هذا النص ليس مجرد قصيدة تقليدية، بل هو مرثية للأرض حين تهرم، وحكاية للفقد حين يغزو الأمكنة.
إنه عمل أدبي يتنفس الحنين لكنه مسكون بالموت، حيث لا يبقى من الحياة سوى أطلالها، ومن الذاكرة سوى شظاياها.
يقوم النص على نسيج متشابك من الصور المتراكمة التي تجسد الانطفاء، فالترع التي كانت شرايين الأرض أصبحت مستنقعات مهجورة، والمراود والمناجل التي كانت أدوات العطاء صارت مأوى للصدأ، حتى المعاول التي كانت تحفر الحياة باتت عاجزة أمام قسوة النسيان.
اعتمد الشاعر في البناء الشعري على التضاد بين الماضي والحاضر، حيث يواجه القارئ فجوة زمنية تمتد بين زمن البستان المزدهر وزمنه الحالي، حين باتت أرضه قاسية متحجرة، وطيوره هاجرت، وسواده حلّ محلّ اخضراره.
فأصبح البستان استعارة للوجود، فكل ما ينمو يحمل في داخله بذور الفناء، وكل ازدهار مقدر له أن يصير أطلالاً.
القصيدة تتنفس من عمق وجداني، حيث الحنين لا يقتصر على الأرض فقط، بل يمتد إلى طقوسها وأصواتها وروائحها.
وهي تفاصيل تخلق فضاءً حسياً يجعل القارئ شريكاً في الحداد بكل تفاصيله.
اعتمدت البنية الشعرية على التراكم التصويري، حيث تتوالى المشاهد كأنها لقطات سينمائية متتابعة، تبدأ من الترع الملوثة وتنتهي عند الشيخ الفلاح، الذي يجلس على بقعة مرتفعة ينظر إلى بستانه وينوح.
فهو انسياب شعري يحمل القارئ من مشهد إلى آخر دون فواصل، مما يعمّق الإحساس بالضياع والتيه.
ووظف الشاعر اللغة الرمزية التي تحيل إلى أكثر من معنى، فالنخل الذي بُترت رؤوسه أو أُحرق ليس مجرد نخيل، بل قد يكون رمزاً لإنسانٍ فقد جذوره، ولمجتمعٍ تبدد تاريخه، أو لعلاقةٍ كانت يوماً خصبة ثم جفّت.
واللقالق التي لم تعد تزور، فهي ليست مجرد طيور، بل إشارة إلى انقطاع دورة الحياة، إلى فقدان الأمل الذي كان يتجدد في كل موسم.
تتميز لغة القصيدة بالثراء والتنوع، حيث يستخدم الشاعر مفردات دقيقة لوصف حالة البستان.
وكما أن استخدام الأفعال بصيغة الماضي يشير إلى أن هذه التحولات قد حدثت بالفعل، مما يضفي على النص طابعاً تأملياً حزيناً.
وهكذا، تتجاوز القصيدة كونها رثاءً لبستان، لتصبح شهادة على التحولات الكبرى التي تطال الإنسان والأرض معاً.
إنها مرآة تعكس الحقيقة الأليمة:
أن ما نحبّه قد لا يموت فجأة، بل يذبل أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن إنقاذه، تماماً كما الشيخ الذي يتأمل بستانه للمرة الأخيرة، ولا يملك إلا أن يبكي.
بسمة الصباح
++++++-
شيخوخة بستان قصيدة
الترع
مطحلبة خاوية
يستعمرها الجرذان والنمل وتظللها الاشواك
وتزدحم فيها القمامة والماء النتن
المعاول والمجارف
المراود والمناجل والمسحاة يحتلها الصدأ.
انها منسية في غرفة طين سقفها البواري واغصان الاشجار المزيتة المسودة.
طلع التلقيح وحبوب المخضرات تكلست في صرة وعلقت اعلى الجدران.
المنزاح وحده يبكي على نهر صغير.
السواعد التي كانت تئن من قسوتها الارض واهنة، تعجز عن حمل اكياس تبغ اللف القماش.
الاثل يتكاثف والشجيرات البرية.
اختفت الثعالب ماهرة الصيد
بعد ان تراجعت مظلات الكروم
انتحرت الاشباح الليلية وتوارى لصوص العثوق.
الارض متحجرة
وخيوط ليف النخيل وقصب الخصاص تهرأت..
النخل بعضه دخل المحرقة والآخر بترت رؤوسه والبعض بمقبرة جماعية.
الطيور المحلية والمهاجرة هربت منه.
تغاريد المهلهل جفت واجنحة طير الرفراف مستهدفا الاسماك تحجمت
لم تعد اللقالق ترغب في زياراتها السنوية
كان بياضها وحمرة مناقيرها كازهار متنقلة
وهي شامخة الاعناق
دخل سن الشيخوخة...
شق شارع معبد وسطه
آثار مزمجرات مرت عليه واطلاقات
تخشبت اشجاره الرمان والتين والتوت
لم تعد الصبايا الخجلات يعمن في انهاره الصافية يسترهن القصب..
ولا الامهات الصغيرات يغسلن الرز فيها..
بقايا جثث الاسماك تستعرض في متحف الخنادق
يطرزه الصبار الان
ولم تعد تسمع التلاوة فيه فجرا
ولا مرح الصغار
اسرعوا بدفنه!!
بلا تابوت ولا تغسيل
فهو طاهر بالفطرة
لا تتركوا بقاياه تثير جراح فلاحه
فهو على بقعة مرتفعة يستقر كل صباح
يتأمل بستانه وينوح.
19 مارس 2025
إنه عمل أدبي يتنفس الحنين لكنه مسكون بالموت، حيث لا يبقى من الحياة سوى أطلالها، ومن الذاكرة سوى شظاياها.
يقوم النص على نسيج متشابك من الصور المتراكمة التي تجسد الانطفاء، فالترع التي كانت شرايين الأرض أصبحت مستنقعات مهجورة، والمراود والمناجل التي كانت أدوات العطاء صارت مأوى للصدأ، حتى المعاول التي كانت تحفر الحياة باتت عاجزة أمام قسوة النسيان.
اعتمد الشاعر في البناء الشعري على التضاد بين الماضي والحاضر، حيث يواجه القارئ فجوة زمنية تمتد بين زمن البستان المزدهر وزمنه الحالي، حين باتت أرضه قاسية متحجرة، وطيوره هاجرت، وسواده حلّ محلّ اخضراره.
فأصبح البستان استعارة للوجود، فكل ما ينمو يحمل في داخله بذور الفناء، وكل ازدهار مقدر له أن يصير أطلالاً.
القصيدة تتنفس من عمق وجداني، حيث الحنين لا يقتصر على الأرض فقط، بل يمتد إلى طقوسها وأصواتها وروائحها.
وهي تفاصيل تخلق فضاءً حسياً يجعل القارئ شريكاً في الحداد بكل تفاصيله.
اعتمدت البنية الشعرية على التراكم التصويري، حيث تتوالى المشاهد كأنها لقطات سينمائية متتابعة، تبدأ من الترع الملوثة وتنتهي عند الشيخ الفلاح، الذي يجلس على بقعة مرتفعة ينظر إلى بستانه وينوح.
فهو انسياب شعري يحمل القارئ من مشهد إلى آخر دون فواصل، مما يعمّق الإحساس بالضياع والتيه.
ووظف الشاعر اللغة الرمزية التي تحيل إلى أكثر من معنى، فالنخل الذي بُترت رؤوسه أو أُحرق ليس مجرد نخيل، بل قد يكون رمزاً لإنسانٍ فقد جذوره، ولمجتمعٍ تبدد تاريخه، أو لعلاقةٍ كانت يوماً خصبة ثم جفّت.
واللقالق التي لم تعد تزور، فهي ليست مجرد طيور، بل إشارة إلى انقطاع دورة الحياة، إلى فقدان الأمل الذي كان يتجدد في كل موسم.
تتميز لغة القصيدة بالثراء والتنوع، حيث يستخدم الشاعر مفردات دقيقة لوصف حالة البستان.
وكما أن استخدام الأفعال بصيغة الماضي يشير إلى أن هذه التحولات قد حدثت بالفعل، مما يضفي على النص طابعاً تأملياً حزيناً.
وهكذا، تتجاوز القصيدة كونها رثاءً لبستان، لتصبح شهادة على التحولات الكبرى التي تطال الإنسان والأرض معاً.
إنها مرآة تعكس الحقيقة الأليمة:
أن ما نحبّه قد لا يموت فجأة، بل يذبل أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن إنقاذه، تماماً كما الشيخ الذي يتأمل بستانه للمرة الأخيرة، ولا يملك إلا أن يبكي.
بسمة الصباح
++++++-
شيخوخة بستان قصيدة
الترع
مطحلبة خاوية
يستعمرها الجرذان والنمل وتظللها الاشواك
وتزدحم فيها القمامة والماء النتن
المعاول والمجارف
المراود والمناجل والمسحاة يحتلها الصدأ.
انها منسية في غرفة طين سقفها البواري واغصان الاشجار المزيتة المسودة.
طلع التلقيح وحبوب المخضرات تكلست في صرة وعلقت اعلى الجدران.
المنزاح وحده يبكي على نهر صغير.
السواعد التي كانت تئن من قسوتها الارض واهنة، تعجز عن حمل اكياس تبغ اللف القماش.
الاثل يتكاثف والشجيرات البرية.
اختفت الثعالب ماهرة الصيد
بعد ان تراجعت مظلات الكروم
انتحرت الاشباح الليلية وتوارى لصوص العثوق.
الارض متحجرة
وخيوط ليف النخيل وقصب الخصاص تهرأت..
النخل بعضه دخل المحرقة والآخر بترت رؤوسه والبعض بمقبرة جماعية.
الطيور المحلية والمهاجرة هربت منه.
تغاريد المهلهل جفت واجنحة طير الرفراف مستهدفا الاسماك تحجمت
لم تعد اللقالق ترغب في زياراتها السنوية
كان بياضها وحمرة مناقيرها كازهار متنقلة
وهي شامخة الاعناق
دخل سن الشيخوخة...
شق شارع معبد وسطه
آثار مزمجرات مرت عليه واطلاقات
تخشبت اشجاره الرمان والتين والتوت
لم تعد الصبايا الخجلات يعمن في انهاره الصافية يسترهن القصب..
ولا الامهات الصغيرات يغسلن الرز فيها..
بقايا جثث الاسماك تستعرض في متحف الخنادق
يطرزه الصبار الان
ولم تعد تسمع التلاوة فيه فجرا
ولا مرح الصغار
اسرعوا بدفنه!!
بلا تابوت ولا تغسيل
فهو طاهر بالفطرة
لا تتركوا بقاياه تثير جراح فلاحه
فهو على بقعة مرتفعة يستقر كل صباح
يتأمل بستانه وينوح.
19 مارس 2025