شهادات خاصة صلاح الأصبحي* - الأسماء الكبيرة تمنح الجوائز قيمة وتخليدا... عبدالله إبراهيم أنموذجا

في عالم الفوز والاستحقاقات تحظى الجائزة بشرف التكريم والتقدير أكثر من نيل شخصية بعينها الجائزة ذاتها، وذلك لاعتبارات عدة، منها أن الشخصية الفائزة تَمنح الجائزة تخليداً ومكانة مرموقة وشهرة أكبر من مستواها ومن مبلغها المالي الذي تعطيه للفائز، وهذه واحدة من تلك الحالات التي أجدها مطابقة تماماً لمثل هذا التصور دون مبالغة لقناعة علمية ومعرفية ونقدية دفعتني لقول ذلك دونما تردد، وسأبرهن على قناعتي بتلمس بعض ملامح الثراء المعرفي والاختلاف الجوهري والتميز النقدي المنبثق في تجربة الناقد والمفكر العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم، والذي اعتبر فوزه بمثابة انتصار نقدي وأدبي وثقافي عربي بلا منازع .

فرغم بؤس لحظتنا العربية الراهنة، وفداحة واقعها المؤلم إلا أن فوز المفكر العربي العراقي عبدالله إبراهيم بجائزة سلطان العويس الثقافية لعام 2023 في حقل الدراسات الأدبية والنقدية أمر جدير بالاهتمام والاحتفاء والاعتراف بهذه القامة الفكرية العملاقة، وهذا الاسم الكبير صاحب الثراء المعرفي والثقل الثقافي والعقلية العبقرية المغايرة التي أثرت مكتبتنا العربية بجهد فكري واشتغال نقدي وفلسفي وتاريخ علمي بحثي لأكثر من خمسة عقود .
مع العلم بأن النقد الأدبي ما زال من أكثر مجالات العلوم الإنسانية جموداً وتحجراً بالنسبة للقارئ العربي، كلما التزم بتعقيدات تنظيرية ومصطلحات منهجية منغلقة يعجز الناقد العربي أن يقدمه_ أي النقد_ بصورة جذابة ومرنة وقريبة من استيعاب الباحث أو فهم القارئ، لكن عبدالله إبراهيم أدرك ذلك الإخفاق وتجنبه باكراً، وتعمد منذ بزوغ نجمه النقدي أن يبتعد عن تصلب ذلك الأسلوب، وأمسك العصا الطويلة التي يقبض الناقد بطرف والقارئ بالطرف الآخر، وقلص المسافة بينهما، بل وجعل من النقد مرآة تعكس كل القضايا المتعلقة بالواقع الأدبي والماضي، واضعاً حجر الأساس للمستقبل الأدبي والثقافي والفكري.
فقد اختط هذا الصنديد طريقاً جديداً لم نألفه من قبل، واختص به نفسه حتى تميز وتفرد عن غيره، معتكفاً في تقديم صورة مستجدة عن تراثنا وتاريخنا الفكري والأدبي، مقدماً نفسه كمدرسة فكرية معاصرة، وحركة إحياء أدبية مغامرة تنطلق من مرتكزات حداثية وما بعد حداثية، تنتصر للحقيقة العلمية مهما كانت صادمة، ومهما كانت ضد مسلماتنا الثقافية أو نافية عن نتاجنا العربي مجداً ليس له .
فعلى سبيل المثال أمضى الرجل ربع قرن من عمره في انجاز "موسوعة السرد العربي" الصادرة بنسختها الأخيرة في 2016، في تسعة مجلدات كبيرة، مستوعباً في ثناياها قضايا السرد العربي قديماً وحديثاً بمختلف أنواعه ( المقامات، الحكايات الخرافية، السير الشعبية، أدب الرحلات، الرواية الحديثة)، معتمداً في إحاطته هذه على أكثر من ألف مصدر أساسي، منها خمسمائة رواية صدرت منذ منتصف القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مستنبطاً القواعد الكبرى للسرد العربي من خلال هذه المدونات والمرويات السردية، وتأثيراتها في الرواية الحديثة عربياً وأجنبياً، حيث استطاع أن يجمع شتات الإشكاليات النقدية المتفشية في السرد العربي، ويخضعها لمنظاره النقدي ويقدم تفصيلات معمقة عن نقاط الاختلاف والاتفاق حولها، والتطرق لها من زاوية مغايرة لها، خلافاً لما تجذر عنها في الوعي النقدي.
من تلك الإشكاليات: التوتر الثقافي العربي في تفكيك الخطاب الاستعماري، إعادة تركيب مسار الريادة الروائية، المدونة السردية في القرن التاسع عشر، السردية الحديثة والموقف الثقافي، تعدد المرجعيات الثقافية للسرد، الممانعة النسوية ونقد الأبوية، السرد الذكوري، سيرة المنفى والأوطان المتخيلة، الهويات السردية، السرد التاريخي، والتمثيل السردي للتاريخ) قضايا كثر لا يتسع المجال لذكرها، أَلَمِّ بها وأمسك بتلابيبها وجعلها جلية وثابتة يستطيع القارئ أن يكتشف أبعادها ويتعرف على وجودها الشائك بعد أن استقر حالها في معيار عبدالله إبراهيم النقدي، حيث أصبحت آراؤه التي طرحها في صفحات هذه الموسوعة مرجعاً علمياً ومنتهى القول الذي يبني على ضوئها الباحثون دراساتهم النقدية وأبحاثهم العلمية، ولا يخلو بحث علمي عربي في نقد السرد مما احتوته هذه الموسوعة، لما لها من دقة وموضوعية وطرح منطقي خال من الأحكام الجزافية والتنظيرات الباهتة الجامدة .
ولعل السمة الأكثر بروزاً ودهشة في موسوعة السرد العربي لإبراهيم هي استقصاء واستنباط الماهية الفلسفية التي قام عليها السرد العربي قديماً وحديثاً، البعد المنطقي الرابط بين الإنسان/ والواقع ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وتاريخياً وإنسانياً، وتأثير كل هذه السياقات على تفكيره وأدبه، وعلاقة تلك الأبعاد بقيمه ومبادئه وثوابته الأخلاقية ومعتقداته الدينية، ومدى تحرره واستعباده من قبل النظم السياسية الحاكمة المؤثرة في تشكيل وعيه ورؤيته للحياة والعالم، وكيف تجلى ذلك فيما يكتب ويألف، ولذا فأنت تقف أمام كنوز معرفية تبصرك بالفكر والأدب والتاريخ والثقافة في إطار عمل نقدي واحد، يختزل قروناً من المعرفة، وعصارة جهد علمي جبار قلَّ أن تجد له نظيراً في مكتبتنا العربية عامة .
ولم يقتصر جهد إبراهيم بالموسوعة فحسب، فله مؤلفات كثيرة ناقشت قضايا فكرية وثقافية في غاية التعقيد، مثل كتاب " المركزية الإسلامية" ، " المركزية الغربية"، " معرفة الآخر" ، " الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة"، " عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين"، "الأرشيف السردي"، " عين الشمس" كنتاج متعدد الأوجه والأبعاد والانتماءات يهدف إلى إعادة المغيب ودحض المغالطات والصور الشائعة المزيفة في ثقافتنا العربية، وتناولها بطريقة عقلانية منطقية تسعى لبناء وعي ثقافي مغاير.
وقد يتساءل البعض: ما الذي جعل هذا الرجل يبدو بهذه الصورة المتوازنة والمعرفة العقلانية والكتابة المنطقية ؟ والإجابة بسيطة كونه لم ينبهر بالحداثة الغربية وينصب من نفسه حارساً لها أو مسوقاً لأفكارها وخطابها، ولم ينسلخ عن ثقافته العربية وتاريخه الفلسفي والفكري، وإنما تغلب وصارع التطرف الفكري الشائع في متون التاريخ ومدونات الثقافة، وانتقى زاوية مكّنته من تجنب سطوة الانبهار وغلالة الانعتاق، فتبرأ من التعصب لذا أو ذاك، مفتشاً عن النقاط المضيئة في أعماق العتمة والسواد، سواء في ثقافتنا العربية أو في خطاب الحداثة الغربية، ومنتصراً للقيم التي تتعلق بحرية الإنسان والتفكير والسلام والتعايش الإنساني بعيداً عن العنف والتوحش والعبودية، وهذا المنطلق الذي سار عليه ناجم عن قناعته بأن الثقافة والأدب هما السلاح الناعم الذي تسللت عبره كثير من الأفكار التدميرية والنظم الاستعمارية، وكانت سبباً في هدم مجتمعات وزوال أمبراطوريات وتمزيق شعوب بأكملها دون الانتباه أن كل ذلك كان بفعل تسرب منظومة تفكير وأطماح استعمارية ورغبات دكتاتورية، استعانت بالثقافة والأدب لتمرير مخططاتها وتأتى لها ذلك .
والخلاصة التي يمكن طرحها في هذا السياق العام فإنني كقارئ يمني أو عربي أقف بإجلال وتقدير وشغف منقطع النظير كلما أقرأ مؤلفات وكتب وأبحاث ومقالات هذا المفكر العميق، والناقد التنويري، والأكاديمي الحقيقي؛ لأنه مختلف في طرحه، مدهش في لغته، متمرد في رأيه، حفري في فكرته، صادم في تناوله، كاشف في حروفه، مستنير في خطابه، مثير في استفزازته، حداثي في تأملاته، يأسر القارئ والباحث بمكاشفاته ويمدهما برؤيا حقيقية كانت غائبة، ويبصرهما بأراء كانت مجهولة أو مطمورة بقصد أو عن غير قصد.
ولأن كتاباته تساؤلية مثيرة مدهشة فكراً وفلسفة ونقداً وتاريخاً، كما أنها نتاج أدبي ينبثق عن وعي معرفي وخبرة استراتيجية بالمتن والهامش، بالماضي والحاضر، بالمعنى وما بعد المعنى، بالفكرة ودوافعها وأهدافها وتأثيرها في الوعي والثقافة للعربي والأجنبي،، إذ نلمس في نتاجه الغزير طرحاً جديداً لقضايا جديدة وشائكة وبعضها مضطربة ومحيرة وعصية على التناول، لكنه يروضها بدهاء ويخضعها للمساءلة والتمحيص والفحص والتنقيب، لا يترك فيها ثقباً إلا وملأه باستفسار وتأمل، مجيباً على ما ثبت وتمرد عنها، لا يترك فكرة أو قضية عويصة مغلقة، فالسمة الطاغية في فكره فَتح ما أغلق، وإغلاق ما فتح، وتبديد ما اغمض وزحزحة ما يعيق طريق التنوير والحرية حيث يمثل قلمه انتصاراً حقيقياً في معركة فكرية ونقدية خاضها إبراهيم نافياً تخلفنا الفكري والثقافي والأدبي، مؤكداً خصوصية كل لغة وذاتية أدب كل مجتمع، داحضاً كونيالية الخطاب الغربي وهيمنة مركزية مابعد الكونيالية التي تريد كل فكر وأدب وثقافة العالم على نمط واحد وصورة متمثلة لها .
والأجدر بنا أن نتخذ من عطاء هذا المفكر التنويري أسلوباً في تفكيرنا وكتابتنا الإبداعية والنقدية؛ لما لها من أثار جمة بمقدورها تبصيرنا بواقعنا المتازم وثقافتنا الأصولية وتحريرنا من الأغلال التي تجرنا إلى الوراء، وتقف عائقنا بينا وبين متطلبات العصر الراهن الذي يكتسح وجودنا، ويضع جدارات عازلة بينا وبينه ثقافياً، وهي بدورها تعيق تقدمنا وتحضرنا وتحجب عنا قيم التحضر والحرية والديمقراطية، وتغرقنا في صراعات متكررة منذ ألف عام، حيث ما زلنا نتقاتل على أفكار غابرة وثارات رجعية ومرتكزات استبدادية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، غير أن إصرارنا على الموت في سبيلها، ودفاعنا المستميت عنها حَتم علينا البقاء داخل تلك الطاحونة قروناً، وقد أبيدت أجيال منا على نفس النسق، ولم نكتشف ذلك الخطأ حتى اللحظة.

* كاتب وناقد يمني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...