د. أحمد الحطاب - وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ… إلى آخرِ الآية

عنوان هذه المقالة، هو جزءٌ من الآية رقم 282 من سورة البقرة. ونصُّ الآية كاملٌ، هو التالي : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (البقرة، 282)!

ما أثار انتباهي وفضولي، هو الجزءُ الذي يقول فيه، سبحانه وتعالى : "...وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ…"

وما أثار انتباهي في هذا الجزء من الآية الكريمة، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، برَّر اختيارَ شهادة امرأتين ليس لأن المرأةَ ناقصة عقل ودين، كما يريد ذلك فئةٌ عريضةٌ من علماء وفقهاء الدين، ولكن، إذا نسيت إحداهما تفاصيلَ ما علبها من شهادةَ، فالأخرى تذكِّرها. وفعلُ "تَضِلَّ"، في هذه الآية، لا يعني الضلال بالمعنى الديني، أي الخروج أو الانحراف عن الطريق الصحيح أو السَّوي. والدليل على ذلك أن اللهَ، سبحانه وتعالى، قال "فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ". والتَّذكيرُ يكون في حالة النسيان، وخصوصا، أن سدادَ الدَّينِ، الذي هو موضوع هذه الآية، قد يستغرق وقتا طويلا. فمن الطبيعي أن المرأةَ، المَحكوم عليها بالتهميش الاجتماعي، أن لا تكونَ لها دِراية بسداد الدَّين وبأمور الشهادة. ولهذا، قال، سبحانه وتعالى : "...فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ…"، أي أن الرجلَ والمرأتين يتم اختيارُهُم بعناية.

فحبنما نقول "فلانٌ ضل الشيءَ" أو "ضل عن الشيءٍ" أو "ضل فيه"، فالمقصود، هو أن هذا الفلانَ نسيَ هذا الشيءَ أو هناك ما جعله ينساه.

ثم لو كانت المرأة ناقصةَ عقلٍ ودينٍ، فلماذا لم يُشِرْ، سبحانه وتعالى، لهذا النَّقص في القرآن الكريم؟ والآيات التي يتحدَّث فيها، عزَّ وجلَّ، عن المرأة كثيرةٌ، ولم يُشِرْ، ولو في واحدة منها، أن المرأةَ ناقصةُ عقلٍ ودينٍ.

علما أنه، عزَّ وجلَّ، يُشير في العديد من آيات القرآن الكريم، أن كلَّ شيءٍ في هذا القرآن مفصَّل تفصيلاً يُسهِّل إدراكَ معانيه من طرف مَن يتدبَّرون آياتِه، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود، 1).

وفعل "أُحْكِمَتْ"، في هذه الآية الكريمة، يعني أن هذا التَّفصيل مطابقٌ للواقع الذي يعيشه الناس. وفضلا عن هذه المطابقة، فإن مَن "أحكم" تفصيلَ الآيات، هو "حَكِيمٍ خَبِيرٍ". و"حَكِيمٍ" اسمٌ من أسماء الله الحسنى، ويعنى أن كل ما خلقه ويخلقه وما فعله ويفعله مٌتقنٌ أيما إتقان. و"خَبِيرٍ"، هو، كذلك، اسمٌ من أسماء الحسنى، ويعني إنه عليمٌ بكل الأشياء، ماضيا، حاضراً ومستقبلاً وغيبياً.

بل القرآن الكريم أعطى للمرأة ما تستحق من حقوق، وخصوصا، في الإرث والزواج والطلاق. بل كثيرٌ من الآيات الكريمة تساوي بين الرجل والمرأة، أذكر من بينها : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ" (آل عمران، 195).

أتظنون أن اللهَ، سبحانه وتعالى، سيُساوي بين رجلٍ كامل العقل وامرأة ناقصة عقلٍ ودينٍ؟ وهو الذي يقول، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ".

وفضلا عن كل هذه التَّوضيحات، لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ" (السجدة، 7)؟ فحينما يقول علماء وفقهاء الدين إن المرأةَ ناقصةُ عقلٍ ودينٍ، فهل هذا يعني أنهم لا يعترفون بأنه، عزَّ وجلَّ، قال "أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ". أليست المرأة من خلقِ الله؟

وفعلُ "أَحْسَنَ" لا يجب إدراكُه بالمعنى المتداول، أي إتقان جودة الأشياء. بل يجب إدراكُه بأن الشيءَ المخلوقَ، يتلاءم وجوده مع وجود الأشياء الأخرى في الكون وفي الأرض. وهذا يعني أن الشيءَ المخلوقَ، إن كان جماداً، له من الصفات والخاصيات ما يجعله متكيِّفا مع وجود الأشياء الأخرى. وإن كان كائنا حيا، فله، كذلك، من الصفات والخاصيات ما يجعله متكيِّفا مع الأشياء الجامدة والحيَّة.

والمرأة لها من الصفات والخاصيات ما يجعلها تحمل devenir enceinte وتلِد procréer وتُرضِع allaiter وتُربِّي éduquer وتحِنُّ être tendre…

ولهذا قال، سبحانه وتعالى : "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (التين، 4). وكلمة "الْإِنسَانَ" أطلقها الله، عزَّ وجلَّ، على البشر الذين يتساكنون ويتعايشون في المجتمعات. وكلمة "الناس" هي جمع "إنسان". والناس هم مجموع البشرية. والبشرية فيها النساء والرجال.

أما "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، فتعني في أحسن صورة. فأين نحن مما قاله المحدِّثون بأن المرأةَ ناقصة عقلٍ ودينٍ وما ترتَّب ويترتَّب عن هذا الحٌكم الجائر في حق كائنٍ حيٍّ (المرأة)؟ ومن بين ما ترتَّب عن هذا الحُكم الجائر، ما يزعمه علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليون، بأن شهادةَ المرأة تساوي نصف شهادة الرجل. بمعنى أن عقلَ المرأة يساوي نصفَ عقل الرجل.

وما لم ينتبه إليه هؤلاء العلماء والفقهاء أو تناسوه عمداً، هو أن شهادةَ المرأةِ، في هذه الآية بالضبط، تتعلَّق بالَّدَّينِ الذي قد تكون له علاقة بالمعاملات التِّجارية التي كانت متداولةً بين الناس، في عهد الرسول (ص). بل كانت هذه التِّجارةُ حِكرا على الرجال. وبالطبع، المرأةُ، في ذلك العهد، بحكم سيطرة الرجل عليها في جميع الأمور، لا خبرةَ لها في الدَّين الذي له علاقة بالمعاملات التِّجارية.

واتِّهام المرأة بنقصٍ في العقل والدِّين يتناقض مع ما كان سائداً حتي في عهد الرسول (ص)، حيث كانت بعض النساء بارزات اجتماعيا. بل بعضهن كنَّ صحابيات ويحفظن القرآن والأحاديث. وعلى رأسهم السيدتان خديجة وعائشة. السيدة خديجة، أول زوجة للرسول (ص)، ساعدته على نشر رسالة الإسلام. أما السيدة عائشة، فكان لها باعٌ طويلٌ في نشر الأحاديث النبوية. بل كانت تدخل في جدلٍ مع أبي هريرة لمبالغته في تحريف الأحاديث التي كان يبلغها للناس عن مقاصِدها.

واتِّهام المرأة بنقصٍ في العقل والدين يتناقض مع وضعها الحالي الذي طرأت عليه تغييراتٌ عميقة، وفي جميع أنحاء العالم. ولو شغَّلَ علماءُ وفقهاءُ الدين عقولَهم واطلعوا على نتائج الأبحاث العلمية، للاحظوا أن تركيبةَ جسمَي الرجل والمرأة متشابهان تركيبياُ، بيولوجياً وفيزيولوجياُ. ولهم نفس عدد الصِّبغيات les chromosomes. الفرق بينهما، هو أن المرأةَ تحمل، في خلاياها، صِبغيةَ الأنوثة التي هي X والرجل يحمل، في خلاياه، صِبغيةَ الذكورة التي هي Y.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...