في زاويةٍ خفيّةٍ من الذاكرةِ الشعريّةِ، حيثُ يعلو الصمتُ على الضجيجِ، يقفُ الشاعرُ محمود البريكان شامخاً كشجرةٍ وحيدةٍ على حافةِ الريحِ، يخطُّ قصائدَه كمن يكتبُ قدرَه، بحروفٍ من ظلالٍ وأضواءٍ، وبنبضٍ يُحاكي أنينَ الأشياءِ المُهملةِ في زوايا الحياةِ، تاركاً صوتَه يترددُ في صمتِ العزلةِ.
شاعرٌ لم يسعَ إلى الأضواءِ، أرادَ أن يكونَ صوتًا في العزلةِ، ينسابُ بين الوجودِ والعدمِ، ينحتُ صمتَه العميقَ على صخرةِ الشعرِ الخالدةِ.
اختارَ البقاءَ في الظلِّ، يخطُّ كلماتِه بحذرٍ، وكان غزيرَ الإنتاجِ الأدبيِّ وقليلَ النشرِ، عميقَ الأثرِ في النفوسِ.
لغتُه مسكونةٌ بالتأملِ، بنيانُها متينٌ كقلبٍ يرفضُ الانهيارَ رغمَ صدأ السنينِ.
ليس بشاعرِ الاندفاعِ، بل هو شاعرُ الترقبِ. يقفُ عند حافةِ الأشياءِ، يتأملُها بعمقٍ، يترددُ في النطقِ، فإذا نطقَ، جاءَ كلامُه كشظايا ضوءٍ في عتمةٍ.
البريكانُ شاعرُ التكثيفِ، لا يميلُ إلى الإسهابِ، يعتمدُ على الإيحاءِ والترميزِ، بلغةٍ شعريّةٍ مشحونةٍ بالدلالاتِ، تُحاكي الرؤى أحيانًا، وتتكئُ على الصورِ الحسيّةِ المتجرّدةِ أحيانًا أخرى. يستلهمُ الرمزيّةَ، لكنّه لا يغرقُ في الغموضِ، بل يتركُ شقوقًا في المعنى لإدخالِ الضوءِ.
قصائدُه ترتكزُ على أعمدةٍ خفيّةٍ من الإحساسِ المرهفِ، وتقومُ على التشبيهاتِ المبتكرةِ والاستعاراتِ العميقةِ، وله قدرةٌ فريدةٌ على تحويلِ الأفكارِ العاديّةِ إلى إشاراتٍ فلسفيّةٍ.
تبدو الكلماتُ في شعرِه كحجارةٍ مرصوفةٍ على طريقٍ ضيّقٍ، كلٌّ منها يؤدّي إلى الآخرِ، في بناءٍ شديدِ الدقّةِ، خالٍ من الترهلِ والترفِ.
لا يغريه الطولُ، ولا يهتمُّ بتكديسِ الصورِ، بل يختارُ كلماتِه بتأنٍّ وثقةٍ.
أكبرُ ما يواجهُه البريكانُ في نصوصِه هو صراعُه مع الأملِ المستحيلِ، ومع الحلمِ الذي يتضاءلُ أمامَ عينيه لكنّه لا يجرؤُ على فقدانِه تمامًا.
هذا القلقُ والتوترُ يجعلانِ قصائدَه أقربَ إلى هواجسِ الإنسانِ المعاصرِ، الذي يُدركُ أن الخرابَ قادمٌ، لكنّه يظلُّ يُحدّقُ في الأفقِ، باحثًا عن نجمةٍ لم تنطفئ بعدُ.
لا يلجأُ البريكانُ إلى المجازاتِ المتكلّفةِ، بل يتركُ قصيدتَه تتنفسُ على مهلٍ، يعرضُ المشهدَ دون أن يُخبرَنا كيف نشعرُ حياله. ويُحمّلُ المعنى أبعادًا متعددةً، وقد لا يُفهمُ النصُّ من القراءةِ الأولى، بل يحتاجُ إلى تأملٍ وتركيزٍ.
يتكاملُ النصُّ في نسيجٍ متكاملٍ، فتُشكّلُ القصيدةُ كتلةً عضويّةً وشعوريّةً واحدةً.
ورغمَ عزلتِه، لم يكنْ شاعرًا منفصلًا عن القضايا الحياتيّةِ للإنسانِ، فهو يُلامسُ همومَ العابرينَ، وكان يجدُ قارئَه الحقيقيَّ ولو بعدَ زمنٍ طويلٍ.
محمودُ البريكانُ من أولئك الشعراءِ الذين كتبوا للذين سيأتون بعدهم، لا لمن حولهم. ولهذا، ستظلُّ نصوصُه قادرةً على أن تبعثَ الدهشةَ في نفس كلِّ من يقرأُها.
إنه شاعرٌ نحتَ اسمَه في صمتٍ غامضٍ، لكن صمتَه كان أعلى من ضجيجِ الكثيرين.
سيظلُّ محمودُ البريكانُ كنجمةٍ بعيدةٍ تأبى الأفولَ، تتلألأ بصمتٍ في سماءِ الشعرِ، لا تُرى إلا لمن يُمعنُ النظرَ طويلًا في العتمةِ.
كتبَ كمن ينحتُ ظلَّ روحِه على جدارِ الزمنِ، فكان صوتُه امتدادًا لذلك الحنينِ الدفينِ، ولتلك المسافةِ المعلّقةِ بين الحلمِ والانطفاءِ.
لم يكنْ صخبُ الأضواءِ غايتَه، بل كانت نصوصُه تتسرّبُ إلى القلوبِ العطشى للفكرةِ والدهشةِ، وللحقيقةِ الموحشةِ التي لا تُقالُ إلا همسًا.
إنه الشاعرُ الذي اختارَ أن يكونَ صمتُه قصيدةً، وأن يكونَ حضورُه غيابًا مشحونًا بالمعنى.
ورغمَ رحيلِه، فإن صوتَه لا يزالُ يترددُ في فراغِ الذاكرةِ، كأنينِه الأخيرِ الذي لم يكنْ سوى بدايةٍ لصدى طويلٍ، يمتدُّ ويترددُ في فضاءاتِ التميّزِ والإبداعِ.
بسمة الصباح
شاعرٌ لم يسعَ إلى الأضواءِ، أرادَ أن يكونَ صوتًا في العزلةِ، ينسابُ بين الوجودِ والعدمِ، ينحتُ صمتَه العميقَ على صخرةِ الشعرِ الخالدةِ.
اختارَ البقاءَ في الظلِّ، يخطُّ كلماتِه بحذرٍ، وكان غزيرَ الإنتاجِ الأدبيِّ وقليلَ النشرِ، عميقَ الأثرِ في النفوسِ.
لغتُه مسكونةٌ بالتأملِ، بنيانُها متينٌ كقلبٍ يرفضُ الانهيارَ رغمَ صدأ السنينِ.
ليس بشاعرِ الاندفاعِ، بل هو شاعرُ الترقبِ. يقفُ عند حافةِ الأشياءِ، يتأملُها بعمقٍ، يترددُ في النطقِ، فإذا نطقَ، جاءَ كلامُه كشظايا ضوءٍ في عتمةٍ.
البريكانُ شاعرُ التكثيفِ، لا يميلُ إلى الإسهابِ، يعتمدُ على الإيحاءِ والترميزِ، بلغةٍ شعريّةٍ مشحونةٍ بالدلالاتِ، تُحاكي الرؤى أحيانًا، وتتكئُ على الصورِ الحسيّةِ المتجرّدةِ أحيانًا أخرى. يستلهمُ الرمزيّةَ، لكنّه لا يغرقُ في الغموضِ، بل يتركُ شقوقًا في المعنى لإدخالِ الضوءِ.
قصائدُه ترتكزُ على أعمدةٍ خفيّةٍ من الإحساسِ المرهفِ، وتقومُ على التشبيهاتِ المبتكرةِ والاستعاراتِ العميقةِ، وله قدرةٌ فريدةٌ على تحويلِ الأفكارِ العاديّةِ إلى إشاراتٍ فلسفيّةٍ.
تبدو الكلماتُ في شعرِه كحجارةٍ مرصوفةٍ على طريقٍ ضيّقٍ، كلٌّ منها يؤدّي إلى الآخرِ، في بناءٍ شديدِ الدقّةِ، خالٍ من الترهلِ والترفِ.
لا يغريه الطولُ، ولا يهتمُّ بتكديسِ الصورِ، بل يختارُ كلماتِه بتأنٍّ وثقةٍ.
أكبرُ ما يواجهُه البريكانُ في نصوصِه هو صراعُه مع الأملِ المستحيلِ، ومع الحلمِ الذي يتضاءلُ أمامَ عينيه لكنّه لا يجرؤُ على فقدانِه تمامًا.
هذا القلقُ والتوترُ يجعلانِ قصائدَه أقربَ إلى هواجسِ الإنسانِ المعاصرِ، الذي يُدركُ أن الخرابَ قادمٌ، لكنّه يظلُّ يُحدّقُ في الأفقِ، باحثًا عن نجمةٍ لم تنطفئ بعدُ.
لا يلجأُ البريكانُ إلى المجازاتِ المتكلّفةِ، بل يتركُ قصيدتَه تتنفسُ على مهلٍ، يعرضُ المشهدَ دون أن يُخبرَنا كيف نشعرُ حياله. ويُحمّلُ المعنى أبعادًا متعددةً، وقد لا يُفهمُ النصُّ من القراءةِ الأولى، بل يحتاجُ إلى تأملٍ وتركيزٍ.
يتكاملُ النصُّ في نسيجٍ متكاملٍ، فتُشكّلُ القصيدةُ كتلةً عضويّةً وشعوريّةً واحدةً.
ورغمَ عزلتِه، لم يكنْ شاعرًا منفصلًا عن القضايا الحياتيّةِ للإنسانِ، فهو يُلامسُ همومَ العابرينَ، وكان يجدُ قارئَه الحقيقيَّ ولو بعدَ زمنٍ طويلٍ.
محمودُ البريكانُ من أولئك الشعراءِ الذين كتبوا للذين سيأتون بعدهم، لا لمن حولهم. ولهذا، ستظلُّ نصوصُه قادرةً على أن تبعثَ الدهشةَ في نفس كلِّ من يقرأُها.
إنه شاعرٌ نحتَ اسمَه في صمتٍ غامضٍ، لكن صمتَه كان أعلى من ضجيجِ الكثيرين.
سيظلُّ محمودُ البريكانُ كنجمةٍ بعيدةٍ تأبى الأفولَ، تتلألأ بصمتٍ في سماءِ الشعرِ، لا تُرى إلا لمن يُمعنُ النظرَ طويلًا في العتمةِ.
كتبَ كمن ينحتُ ظلَّ روحِه على جدارِ الزمنِ، فكان صوتُه امتدادًا لذلك الحنينِ الدفينِ، ولتلك المسافةِ المعلّقةِ بين الحلمِ والانطفاءِ.
لم يكنْ صخبُ الأضواءِ غايتَه، بل كانت نصوصُه تتسرّبُ إلى القلوبِ العطشى للفكرةِ والدهشةِ، وللحقيقةِ الموحشةِ التي لا تُقالُ إلا همسًا.
إنه الشاعرُ الذي اختارَ أن يكونَ صمتُه قصيدةً، وأن يكونَ حضورُه غيابًا مشحونًا بالمعنى.
ورغمَ رحيلِه، فإن صوتَه لا يزالُ يترددُ في فراغِ الذاكرةِ، كأنينِه الأخيرِ الذي لم يكنْ سوى بدايةٍ لصدى طويلٍ، يمتدُّ ويترددُ في فضاءاتِ التميّزِ والإبداعِ.
بسمة الصباح