته، وهو بهذا التحوير يبعد القتل عن الفعل، ويضع مكانه لغة العصر المتمثلة في المحاكمة.وهو يشهر أسئلته النارية لا للإحراق ليكون سليل الفلسفة لا سليل الحروب.
هكذا صارت حياة السارد بين الفضاء الخارجي والفضاء الداخلي المتجسد في غرفة المطالعة؛ فقد أصبحت مأواه رغم ضجر الزوجة شبه المتخلى عنها، ورغم تحذيرات الأم من الجنون الذي يصيب مكثر المطالعة.
في المقتطف التالي نجد ما يدل على انشغالات السارد، يقول:
"أليس كذلك يا... نسبت ماذا سميته، وكيف لي أن أحيط به وهو الذي أخذ يعيش معي، أطارده ويطاردني، وفي كل حين له شكل، ومع كل سؤال صوت ونبرة." ص 21.
فهذا المقتطف يعكس العلاقة بين السارد و"ذي الأسماء"، حيث يصبح هذا الكيان جزءا من وعي البطل. كما يعكس الصراع بين السارد والذاكرة التاريخية، وكيف تؤثر هذه الذاكرة على حياته. وقد جاءت اللغة، هنا، شعرية وتعكس حالة السارد النفسية وتفكيره العميق.
وبانتقالنا إلى الصفحة 95، نجد المقتطف التالي: "قالت لي باختصار شديد: 'أنا مثلها حيث أكظم غيظي مهما اشتدّ فقري. وأنا ربما مثلها فهي بصرية وأنا أمي بصرية الجذور، مات أبي في العاشرة وماتت أمي وأنا في العاشرة، كبرت وتزوجني أبوك يوم كان جنديًا في البصرة.'"
فالمقتطف يعكس العلاقة بين البطل وأمه، حيث تروي الأم قصة حياتها وتشبه نفسها برابعة العدوية، ويعكس، في الوقت نفسه، موضوع الهوية والذاكرة، وكيف تؤثر التجارب الشخصية على فهم الذات. مع إشارة بعدية إلى كيفية ارتباطها بزوجها الذي عوضها عن أبيها، فكانت له نعم الزوجة، وكان لها نعم الزوج.
وفي الصفحة 98 المقتطف التالي الذي يقول : "كنت أشم رائحة عطر خلابة، تنسرب من كنفها وجيدها وأعلى نهديها إلى أنفي، اقتربت بهدوء وفي داخلي رغبة كبيرة لطرد كل ما علق بالأفكار، لكني لم أجد فكاكًا من التفكير به، حيث وجدته كمن يراقبني خلسةً من النافذة." نجده يبسط التفاعل بين السارد وزوجته، حيث يحاول البطل الهروب من أفكاره ولكن دون نجاح، ويعكس الصراع بين الواقع والخيال، وكيف تؤثر الذاكرة التاريخية على حياة البطل.
كما نراه يعكس التفاعل بين السارد والشخصيات الأخرى، حيث يبحث البطل عن تفسير للأحداث التاريخية. ومن حيث لغته نجده يتنوع بين الشعرية والواقعية، مما يعكس حالة البطل النفسية وتفكيره العميق.
كل المقتطفات السابقة، إذا، تعكس موضوعات البحث عن الحقيقة، الهوية، والوجود.
تفاعلات الزمان والمكان في تشكيل المعنى:
كيف يساهم هذا التفاعل في تشكيل رؤية الكاتب ومعانيه. في رواية "سؤال النار" لعلي لفتة سعيد، يتجلىالتداخل كعنصر أساسي في بناء العالم الروائي، حيث تتداخل أبعاد الزمان والمكان لتكوين نسيج سردي فريد.
الزمان: تداخل الماضي والحاضر:
لا يقتصر الزمن في الرواية على خطية بسيطة، بل يتسم بتداخل وتناوب بين الماضي والحاضر، مما يعكس رحلة البطل في بحثه عن الحقيقة. يتجلى ذلك في عدة مواضع من الرواية، مثل قوله وهو سيد السارد محذرا قبل الانغماس في المتن الروائي:
"ربما تأتي الرواية لمناقشة فكرة المسكوت عنه في التاريخ، وربما تقع هي في المسكوت ذاته." (ص. 5) ، فهنا يتداخل الماضي (التاريخ) مع الحاضر (الكتابة عن التاريخ)، حيث يشير السارد إلى إمكانية أن تكون الرواية نفسها جزءًا من التاريخ "المسكوت عنه" الذي تسعى لكشفه.
وفي المقتطف التالي الذي يقول"أكثر من ثلاثة أسابيع وأنا أعيش في واقع جديد، لا يمكن مغافرته، أو التخلص والتملص منه." (ص. 7)، يبرز الحاضر هنا بكل ما يحمله من تحديات، حيث يعيش البطل واقعًا جديدًا فرض عليه، ولا يستطيع التخلص من تبعاته.
وفي قوله: "كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى." (ص. 12)، نلمس امتزاج الماضي (الأحداث التاريخية) بالحاضر (القراءة) في هذا المقتطف، حيث يتفاعل السارد مع التاريخ بشكل حي، وكأنه يعيش الأحداث بنفسه.
المكان: فضاءات متنوعة تعكس الحالة النفسية:
من الملاحظ أن طوبوغرافية المكان ذات طبقات تمتد من اللحظة الراهنة وتمتد إلى عصر ما قبل الطوفان؛ ويتم استدعاء كل طبقة لتحليلها وكشف أسرارها.
كما أن هذه الأمكنة، وبخاصة المعاصرة، تتنوع في الرواية بين فضاءات مغلقة (غرفة المكتبة، البيت) وأخرى مفتوحة (شارع المتنبي، ضفاف دجلة)، مما يعكس الحالة النفسية للبطل ومراحل رحلته. على سبيل المثال: "دخلت غرفة المكتبة وأغلقت الباب بالمفتاح." (ص. 12)، فالمكان المغلق هنا يعكس عزلة البطل وانكفاءه على ذاته، حيث ينقطع عن العالم الخارجي لينغمس في بحثه عن الحقيقة.
وفي المقتطف التالي الذي يقول: "كان يجلس على الكرسي ويتابعني بعينين هادئتين..." (ص. 15)، نجد أن في هذا المكان المغلق يحضر لقاء بين شخصيتين تحملان أسرارا وكشفا، حيث تجري بينهما حوارات عميقة تكشف عن جوانب خفية من شخصياتهم.
وأما في المقتطف التالي الذي يقول: "أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه..." (ص. 20)، فينفتح المكان هنا على فضاء أوسع (شارع المتنبي)، مما يرمز إلى البحث عن المعرفة والحقيقة، حيث يخرج البطل من عزلته لينخرط في العالم الخارجي، باحثًا عن إجابات لأسئلته.
تفاعل الزمان والمكان ورحلة رحلة البحث والمعاناة:
يكشف التفاعل بين الزمان والمكان عن رحلة البطل بكل ما فيها من بحث ومعاناة. فمن خلال تداخل الأزمنة وتنوع الأمكنة، تتشكل تجربة فريدة للذات الباحثة عن أجوبة لأسئلة الوجود والتاريخ.
الأبعاد الفلسفية لتداخل الزمان والمكان:
يحمل هذا التداخل في الرواية أبعادا فلسفية عميقة، تتناول قضايا الوجود، التاريخ، والمعرفة. فالرواية لا تكتفي بتصوير العلاقة بين الزمان والمكان، بل تسعى إلى استكشاف هذه العلاقة في سياق أوسع، يتجاوز حدود السرد الأدبي.
يمكن القول، إجمالا، إن التداخل بين البعدين في رواية "سؤال النار" يمثل عنصرا حيويا في تشكيل رؤية علي لفتة سعيد للعالم. فمن خلال تفاعلات الزمان والمكان، تتكشف لنا عوالم الشخصيات، وتتضح معالم رحلة البحث عن الذات والحقيقة.


لا تقدم الرواية إجابات جاهزة، بل تترك للقارئ مساحة لتكوين آرائه الخاصة.
يظهر ذلك في الصفحة 5: "ربما تأتي الرواية لمناقشة فكرة المسكوت عنه في التاريخ، وربما تقع هي في المسكوت ذاته."
ففيها يطرح الكاتب فكرة المسكوت عنه في التاريخ، مما يدفع القارئ إلى التفكير في الحقائق المخفية والتساؤل عن سبب إخفائها.
وفي الصفحة 7، يرد المقتطف التالي: "أكثر من ثلاثة أسابيع وأنا أعيش في واقع جديد، لا يمكن مغافرته، أو التخلص والتملص منه." فالجملة هذه تعكس حالة السارد النفسية، مما يدفع القارئ إلى التفكير في كيفية التعامل مع التغيرات المفاجئة في الحياة.
المساحات التأويلية:
تأتي الرواية مليئة بالمساحات التأويلية التي تتيح للقارئ تكوين معاني مختلفة بناءً على تجربته الشخصية.
ففي الصفحة 12 يرد القول التالي: "كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى." وهو ما تتيح للقارئ أن يتخيل الأحداث كما لو كان يعيشها، مما يعمق تجربة القراءة ويجعلها أكثر تفاعلية.
اما في الصفحة 15 التي يقول مقتطفها: "كان يجلس على الكرسي ويتابعني بعينين هادئتين، كأنه يعرفني، أو أنا أعرفه، أو على الأقل لم يكن أحدنا مستغربًا من وجود الآخر." فالكاتب يترك مساحة للقارئ لتفسير العلاقة بين السارد والشخصية الأخرى، مما يضيف طبقة أخرى من التفاعل والتأويل.
كما نلمس ميل الرواية إلى إثارة مشاعر متنوعة لدى القارئ، من الحيرة إلى الصدمة إلى التأمل. كما في المقتطف التالي الوارد بالصفحة 7: "كل شيء تغير، لا أقول فجأة، بل كأنه سحر دهمني وعلي المعايشة معه." فالجملة إياها تعكس حالة الصدمة التي يعيشها البطل، مما يثير مشاعر الحيرة والقلق لدى القارئ.
الرواية تطرح أسئلة فلسفية وتاريخية عميقة، مما يدفع القارئ إلى التفكير في معانيها وتأثيرها. وهو ما نجده في مقتطف الصفحة 5: "ربما تأتي الرواية لمناقشة فكرة المسكوت عنه في التاريخ، وربما تقع هي في المسكوت ذاته."
تتيح الرواية للقارئ التفاعل معه بشكل عميق، حيث تترك مساحات للتأويل والتفكير. ومن خلال طرحها أسئلة وجودية وتاريخية عميقة، فهي تدفع القارئ إلى التفكير والتأمل. هذا التفاعل بين النص والقارئ يؤكد على ان القارئ شريكً في إنتاج المعنى.



كل شخصية في الرواية تمثل موقفا فكريا مختلفا في هذا الصراع. فالأب، على سبيل المثال، يمثل السلطة الدينية والتقليدية، ويظهر تمسكه بالتراث ورفضه لأي شكوك فيه. بينما تمثل الأم صراعا داخليا بين العاطفة والتقاليد، فهي مقيدة بمفاهيم موروثة ولكنها تظهر أيضا حساسية تجاه معاناة الأبناء. أما شخصية "ذو الوجوه" فترمز إلى التحول والتلون في الفكر الديني والسياسي، حيث يتكيف مع الظروف وفقا لمصالحه الشخصية، مما يجعله أقرب إلى نموذج "الخطاب الديني المتغير حسب المصالح".

الجدل الفكري بين الشخصيات يتجسد في التوتر بين الإيمان بالحتمية التاريخية والقدرية، وبين النزوع نحو التأويل الحر والتغيير. السارد يضع الشخصيات في مواقف تعيد إنتاج نفس الأسئلة المتعلقة بمصير الإنسان أمام سلطة النصوص، مما يجعل القارئ يتساءل: هل يمكن التحرر فعلا من هذه البنية المغلقة؟ وهل يمكن للفرد أن يتحرر من قبضة التراث؟

تستخدم الرواية اللغة كأداة لخلق التوتر، حيث يتم تفكيك المصطلحات الدينية عبر استخدامها بطرق جديدة أو إعادة تعريفها ضمن سياقات مختلفة. بعض المقاطع تعتمد على التكرار والسخرية، خاصة عند الحديث عن النصوص التراثية، مما يجعل اللغة أداة نقدية فعالة ضمن السرد.

الرواية لا تقدم حلا قاطعا لهذا الصراع الفكري، بل تتركه مفتوحا، مما يعكس واقع الجدالات الفكرية المستمرة في المجتمعات العربية. في النهاية، تترك الرواية القارئ في حالة من التساؤل المستمر حول إمكانية تحرر الفرد من تأثير التراث أم أن المصير سيكون مجرد تكرار للدوران في دوائر مغلقة.

لنتوقف قليلا عند الششخصيات التالية، لنظهر أبعادها الدلالية، وهي: السارد، والأم والأب وذو الوجوه.
تبرز رواية "سؤال النار" تميزها عبر تنوع شخصياتها وتعدد طبقاتها السردية، حيث تتداخل الشخصيات الواقعية مع تلك التاريخية والخيالية في نسيج سردي معقد. ويأتي السارد الرئيسي، الذي يتمثل في البطل، ليشكل محورا أساسيا يعبر عن الصراع الدائم مع التاريخ والحقيقة، فيما تسهم الشخصيات الأخرى في دعم الحبكة وتعميق أبعاد الرواية.
1. السارد الرئيسي (البطل)
يتجسد في شخصية شاب يعيش صراعا داخليا مع التاريخ والحقيقة، ويعتمد في سرده على وجهة نظر الذات (أول شخص). إذ يعبر مباشرة عن أفكاره ومشاعره، مما يمنح النص طابعا حدسيا ينبثق من تيار الوعي والحوار الداخلي. وتتمحور خصائص هذا السارد حول ثلاث نقاط رئيسية:
الصراع مع التاريخ حيث يعيش في حالة تحدٍ دائم مع التاريخ، إذ يتساءل عن مدى مصداقية السجلات التاريخية وكيف يمكن أن يتحول التاريخ إلى أداة للتحريف.
البحث عن الحقيقة، ففي عالم مليء بالتناقضات والأكاذيب، ينشغل البطل برحلة البحث عن الحقيقة، مما يجعله يغوص في حالة من التشتت الذهني والشك.
الحوار الداخلي إذ يعتمد البطل على الحوار الداخلي ليكشف عن صراعاته ومكنونات روحه، مما يضفي على السرد عمقًا نفسيًا يثري تجربة القارئ.
وكمثال على ذلك، نستشهد بالمقطع التالي:
"كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى. صارت اللحظة التي صنع فيها حامل السيف غريمه وهو يرتقى سلّم ما تدور حوله الأرض، رثّة اتّسعت لتشمل الجهات كلّها." (ص 10)
يعكس هذا المقطع حالة الانغماس العميق التي يعيشها البطل أثناء القراءة وتفاعله مع النصوص التاريخية، حيث يختلط الواقع بالخيال ويصبح جزءا لا يتجزأ من الأحداث التي يقرأ عنها. بهذا، يتضح كيف يستخدم السارد الرئيسي كوسيلة للتعبير عن صراعات داخلية وإنسانية معقدة، مما يعزز من بعد الرواية الفلسفي والنفسي.

وصف الأم
فيالصفحة 155، وفي غيرها من الصفحات:


من خلال هذا المقطع ومقاطع أخرى تصور الأم في الرواية على أنها شخصية تحمل ملامح الرحمة والرعاية، ولكنها في الوقت ذاته محملة بعبء عاطفي عميق. تبدو كما لو أنها تحاول جاهدة تهدئة التوترات التي تسود في الأسرة، لكن هذا لا يمنع من تصويرها كشخصية محكومة بالأعراف والتقاليد التي تحيط بها وتفرض عليها حدودا واضحة.

هذا الوصف يعكس صورة المرأة التقليدية التي تجد نفسها في صراع داخلي دائم بين الحب الذي تكنه لأسرتها وبين الخوف من التغيرات التي قد تمس من مكانتها. فهي تمثل الحالة التي تكون فيها المرأة ممزقة بين مسؤولياتها تجاه أفراد أسرتها وبين توقعات المجتمع منها، التي تقتضي التضحية المستمرة. هذا التناقض يشير إلى القيود التي تفرضها العادات والتقاليد على النساء، حيث يتوقع منهن أن يكن دائما ضحايا، يقدمن أنفسهن دون أن يتاح لهن المجال للتعبير عن رغباتهن أو تحقيق طموحاتهن الخاصة.

وصف الأب
في الصفحة 87، وفي غيرها من الصفحات:

يصور الأب في الرواية كشخصية صارمة تقليدية، متمسكة بمعتقدات قديمة قد تصل إلى حد السلطة. يظهر في مواقفه تمسكه بالثوابت، ورفضه لأي محاولة للتغيير. ورغم كونه شخصية متأملة، إلا أن إصراره على الحفاظ على إرثه الفكري والاجتماعي يجعله غير قادر على التكيف مع ما حوله.

يمثل الأب في هذا السياق السلطة الذكورية التي تعتبر ركيزة المجتمع التقليدي. هو تجسيد للتمسك بالعادات والتقاليد التي تفرض سيطرتها على الأفراد، مما يجعلهم يسيرون ضمن مسارات محددة وغير قابلة للتغيير. ومع ذلك، هذه الصورة الصارمة تخفي بداخلها ترددا داخليا وقلقا من التغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، مما يضعه في مأزق صعب بين التمسك بالماضي ورؤية المستقبل المجهول. هذه الشخصية تعكس صراع الأجيال القديمة التي تحاول مقاومة التغير، لكنها تجد نفسها في النهاية محاصرة بين رغبات التحديث ومتطلبات الحفاظ على الموروثات.

وصف ذي الوجوه، أو ذي الأسماء:
فيالصفحات 143-144، وفي غيرهما من الصفحات:

تقدم شخصية "ذي الوجوه" في الرواية كشخصية غامضة، ذات أبعاد متعددة، تظهر قدرة استثنائية على التلون والتكيف مع المواقف المختلفة. يمتلك القدرة على الإقناع والتلاعب بالكلمات، مما يجعله أشبه بمرآة تعكس تحولات وتقلبات المجتمع من حوله.

شخصية "ذي الوجوه" تجسد الزيف الاجتماعي والنفاق الذي يتخلل مختلف مجالات الحياة، سواء كان ذلك في الخطاب الديني، السياسي، أو الثقافي. هي تمثيل للقوى التي تسعى للتلاعب بالعقول والمشاعر من خلال تقديم صورة براقة عما ليس حقيقيا. تتسم هذه الشخصية بالقدرة على التكيف مع أي موقف يخدم مصالحها، فهي ليست ثابتة أو مبدئية، بل هي صورة لتغيرات المجتمع التي تنعكس في أفعال الأفراد الذين يسعون لتحقيق مكاسب شخصية على حساب القيم الحقيقية. "ذي الوجوه" يحمل في طياته معاني التحول، لكنه في الوقت نفسه يبرز الازدواجية التي يعاني منها المجتمع في محاولة الجمع بين القيم الأصيلة والمصالح المتغيرة.
إجمالا، فالشخصيات التي تم تقديمها في الرواية تمثل رموزا دالة على التحديات والمشاكل الاجتماعية التي يواجهها الأفراد في سياق مجتمع يلتزم بالموروثات العميقة:

وفي هذا السياق، يطرح سؤال مهم يتعلق بشخصية السارد المتحكم في دقة السرد، هل اهتمامه بمطالعته الكتب قد أفقده الرغبة في زوجته؟ فقد سعت بشتى الطرق إلى استعادة زوجها من كتبه التي أخذت منه حيزا كبيرا من وقته، وجعلته يستفرد بها بغرفة المطالعة على حساب غرفة النوم. نظر إلى انحسار ثوبها كنوع من الإغراء ولم يقربها، وحتى حين سعى إلى ذلك لم يجد فحولته، فهل كانت تغذية العقل على حساب الغريزة؟ هل برودته تعبير عن رغبته في عدم الإنجاب؟ هل برودته اختيارية يعبر بها عن احتجاجه على العنف الذي يسود المجتمع؟
الحوار في الرواية:
يوظف المبدع علي لفته الحوار كأداة سردية متعددة الأبعاد حتى تسهم في تطوير الحبكة وتبرز عمق الشخصيات النفسية والفلسفية. نجده يستغل الحوار في الرواية ليس فقط كوسيلة لتوصيل المعلومات، بل كآلية لعرض الصراعات الداخلية والخارجية والتفاعل بين الشخصيات ومحيطها التاريخي والواقعي والخيالي. ونلمس ذلك من خلال التحليل التالي:
الحوار الداخلي (المونولوج)
يعتبر من أبرز وسائل التعبير عن الصراعات الداخلية للشخصيات، حيث ينقل لنا التداخل بين الأفكار والمشاعر بطريقة مباشرة وحميمة. فمن خلال هذا النوع من الحوار، يتمكن الكاتب من تعميق فهم القارئ لشخصية البطل وحالته النفسية، مما يسهم في تطوير الحبكة بربط الأحداث بالتجربة الذاتية.
على سبيل المثال، يقول النص:
"كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى. صارت اللحظة التي صنع فيها حامل السيف غريمه وهو يرتقى سلّم ما تدور حوله الأرض، رثّة اتّسعت لتشمل الجهات كلّها." (ص 10)
هذا المقطع يُظهر انغماس البطل في القراءة وتفاعله العميق مع النصوص التاريخية، مما يُبرز حالة التشتت الذهني والبحث الدائم عن الحقيقة. هنا يتجلّى دور المونولوج في تعميق الشخصية من خلال الكشف عن مشاعرها وأفكارها الداخلية.
الحوار الخارجي (الديالوج)
يتجلى في تفاعل الشخصيات مع بعضها البعض، مما يساهم في بناء شبكة العلاقات بين الشخصيات ويظهر التباين في الآراء والمواقف. وفي هذا السياق، لا يكون الحوار مجرد تبادل للكلمات، بل يكون أداة لتطوير الحبكة عبر ربط الأحداث بالسياقات الاجتماعية والتاريخية.
يوضح النص هذا الدور في الحوار بين السارد وشخصية "ذي الأسماء":
"قلت له: أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، سواء للجاحظ أو غيره. ولذا، تعال وفسر ما حصل مثالا لأحد الخلفاء الأمويين." (ص 76)
من خلال هذا الحوار الخارجي، يسعى البطل إلى فهم التاريخ وتفسيره عبر تفاعل مباشر مع شخصية متخيلة تعكس واقعًا تاريخيًا، مما يُضفي على النص بعدًا فلسفيًا ونقديًا.

الحوار مع الذات
يشبه الحوار الحوار الداخلي في كونه يمكن الشخصية من التعبير عن أفكارها ومشاعرها دون وساطة طرف آخر. إلا أن هذا النوع من الحوار يركز بشكل أكبر على الحالة الوجدانية الفردية والانعزال عن المحيط الخارجي، مما يتيح للقارئ فرصة استكشاف الصراعات الداخلية بشكل أعمق.
يتكرر المثال النصي ذاته ليبرز هذه الحالة:
"كنت أقرأ وكأني أسمع، أو أشاهد الأحداث التي تروى. صارت اللحظة التي صنع فيها حامل السيف غريمه وهو يرتقى سلّم ما تدور حوله الأرض، رثّة اتّسعت لتشمل الجهات كلّها." (ص 10)
يبرز الحوار، هنا، مع الذات الانغماس الذاتي للبطل في تجربته الفكرية والعاطفية، مما يساهم في تطوير الحبكة بربطها بالحالة النفسية المتقلبة للشخصية.

الحوار مع الشخصيات التاريخية
يمثل الحوار مع الشخصيات التاريخية وسيلة للتفاعل مع الماضي ومحاولة استيعاب دوره في تشكيل الحاضر. إذ يُتيح هذا النوع من الحوار للبطل فرصة استحضار الشخصيات التاريخية واستلهام الدروس والعبر منها، مما يضيف بُعدًا نقديًا وتحليليًا للحبكة.
يتجلى ذلك في المثال التالي:
"قلت له: أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، سواء للجاحظ أو غيره. ولذا، تعال وفسّر ما حصل مثالًا لأحد الخلفاء الأمويين." (ص 76)
يسعى السارد، من خلال هذا الحوار، إلى إعادة قراءة التاريخ وتفسيره، مما يعكس صراعه مع الحقائق التاريخية والرموز التي يحملها الماضي، في إطار يتداخل فيه الواقع مع الخيال.

الحوار مع الشخصيات الخيالية
على الرغم من تشابه هذا النوع من الحوار مع الحوار مع الشخصيات التاريخية من حيث تبادل الأفكار والمعلومات، إلا أنه يبرز بعدا إضافيا تتميز به الرواية، ويدخلها ضمن الرواية ما بعد الحداثية، ويتمثل في التفاعل مع عناصر الخيال. إذ يسمح للبطل بتجاوز حدود الواقع لاستكشاف عوالم محتملة جديدة، مما يثري الحبكة بتداخل الطبقات الزمنية والمكانية.
يبرز ذلك من خلال المثال نفسه لتسليط الضوء على هذه النقطة:
"قلت له: أعرف، في جعبتك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، سواء للجاحظ أو غيره. ولذا، تعال وفسّر ما حصل مثالًا لأحد الخلفاء الأمويين." (ص 76)
هنا، يرمز الحوار مع الشخصيات الخيالية إلى محاولة البطل فك شفرة التاريخ عبر حوار يتخطى حدود الزمن، مما يعكس تداخل الواقع مع الخيال في سرد الرواية.
الحوار مع الشخصيات الواقعية
يأتي الحوار مع الشخصيات الواقعية ليُضفي على الرواية طابعا إنسانيا وحياتيا، حيث يظهر التفاعل المباشر بين البطل والأشخاص الذين يمثلون واقع حياته اليومية. هذا النوع من الحوار يعكس أيضا الصراعات العاطفية والاجتماعية التي تؤثر على الشخصية، ويساهم في بناء علاقة تفاعلية تقرب القارئ من تجارب البطل.
يتضح ذلك في المثال النصي:
"قالت لي: 'روح للغرفة انزع ملابسك واسبح ريثما أسخن لك الغداء.'" (ص 77)
من خلال هذا الحوار الواقعي، تبرز الزوجة دورها الداعم والعاطفي، مما يضفي على الرواية بعدا إنسانيا دافئا يتناقض مع التعقيدات الفكرية والتاريخية التي يعالجها السارد في حواراته الأخرى.


على سبيل الختم:
رواية "سؤال النار" تقدم سردا معقدا ومتعدد الطبقات، يعتمد على تقنيات سردية متقدمة مثل تيار الوعي، الحوار الداخلي، الاسترجاع، الانزياح الزمني، والرمزية، بالإضافة إلى استخدام الوصف الدقيق لرسم المشاهد الداخلية والخارجية. هذه التقنيات تعكس حالة السارد الذي يعيش في صراع دائم مع التاريخ والتدوين، ويبحث عن الحقيقة في عالم مليء بالتناقضات والأكاذيب. الرواية تطرح أسئلة عميقة عن طبيعة الحقيقة والتاريخ، وتترك للقارئ مساحة للتأويل والتفكير. من خلال التحليل ، يتضح أن الكاتب علي لفتة سعيد قد نجح في خلق نص أدبي غني ومتعدد الأبعاد، يستحق القراءة والدراسة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...