د. محمد الشرقاوي - عندما يموت الكبار في مغرب الاستثناء!

ثمة قرينة معنوية ورمزية ذات دلالة عميقة بين رحيل المثقفين والفنانين المرموقين، وكيف يُنعون وكيف يتم توديعهم إلى الدار الأخرى بطريقة مرموقة تعكس رقي المسؤولين والمؤسسات التي تكون وصية على الثقافة والفنون. هذه هي أعراف الدول المتحضرة العريقة ذات العمق الجمالي الرصين في رعاية الخلف لذكرى السلف.

لكن في مغرب الاستثناء، ومغرب عظمة الأخنوشيين الجدد، لا قاعدة حضارية، ولا مبادرة راقية، ولا مسؤولية إنسانية عندما يتحرك نعش نعيمة سميح وحيدا وسط حفنة من ذويها وأصدقائها، وكأنها كانت نكرة مغمورة في أرض نائية خلف الشمس. هي نعيمة التي تمسكت بأصالتها المغربية، وغنت قصائد وألحانا ومقامات موسيقية تنطق بالإبداع الأصيل غير المقلّد، وغير الذائب في تيارات التمييع والمجاراة لبريق "مركزيات" متخيلة في جغرافيات أخرى.

أعيد سماع "ياكا جرحي"، و"الخاتم"، كما لا أمل من الدندنة مع "القمر الأحمر" لبلخياط، و"راحلة" للحياني، و "مرسول الحب" للدوكالي. وكل مرة، يتحرك الدم في عروقي فيّاضًا بلون أحمر يانع، وأشعر بمعنوياتي تعلو بارتفاع علم أحمر فاقع الاحمرار فوق توبقال، وفي أعلى نقطة قرب مغارة هرقل في أعالي طنجة.

كانت نعيمة سميح من زمرة من أخلصوا في مغربية المغرب فنًّا وذوقًا وصدًى حضاريا. ولا أجد من يضاهي سميح والخياط والدوكالي في تجسيد الكينونة المغربية باكتمال هويتها وعمقها الفني. يوارى جثمان نعيمة الثرى وسط صمت الوزارات والهيئات وتجاهل مسؤولي الثقافة والفنون.

وإذا كانت ضخامة سيادة وزير الثقافة لا ترى في وفاة نعيمة سميح ما يبرّر حضوره، وإصدار بيان يخلد مقامها في المغرب الرسمي والمغرب الشعبي. فثمة خلل في فهم ماهية الثقافة والفنون في مغرب الاستثناء..


( حسب شاهد عيان حضر أربعة فنانين بمعية السيد عامل الاقليم)




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...